رئيس التحرير: عادل صبري 01:17 صباحاً | الخميس 21 يونيو 2018 م | 07 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

الربيع العربي أسقط ورقة التوت عن مزاعم القومية العربية

الربيع العربي أسقط ورقة التوت عن مزاعم القومية العربية

مقالات مختارة

خريطة الوطن العربي

أوضاع الأمن القومي العربي لأهم دولة في صفقة القرن (1-8)

الربيع العربي أسقط ورقة التوت عن مزاعم القومية العربية

لا أتصور أنّ أحدًا منا لا تؤلمه تلك الأوضاع والأحداث المحزنة والمؤسفة التي تمر بها غالب دول وطننا العربي، بالتأكيد هذا الشعور لا يقتصر فقط على المثقفين والمهتمين بواقع ومستقبل أمتنا بل يشمل كل طوائف وطبقات المجتمع وفئاته، صحيح ان منا من كان يتوقع ما يحدث الان وحذر منه، وكما كان يقول الرعاة بالصحراء إذا كانت البعرة تدل على البعير والاثر يدل على المسير فإسقاط على هذا المثل الشهير كان منطقيا في ظل ضعف غالب انظمة الحكم العربية وغياب اليات علمية وحكيمة لاتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية بالإضافة إلى تدنى المستوى العلمي والعقلي والاخلاقي لكثير من المستشارين وأهم متخذي القرار فيها ان نتوقع مثل هذا الانهيار المتسارع والتدهور الحاصل اليوم شاملا غالب دولنا العربية.

 ورغم كل هذا كنا دائما يحدونا الامل في تدخل السماء لكى تمنع انزلاقنا إلى المصير الذى نشاهده في ايامنا تلك وان تخفف من واقعنا المأساوي ومعاناة شعوبنا، توسمنا خيرا في ثورات الربيع العربي، وقلنا ان بداية الغيث قطرة، وان هروب بن على من تونس وخلع حسنى مبارك من مصر وقتل القذافي في ليبيا وخلع على عبد الله صالح في اليمن وبداية ارهاصات خلع نظام بشار الاسد في دمشق كلها وجميعها بدايات جيدة و عملية كبرى لتغيير واقعنا العربي واعادة اصلاح مؤسساته واعادة تأسيس دوله على اسس علمية متطورة لا تقل في أهميتها عن التغييرات التي حدثت في اوروبا وامريكا وأسست انظمتها بشكلها الحالي منذ قرابة ال 200 عاما أو أكثر.

و لكن ما هي الا عدة شهور قليلة وسقطت اوراق التوت عن ابعاد ومساحة الدولة العميقة التي تسيطر على اركان اوطاننا، سقطت الأقنعة عن مؤسسات وافراد وانظمة حكما كاملة كانت بين جنباتنا تدعى الوطنية وتصدح بمعاني القومية وحمايتها للأمن القومي العربي وكنا نحسبها عونا وسندا لديننا وعروبتنا وقوميتنا فاذا بها تنتفض وبقوة من اجل منع أي تغيير في انظمة الحكم وتوجهات الدول وامال الشعوب وتقضى على اى امل في نهضة ورقى وتقدم وتبذل كل غال ونفيس من أجل وأد إرهاصات الإصلاح والتغيير وتستميت في إجهاد الثورات وإعادة الأنظمة الحاكمة بنفس السياسات مع تغيير في الشخوص والأعوان والأنصار.

ولأننا اليوم نواجه عملية إعادة لتشكيل الوعي الجماعي العربي في اتجاهات ضالة وخاطئة لا تخدمه، يقودها أنصاف المثقفين ويشرف عليها الأنانيين غير الوطنيين وللأسف متعاونين مع دول غربية وشرقية فقد رأيت أن أوضح للسادة القراء خطورة الأوضاع الحالية وأن تكون السطور التالية مختصرا شديد الايجاز لأوضاع الأمن القومي العربي في ظل الانظمة الحالية بأهم دوله وبيان لسيناريوهات تقاسم النفوذ الإقليمي والعالمي خلال السنوات القليلة القادمة . ولنبدأ بالقلب والدرع والسيف لأمتنا العربية وهي مصر.

جمهورية مصر العربية

خلال أسابيع قليلة سوف تجرى انتخابات رئاسية في مصر من شبه المؤكدة ان يحسمها ويفوز بها الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي، ما حدث قبل الانتخابات خلال الشهور السابقة لا يدعو للتفاؤل أن نظام القاهرة يؤسس لدولة عصرية متطورة ويعيد بناء شبه دولة على حد وصف النظام نفسه سابقا في احدى المناسبات العامة . كما هو متوقع وتم الاتفاق عليه ضمن حزم الاصلاح مع البنك الدولي وصندوق النقد سوف يستهل النظام الفترة الرئاسية الثانية بزيادات جديدة متوالية هامة في أسعار الوقود و السلع والخدمات التي من المؤكد ان تشكل موجة تضخمية جديدة سيتحمل الجزء الأكبر من سلبياتها فقراء الشعب والذين يقدرون حاليا بحوالي 30 مليون مواطن من إجمالي عدد السكان الذي قارب على الـ 100 مليون، سوف تستمر السياسات السياسية والاقتصادية والأمنية الخاطئة، سوف يواصل نظام الحكم السيطرة على الأحزاب السياسية سواء بالعطايا والامتيازات لغالب قيادات الصفوف الاولى فيها أو التهديد والتضييق على البعض الاخر من المعارضين منها وسوف يستمر ايضا قمع المستقلين واعتقال النشطاء السياسيين والتضييق على ممارسي السياسة والعمل العام ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. سوف تستمر الدولة في السيطرة على جميع وسائل الاعلام من أجل السيطرة على الوعى الجماعي للمواطنين وتوجيهه وسوف يزداد اغلاق المواقع الاخبارية الغير متعاونة مع الحكم، وستحاول الدولة احكام السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي أو حجبها. أيضا لا نستبعد ابدا بل من المرجح أن يلجأ رئيس الدولة إلى تغيير الدستور من أجل تقليص صلاحيات البرلمان وصلاحيات رئيس الوزراء وزيادة صلاحياته وضمان ترشحه لفترات رئاسية اخرى غير محدودة وتعديل النص على حصانة وزير الدفاع تمهيدا لإقالته واحكام السيطرة على الحكم وسلطات الدولة بما فيها القضاء إلى ما شاء الله .

هنا لن نتوقف طويلا امام الخطة الاستراتيجية المعلنة للدولة رؤية مصر 2030 والتي لم تلتزم الدولة يوما بها ولم تحقق منها شيئا جديرا بالاحترام ولن نتوقف طويلا امام التصنيفات السياسية التقليدية لأنظمة الحكم ولا جدلية ما إذا كان يصنف النظام المصري حكما ديموقراطيا كاملة أو ديموقراطيًا منقوصًا أو خليطا بين الديموقراطية والديكتاتورية أو الديكتاتورية الخالصة، ولكن ما يعنينا بالمقام الاول في تلك الظروف الصعبة هو كفاءة الحكم ومدى حكمته وعقلانية قراراته، واثر سياساته في رفع المعاناة عن الشعب وتحسين أوضاعه المعيشية واعادة بناء مؤسسات الدولة على اسس قوية وعلمية متطورة واستعادة مكانتنا وسط الامم الإقليمية والعالمية التي تنافسنا حضاريا، الحقيقة وبعد فترة ليست قصيرة من السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة والحكم واقع الدولة المصرية اليوم سياسيا واقتصاديا وأمنيا واقعا مؤسفا، حتى ولو ادعى الحكم ومؤيديه عكس ذلك حتى ولو استشهدوا بتقارير دولية يقابل اضعافها عدد ويفوقها رزانة ومصداقية تقارير اخرى تؤكد كارثية سياسات الحكم واستراتيجياته .

كعادة الانظمة الاستبدادية يحاول الحاكم التغيير الاقتصادي والاجتماعي نحو الافضل والتطوير دون المساس بالانظمة الحاكمة وسياساتها وفلسفاتها وقوانينها، وغالب تجارب الدول الديكتاتورية السلطوية تؤكد استحالة تحقيق هذا . وحين تتضارب مصالح الدولة ومصالح النظام الحاكم فانه وبطبيعة الامور تتغلب انانية الحكم على مصالح الجماعة وتتحقق مصالح الحكم دون ادنى اعتبار لمصالح الشعب.

النظام الحالي في مصر يتحرك منذ الانقلاب على نظام حكم الرئيس المنتخب محمد مرسى والقبض عليه في يوليو 2014 محاولا السيطرة العسكرية الكاملة على مفاصل واركان الدولة الادارية والاقتصادية بعدما سيطر في انقلابه على اركانها السياسية، وكاد اليوم ان يكون الجيش بأذرعه الاقتصادية متداخلا بالكامل في اهم قطاعات الاقتصاد الاستراتيجية والهامة ، لم يكن لدينا أي مانع ان يستخدم الجيش امكانياته وفوائضه المالية في اقامة صناعة اسلحة حديثة ويصدرها للخارج فيتحقق بذلك للدولة عدة مصالح جميعها تصب في خانة تقويتها والمساهمة الايجابية في تقدمها ولكن الحاصل الان هو مزاحمة الجيش للقطاع الخاص في الانشطة الاقتصادية المحلية ذات المحتوى التكنولوجي المنخفض وهذا عار يجب ان يتوقف، كما ان غالب الوظائف الادارية العليا بالدولة يسيطر عليها عسكريين سابقين . والاجهزة الأمنية والعسكرية تحكم قبضتها على البرلمان والقضاء والنقابات وغرف التجارة والوزارات والهيئات الحكومية والاتحادات الرياضية، هذا الامر رغم خطورته ايضا لا يزعجنا كثيرا فكما قال زعيم الصين النابهة دينج لا يهم لون القطة ولكن المهم قدرتها على صيد الفئران لهذا طالما كانت تلك الاجراءات والسياسات تصب في المصلحة القومية العليا وتساعد في تحقيق تقدمنا وازدهارنا ورفع المعاناة عن قطاعات واسعة من شعبنا فلا باس، ولكن للأسف لا تبدو بوادر امل ان يتحقق هذا وكافة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تتدهور وتزداد الصورة قتامة إذا ما قارنا تلك المؤشرات مع المؤشرات التي تتحقق في الدول التي تنافسنا حضاريا مثل اسرائيل وتركيا وايران بل والسعودية والامارات وباقي دول الخليج .

النظام الحالي في مصر افرط في الاقتراض من الداخل والخارج وبإجماع غالب التقارير الدولية، هذا ايضا ما كان ليقلقنا كثيرا إذا ما تم استخدام تلك القروض والمساعدات في خطط تشجيع الصادرات وتحسين بيئة الاستثمارات واعادة هيكلة الاقتصاد ليكون اقتصادا مؤهلا للتعامل مع الثورة الصناعية الرابعة، ثورة اقتصاد المعرفة والمعلومات وترشيد استخدام الموارد، ما اقلقنا وازعجنا وبشدة هو استخدام هذه القروض في تمويل عجز الموازنة أو سداد قروضا قديمة أو الافراط في عقد صفقات تسليح غير مفيدة استراتيجيا أو تمويل مشاريع غير ذات عائد وغير منتجة . للعلم مصر خلال الاربعة سنوات السابقة تلقت مساعدات وقروضا لم تحدث في تاريخها كله منذ عام 1952، حيث تلقت حوالى 40 مليار دولار مساعدات من الدول العربية والاجنبية، كما اقترضت من الخارج حوالى 35 مليار دولار واقترضت من الداخل حوالى 400 مليار جنيه، تلك الاموال الضخمة لا يبدو ان لها اثرا ايجابيا مؤثرا على غالب المؤشرات الاقتصادية المصرية، فمازالت نسب التضخم ضمن الاعلى بالمنطقة ( 14 % ) ومتوقع مع ما تطلق عليه الحكومة حزما اصلاحية ان تزيد مع نهاية يونيو من العام الحالي، ومازالت البطالة مرتفعة ( 12 % ) ومعدلات الفقر تزيد ( 27 % من عدد السكان ) وعجز الموازنة العامة هو الاكبر في المنطقة ( 10 % ) ونسب التسرب من التعليم والامية تزداد ( 26 % ) وتتراجع تصنيفات مصر في مؤشرات التعليم والصحة والمواصلات وباقى الخدمات الحكومية وعدالة الحكم ونزاهة مؤسساته . كل يوم يخرج علينا رئيس الدولة وخلفه كبار رجالات الجيش والوزراء يتحدثون احاديث عامة لا تصلح ان تخرج عن قيادات دولة كمصر، تلك الاحاديث الفضفضة تشبه خطب زعماء القبائل ليس هذا اوانها ولا زمانها، يجب ان ترتبط احاديث الرئيس وقادة الحكم بجداول زمنية وخطط قومية تتناول عناصر القوة الشاملة للدولة المعلومة والامن عنصرا منها وليس الاهم على الاطلاق وكيف سيتم التعامل معها لكى نتغلب على عوائق تقدما وموانع نهضتنا ونحسن من مستوى معيشة عموم الشعب والخدمات التي تقدم له، نحن في كارثة والحكم يجملها بخطب رنانة عن انجازات أمنية يمكن بالكاد التعامل معها وقبولها كاحد الواجبات المطلوبة من جهاز وزارة الداخلية وليس رئيسا لدولة وحكومة، الحكم في جميع صوره يحاول اختزال ادواره ومسئولياته الهامة المتعددة في مجال الامن وحده معللا ومبررا فشله وخيبته في مجالات اخرى لا تقل اهمية في منظومات الامن القومي للدولة، ولعلنا وبعيدا عن الارقام التي قد تخدعنا نلمس جميعا التأثير الإقليمي المصرى الذى يتراجع وبسرعة لصالح السعودية وباقي الدول الإقليمية الاخرى بالمنطقة ولمسنا جميعا الضعف الواضح للمفاوض المصري في ازمة سد النهضة وانكشاف امكانياتنا العسكرية والدبلوماسية في مواجهة التهديدات الاثيوبية والفشل الحاصل في شبكات علاقاتنا الدولية وقدرتها التأثيرية على أثيوبيا في ضمان حصتنا التاريخية من مياه نهر النيل, كما شاهدنا وضعنا السياسي التابع وليس الفاعل في الازمة السورية وحصار قطر وليبيا وحرب اليمن الحالية بل وفى علاقاتنا المصيرية مع السودان ودول القرن الإفريقي اريتريا وجيبوتي والصومال . ( يتبع )

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان