رئيس التحرير: عادل صبري 03:42 مساءً | الأربعاء 20 يونيو 2018 م | 06 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية
القضاة والطغاة

مقالات مختارة

محمد نور فرحات

محمد نور فرحات يكتب

القضاة والطغاة

نقلا عن المصري اليوم 16 فبراير 2018 14:36

فى حديثه مع رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان فى سنة 1955، كشف عبدالناصر عن بواعث الدولة لإنشاء المحاكم الاستثنائية (كمحكمة الشعب والثورة والغدر والقضاء العسكرى)، وقال إن ذلك مرجعه لضرورة تأمين الثورة وحماية البلاد من جماعة الإخوان المسلمين (ناثان براون، حكم القانون فى العالم العربى: القانون فى خدمة مَن؟ دار سطور 2004 ص 140). وبعد عقد ونصف العقد من الزمان صاغ عبدالناصر هذه الحجة بطريقة مختلفة عندما شرح، فى حواره مع القضاة، أنه يقر بالطابع السياسى للمحاكم الاستثنائية التى أُنشئت بعد الثورة، وأن إنشاءها يعكس رغبته فى احترام القضاة بتجنيبهم هذه القضايا السياسية الحرجة، لذلك أنشأ مجلس قيادة الثورة المحاكم المُشكَّلة من ضباط عسكريين لتجنب توريط القضاء العادى فى الصراعات والخصومات السياسية التى تنخرط فيها الدولة.

 

هذا التصريح أقر فيه عبدالناصر بصراحته المعهودة بأن القضاء الاستثنائى ليس مقصودا به تحقيق العدل، بل مقصود به ردع الخصوم السياسيين دون نظر لمعايير المحاكمة العادلة (فى محاكمة خميس والبقرى إثر إضراب عمال كفر الدوار سنة 1952 انتدب القاضى صحفيا قانونيا، هو موسى صبرى، من بين الحاضرين للدفاع عن المتهمين اللذين حُكم بإعدامهما)، ثم صدر قانون الأحكام العسكرية سنة 1966، الذى أجاز لرئيس الجمهورية متى أُعلنت حالة الطوارئ أن يحيل للقضاء العسكرى أيا من الجرائم المنصوص عليها فى قانون العقوبات (م 6)...

 

وثمة حكم قضائى يُعد علامة ناصعة فى تاريخ محكمة القضاء الإدارى (برئاسة المستشار طارق البشرى) قضى بإلغاء إحالة قضايا المدنيين للقضاء العسكرى، وقد برع الحكم فى التحليل اللغوى لمصلحة الحرية، ففسر كلمة (الجرائم) بأنها طوائف الجرائم قبل وقوعها وليست قضايا بعينها بعد نسبة الجرائم إلى متهميها.

 

ليس هدفنا هنا البحث فى القضاء الاستثنائى وصلته بمبدأَى الاستقلال وضمانات المحاكمة العادلة، فقد نعود إلى هذا الموضوع الشائك فيما بعد. ولكن ما يعنينا أن نظام يوليو كان له مفهومه الخاص لمبدأ استقلال القضاء، مؤداه: «دع القضاة يحكمون بالعدل فيما لا يهم نظام الحكم، ودع النظام يلجأ لقضائه الاستثنائى فيما يهمه الردع فيه».

 

هذه القاعدة تم تجاوزها والإطاحة بها تماما ردا على إصدار بعض القضاة أحكاما بالبراءة فى قضايا كان يهم النظام إدانة المتهمين فيها، فضحى القضاة بمناصبهم، بل بحياتهم ثمنا للحفاظ على استقلالهم (أشير إلى حادثة انتحار المستشار كامل لطف الله وإلى استقالة المستشار محمود عبداللطيف، بعد حكمه فى قضية السفير أمين سوكة على غير هوى النظام).

 

وعلى أى حال، فقد أصبح إدماج القضاة فى آليات النظام السياسى شاغلا رسميا. وكتب المرحوم جمال العطيفى مجموعة مقالات فى «الأهرام» فى الستينيات، حاصلها ضرورة التزام القضاة فى أحكامهم بأهداف الثورة ومرحلة التحول الاشتراكى، أى أن الشرعية الثورية مقدمة على الشرعية الشكلية. وجمع المرحوم جمال العطيفى مقالاته هذه فى كتابه المعنون بـ(آراء فى الشرعية والحرية)، الذى صدر فى الستينيات. ومع ذلك لم يسلم جمال العطيفى من البطش عندما كتب مقالا بجريدة الأهرام ينتقد فيه عدم نشر بعض القوانين المهمة فى الجريدة الرسمية، فجرى اعتقاله ولم يُفرج عنه إلا بعد تدخل المرحوم «هيكل» شخصيا، فقد كان «العطيفى» يعمل مستشارا قانونيا لجريدة الأهرام.

 

وتبع ذلك أن قام على صبرى، أمين عام الاتحاد الاشتراكى، وقتئذ، بنشر عدة مقالات فى جريدة الجمهورية، يدعو فيها إلى ضرورة اندماج القضاة فى التنظيم السياسى الوحيد حتى يلتزموا بأهداف الثورة فى أحكامهم القضائية.

 

وكانت هذه المقالات تُبث على الهواء فى الإذاعة المصرية. وانتشرت الدعوة إلى إنشاء محكمة عليا تلتزم بأهداف التحول الاشتراكى، فأُنشئت المحكمة العليا سنة 1969 لهذا الغرض، والتى سرعان ما تحولت على خلاف الهدف الأول من إنشائها إلى محكمة دستورية عليا تسهر على احترام الدستور.

 

ما حدث فى هذا العصر معروف. بعد هزيمة يونيو أصدر نادى القضاة، الذى كان يترأسه المستشار ممتاز نصار، بيانا أرجع فيه الهزيمة إلى غيبة الحريات وتكميم الأفواه. كرد فعل على ذلك صدر قرار بقانون بإعادة تنظيم القضاء، وتم بمقتضاه استبعاد القضاة غير الموالين للنظام، وهم بالمئات، وكان فى مقدمتهم المستشار الجليل ممتاز نصار، والمستشار العظيم الراحل يحيى الرفاعى. هذا القرار المشين بإعادة تنظيم القضاء، (الذى هو تكرار لما جرى مع مجلس الدولة سنة 1954)، تم إلغاؤه فى عصر السادات بحكم من محكمة النقض. (علما بأن السادات كان صاحب الكلمة الأولى فى إعداد قوائم أسماء القضاة المفصولين).

 

نتوقف عند ممتاز نصار، الذى لعب كرجل قانون وقضاء دورا بارزا ليس فى الدفاع عن استقلال القضاء فحسب، بل فى الدفاع عن الحريات ومقاومة الاستبداد داخل البرلمان. وسجل ممتاز نصار نضاله فى سبيل الحفاظ على استقلال القضاء فى كتاب أصدره بعنوان (معركة العدالة).

 

بعد عزله من القضاء سنة 1969 عمل بالمحاماة، بعد أن كان يشغل منصب نائب رئيس محكمة النقض، وكان مرشحا ليشغل منصب رئيس محكمة النقض، طبقا لدوره فى الأقدمية، التى كانت تقليدا راسخا لدى رجال القضاء. (صدر مؤخرا قانون أطاح بها).

 

خاض ممتاز نصار تجربة العمل السياسى، ورشح نفسه لعضوية مجلس الشعب فى مسقط رأسه بدائرة البدارى عام 1976، وفاز بالمقعد. ثم رشح نفسه مرة ثانية عام 1979، وخرج آلاف الناخبين لانتخابه وصاحبوا الصناديق وحرسوها بأرواحهم حتى تمام عملية الفرز.

 

وفى هذا المجلس، الذى شهد أزهى عصور المعارضة، خاض ممتاز نصار معارك برلمانية كبرى، بالتنسيق مع كبار النواب المستقلين، وأبرزهم حلمى مراد ومحمود القاضى وعادل عيد وغيرهم ممن يقدرون شرف النيابة عن الشعب وجسامة مهمتها.

ويذكر التاريخ دور ممتاز نصار، محامى الشعب المصرى، فى دفاعه عن هضبة الأهرام، بعد أن شرعت الحكومة وقتئذ فى منح امتياز استغلالها لمستثمرين أجانب مشبوهين. ومثلما نجحت نعمات أحمد فؤاد فى خوض المعركة الشعبية، وحشدت الرأى العام بكتاباتها على صفحات الصحف ضد بيع هضبة الأهرام، نجح ممتاز نصار فى انتزاع حكم قضائى تاريخى بمنع بيع أرض مصر الغالية ورمزها التاريخى لمجموعة من الأفاكين.

 

كان هذا يحدث فى مناخ سياسى فاسد ومناخ اقتصادى أباح ثروات مصر للنصابين والأفاكين الدوليين، وهو مناخ مشابه لما حدث فى عهد الخديو إسماعيل، فوفدت قوافل الأفاكين إلى مصر لنهبها تحت ستار قانون استثمار رأس المال العربى والأجنبى، الذى أصدره السادات عام 1974، وهو المناخ الذى أطلق عليه الراحل العظيم أحمد بهاء الدين (انفتاح السداح مداح).

 

وقد أرسلت هيئة اليونسكو خطاب تقدير لعضو مجلس الشعب ممتاز نصار وللدكتورة نعمات أحمد فؤاد، لدورهما فى حماية أهرامات مصر، ولأنهما أنقذا ثروة مصر القومية والتراث العالمى من الضياع.

 

ولكن فات اليونسكو أن ممتاز نصار ونعمات أحمد فؤاد لم يكونا لينجحا فى وقف صفقة بيع أهرامات مصر لو لم يكن قيادات مصر فى ذلك الوقت ذوى حس سياسى ويحترمون أحكام القضاء، ولا يستخدمون القمع المادى المباشر وتدبير القضايا والبلاغات الكيدية وسيلة للتنكيل بخصومهم السياسيين.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان