رئيس التحرير: عادل صبري 10:55 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

«مونسانتو» و «أفاز»: صراع الفيل والنملة؟

«مونسانتو» و «أفاز»: صراع الفيل والنملة؟

مقالات مختارة

نهلة الشهال

نهلة الشهال تكتب

«مونسانتو» و «أفاز»: صراع الفيل والنملة؟

«مونسانتو»، الشركة العملاقة التي تساوي أسهمها في البورصة 50 بليون دولار، والتي يقول تقريرها لعام 2015 إنها تستخدم 22500 موظف في 66 بلداً من العالم، أرسلت قبل أيام إنذاراً قضائياً الى أوسع حركات المجتمع المدني، «أفاز»، الأميركية الأصل والعالمية الانتشار، مثلها مثل الشركة التي تدّعي عليها. يأمر الإنذار الصادر عن محكمة الدولة العليا في نيويورك الحركة بتسليم «مونسانتو» كل الوثائق التي بحوزتها وتخص الشركة المذكورة أو منتجها الأبرز، المبيد الزراعي «راوند أب» الذي يستند الى مادة «الغليزوفات» والذي تحوم الظنون حول كونه مسرطِناً، وكذلك مراسلاتها ووقائع «السكايب» أو «التشات» التي أجرتها خلال العقد الأخير، وكل أسماء النواب الأوروبيين الذين اتصلت بهم وكذلك الصحافيين الذين غطوا نشاطاتها وعناوينهم الالكترونية، وأسماء أعضائها أنفسهم وعناوينهم ومعلومات عنهم...

الإنذار الذي يحوي 168 صفحة محررة من جانب محامين كبار، يتبع إجراء قضائياً أميركياً، ويفترض عقوبات مالية إذا لم يُستجب له خلال أسبوع، تبدأ خفيفة وتتصاعد. ردت حركة «آفاز» بأنها لا تخشى الترهيب الذي اعتادت «مونسانتو» على ممارسته، وأنها تعتبر ذلك محاولة لتكميم أفواه حركة مدنية تضم 46 مليون منتسب عبر العالم، وأن الطلب يخالف المادة الأولى من الدستور الأميركي الذي يضمن للمواطنين الاجتماع والتحرك السلمي وتنظيم العرائض. وأنها أخيراً لن تستجيب لطلب يكلفها آلاف ساعات العمل ومئات ألوف الدولارات، وهو بلا طائل ولا سند. وهي طالبت العملاق المهاجِم بسحب إنذاره وإلا فهي ستطلب حماية قضائية منه، وطالبت مؤيديها بالمساهمة مالياً في معركتها هذه، وحصّلت مئة الف دولار من التبرعات خلال ساعات بعد النداء.

الاتهام المدرج في الإنذار صحيح! هو يقول إن «آفاز» سعت إلى إقناع البرلمان الأوروبي بعدم تجديد الإذن باستخدام المبيد الزراعي الأوسع انتشاراً في العالم، والذي يمثل أحد أعمدة بيزنس «مونسانتو». وبالفعل قاتلت الشركة للحصول على تجديد للإذن لخمسة عشر عاماً، واستغرقت معركتها سنتين (بين 2015 و2017) قدمت فيهما تقارير علمية وطبية من هيئات صحية أوروبية تفيد بأن المادة غير مسرطنة أو أنه لا دليل على سُمّيتها، تبين خلال التحقيقات أن بعضها قد كُتب بناء على اتصالات «مُقْنِعة» بعلماء قام بها لوبي يعمل لصالح «مونسانتو»، وأن بعضها الآخر يحوي تزويراً صريحاً لكثير من المعطيات.

كاد المجلس الأوروبي يحظر المنتج في أواخر 2017، عند التصويت النهائي بعد تأجيلات متكررة. فقد بدا أن قرار التجديد يفتقد للغالبية المطلوبة، لولا انقلاب غريب في اللحظة الأخيرة للوزير الألماني، رجح إذن التجديد، معاكساً قراراً حكومياً ألمانياً ومتسبباً بفضيحة له، إلا أنها وقعت قبيل معمعة الانتخابات العامة الأخيرة، فلم يأبه لها الوزير كثيراً على ما يبدو.

لكن التجديد طال خمس سنوات وليس خمس عشرة سنة كما كانت تطلب «مونسانتو»، والالتزام الفرنسي به مثلاً يقتصر مبدئياً على ثلاث سنوات. و «آفاز» قادت الحملة بكل تفاصيلها وما تتطلبه من متابعة، ونظمت عريضة وقّع عليها أكثر من مليوني مواطن أوروبي، واشترك معها سواها من منظمات المجتمع المدني في أوروبا وفي العالم.

هكذا تبلورت قناعة عامة بسُمّية المنتج الذي مُنح على الأرجح مهلة أخيرة قبل طيّ ملفه. والحملة ضده كانت نجحت في إغلاق أكبر معمل لإنتاجه في أميركا الجنوبية. و «آفاز» كانت أيضاً نجم قمة المناخ في باريس التي انعقدت قبل عامين ونيف، وخرجت بنتائج لم تكن سيئة!

كل ذلك يعني بلايين الدولارات المفوتة على «مونسانتو». وكانت معركة أخرى تشن بالتوازي وتتصل بالاندماج بينها وبين شركة «باير» الألمانية العملاقة (التي تبلغ قيمتها 80 بليون يورو) والعاملة - من بين أشياء أخرى- في مجال الكيمياء الزراعية والبذار المعدل جينياً، وهو الذي كانت «مونسانتو» أول من أنتجه. وكان قلق الهيئة الأوروبية يخص الاحتكار وغلق باب المنافسة وليس صحة الناس! وللتعرف الى آثار كل ذلك، لا زال الفيلم الوثائقي «العالم وفق مونسانتو» الذي استغرق انتاجه ثلاث سنوات جابت خلالها الصحافية الفرنسية ماري مونيك روبن العالم وجمعت آلاف الوثائق والأبحاث والشهادات (صدرت أيضاً في كتاب) أداة إيضاح ثمينة... وما زالت مطالعة المحكمة - غير الرسمية - التي انعقدت في لاهاي بهولندا الخريف الفائت ودانت «مونسانتو» بجريمة «الإبادة الايكولوجية» طرية في الأذهان.

ويقول الجميع، بمن فيهم المسؤولين الذين يتدبرون هذا الأمر، إنه لا مستقبل للمبيد الزراعي، ولكن يجب وضع خطة للخروج من هيمنته وتحكمه بسوق الزراعة، بما يتيح للمزارعين بدائل ويوفر لهم مرافقة لا تضر بهم، لا سيما أن القطاع الزراعي مأزوم، ليس فحسب في أوروبا التي تمثل واجهة لهذه المعارك، وانما في العالم إجمالاً.

وهناك سبب إضافي لهجوم «مونسانتو» على «آفاز»، يُعرف بقضية «بيترسون وهال»، وهما مواطنان أميركيان يلاحقان «مونسانتو» لاعتقادهما بأنها تسببت لهما بمرض سرطان الليمفوما بعد تعرضهما للاحتكاك بالمبيد. وهما يستندان في دعواهما الى سجالات البرلمان الأوروبي. وهذا ما اعتبرته «مونسانتو» جريمة يعاقب عليها القانون، لأن الحملة ضدها أثرت في قناعات عامة وفي مواقف أوروبية، أي أنها حصلت خارج الولايات المتحدة و «استوردها» هذان المواطنان.

هناك طبعاً عشرات العلماء والتقنيين العاملين في مختبرات الشركة الذين لحقت بهم سرطانات ولم يتمكنوا من «إثبات الصلة» بين أمراضهم وبين المبيد... ولعل نجاح هذين الرجلين، لو حصل، يغير المعادلة السقيمة تلك، وهو ما تخشاه «مونسانتو» لأنه يعني تعويضات مالية هائلة لكثيرين من «الضحايا». وهنا، تتكرر القصة نفسها بأسماء متعددة. فقد أقر مثلاً بضرر مادة الاسبستوس («الأميانت») التي كانت تغلف حيطان الكثير من المباني وتستخدم في شتى المجالات، ومُنعت بل تمت إعادة تأهيل لكل الأماكن التي كانت تحوي هذه المادة (والمقصود في أوروبا، وليس من المعروف إن كان ذلك شمل أماكن سواها!). إلا أن العمال الذين كانوا يعملون في تصنيعها أو يقومون باستخدامها وأصيبوا بسرطان الرئة (خصوصاً، لتنشقهم غبارها) ومنهم المئات الذين تقدموا بشكاوى، لم يحصلوا على تعويضات، لأنهم لم «يثبتوا الصلة» بين المعطيين!

وللقصة تتمة...

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان