رئيس التحرير: عادل صبري 07:35 صباحاً | الثلاثاء 20 فبراير 2018 م | 04 جمادى الثانية 1439 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

كيف ترد أمريكا على هزيمتها أمام روسيا؟

جورج دبليو بوش اعترف بانكسار نظام بلاده

كيف ترد أمريكا على هزيمتها أمام روسيا؟

أحمد مغربي 13 فبراير 2018 16:10

ربما كان مضحكاً مشهد انكشاف صلع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام رياح قويّة أزاحت شعره المستعار، لكن انكشافاً مؤلماً ومأسويّاً جاءه محمولاً مع «رياح» هبّت من الخليج العربي!

فمن أبو ظبي، أقرّ الرئيس الجمهوري السابق جورج دبليو بوش، وهو من رموز «المحافظين الجدد»، بحدوث التدخّل الإلكتروني الروسي في بلاده أثناء الانتخابات الرئاسيّة في 2016 التي جاءت بترامب رئيساً. وبكلمات واضحة، اعترف بوش بأنّ نظام بلاده انكسر أمام التدخل الإلكتروني الذي نظّمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أظهر عبقرية في توجيه تلك الضربة، وفق كلمات بوش.

إذن، لم يعد ضرورياً انتظار المواجهة المرتقبة بين المحقق الفيديرالي روبرت مولر وترامب في البيت الأبيض، في شأن التدخل الروسي. بات التدخّل الإلكتروني واقعة يصعب تجاهلها. ولم يكن إقرار رئيس أميركي سابق (من قلب الحزب والتيار السياسي الأكثر تأييداً لترامب)، سوى حلقة جديدة في سيل من اعترافات مماثلة وردت على ألسنة قادة الأجهزة الاستخباريّة الأميركيّة، ومجاميع من السياسيّين الأميركيين، وما لا يحصى من المحللين والإعلاميين والمراقبين والمختصين وسواهم.

وفي المقابل، لا يعني ذلك كله أن الولايات المتحدة لا تملك رداً حيال ذلك التدخل الذي يوازي ضربة استراتيجيّة عسكريّة كبرى. ليس الأمر تخميناً. يكفي حكّ الذاكرة قليلاً، للعودة إلى أيام صدور التقارير الأولى عن التدخّل الإلكتروني الروسي.

وآنذاك، جاءت كلمات الردّ الأميركي على لسان الرئيس السابق باراك أوباما، الذي أعطى تفاصيل عن عمليات اختراق إلكتروني لمؤسّسات سياسيّة كبرى، تحديداً الحزب الديموقراطي، وسرقة بيانات حساسة منها. وعلى غرار التهديدات المتبادلة بضربات نوويّة أثناء «الحرب الباردة»، توعّد البيت الأبيض آنذاك بالرد على تلك الهجمات، محذّراً موسكو من أنها ستكون «متناسبة». وفي ذاكرة أيام «الحرب الباردة» أن ذلك الوصف كان مستخدماً آنذاك في وصف سيناريوات الحرب النوويّة بين العملاقين الأميركي والسوفياتي، خصوصاً التناسب بين الضربة النوويّة الأولى والرد عليها. وعلى تساوي كلام البيت الأبيض مع الأوصاف التي وردت على لسان الجنرال جايمس كلايبر، المدير السابق للاستخبارات القوميّة (الأميركيّة)، وُصِفَت تلك الهجمات الروسيّة بأنها تهديد للأمن والسيادة في الولايات المتحدة، قبل أيام قليلة من تصريحات البيت الأبيض في شأنها.

تنصيب رئيس «روسي» في واشنطن

هل تستأهل الاختراقات الروسيّة ذلك التوصيف؟ الأرجح أن الأمر يحمل من الجديّة والجسامة ما أوجب ورود تلك الأوصاف الحربيّة في كلام أوباما والجنرال كلابر الذي كان آنذاك رئيساً لـ «مجتمع الاستخبارات» Intelligence Society الذي يضم كل المؤسّسات الاستخباريّة (17 جهازاً، وربما أكثر نظراً إلى إمكان وجود أجهزة سريّة) في «بلاد العم سام». فقد أشار المسؤولان إلى أن تلك الهجمات تعتبر محاولة روسيّة للتأثير في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة، وهي فائقة الحساسيّة لأسباب تشمل التبدّل الاستراتيجي في النظام الدولي وموقع أميركا فيه، ما يعني أنها تضرب صلب القرار الوطني السيادي للشعب الأميركي.

وليس بعيداً من الذاكرة أيضاً أن خللاً في نظام التصويت الإلكتروني في الانتخابات الرئاسيّة لعام 2000، أحدث فارقاً حاسماً في التوجّهات الرئاسيّة في أميركا، بل رسم مساراً سياسياً مغايراً على امتداد الكرة الأرضيّة. ومع الخلل في نظام «فوتوماتيك» Votomatic، وإعادة احتساب الأصوات في فلوريدا، وصل الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش، صاحب التصريح بالانكسار إلكترونيّاً أمام روسيا، وهي مفارقة محمّلة بالدلالات.

والأرجح أن ليس من مجازفة كبرى في القول أن مسارات استراتيجيّة مختلفة ربما كانت لترتسم، في حال خسر بوش الابن وتيار «المحافظين الجدد» تلك الانتخابات أمام آل غور مرشّح الحزب الديموقراطي آنذاك.

المعلوماتيّة وتداول السلطة

الأرجح أن سابقة فلوريدا ما زالت حاضرة في المؤسّسة السياسيّة الأميركيّة. إذ أدى الخلل الإلكتروني في ولاية فلوريدا، مع أشياء أخرى بالطبع، إلى عدم وصول المرشح الديموقراطي آنذاك، آل غور. وفي مصادفة محمّلة بالدلالة، تساوقت تصريحات البيت الأبيض في 2016 عن التدخل الإلكتروني الروسي في الانتخابات الرئاسيّة، مع اندفاعة قويّة من آل غور لتجديد تأييده للمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون. واستعاد غور سابقة البطاقات الإلكترونيّة غير الواضحة التثقيب (عرفت باسم «شاد» chad)، ليصف نفسه بأنّه المثل الحيّ على أهمية التصويت وعمليات احتساب الأصوات. ألا تثير تلك المعطيات كلها أسئلة ممضة عن مدى اطمئنان الشعب الأميركي إلى مناعة قراره الوطني وممارسته السياديّة في ذلك المجال؟

وحاضراً، هناك أشياء تحدث في العوالم الافتراضيّة، ربما لا تظهر دلالتها الكاملة إلا عبر «ترجمتها» إلى ما يوازيها في العالم الفعلي. وبداهة يعني تدخل دولة ما في الانتخابات الرئاسيّة لدولة أخرى انتهاكاً لمبدأ سيادة الدول واستقلالها والتجاوز على إرادة شعبها. كيف يكون الأمر عندما يحدث ذلك التدخل في دولة كبرى، بل القوة العظمى الوحيدة حاضراً، وهي مؤثّرة في شؤون الدول كافة؟ كيف يكون ذلك عندما يتعلّق التدخل في تلك الانتخابات بدولة (روسيا) يتمثّل توجهها الاستراتيجي أساساً في تعديل وزنها دولياً بالمقارنة مع الولايات المتحدة في مرحلة خروجها من أحادية هيمنتها على النظام العالمي والانتقال إلى نظام من التشابك المعقّد بين القوى الدوليّة؟

عند النظر إلى الأمور من تلك الزاوية، ينفتح أفق للتأمل في مغزى أن يكون الحديث في رأس السلطة الأميركيّة عن الهجمات الإلكترونيّة الروسيّة على الحزب الحاكم حاضراً في الولايات المتحدة، وكذلك احتمال تدخل روسيا بهجمات إلكترونيّة في الانتخابات الرئاسيّة، بلغة تستقي من قاموس الحرب النوويّة والردع الاستراتيجي الدولي.

وكذلك ليست خالية من الدلالة استعادة تلك الكلمات المهدّدة التي استخدمها البيت الأبيض آنذاك في وصف الردّ المحتمل على «الغزوة» الروسيّة في الفضاء الافتراضي. إذ أوضح أنّ أوباما وضع على الطاولة: «الوسائل المهمة التي تتمتع بها الحكومة الأميركية للدفاع عن أنظمتنا المعلوماتيّة في الولايات المتحدة»، إضافة إلى إمكان «شن عمليات هجوميّة في دول أخرى».

إذن، كانت تلك حرباً على أعلى مستوى، على رغم صمتها النسبي المتأتي من كون ساحة المعركة فيها هي الفضاء الافتراضي لشبكة الإنترنت.

في ذلك الفضاء، هنالك ما لا حصر له من الوسائل والأدوات التي تستخدم في حروب الإنترنت. وبعد كشوفات الخبير المعلوماتي الأميركي إدوارد سنودن، ظهر إلى العلن سلاح لم يكن الحديث عنه مألوفاً قبل سنودن، هو: ثغرات يوم القيامة» Doomsday Vulnerabilities التي تسمّى أيضاً «هشاشات اليوم صفر» Zero Day Vulnerabilities، مع ملاحظة الطابع الحربي للتسميتين. ويطلق تعبير الهشاشة (أو الثغرة) على أخطاء في تصميم النُظُم الإلكترونيّة، بمعنى أنها أخطاء في الشيفرة الإلكترونيّة الأساسيّة التي تكتب بها صيغ تلك النظم. وتبرز تلك الثغرات إلى الإعلام العام في حوادث كسرقة بيانات المؤسسات الكبرى، لعل أقربها ثغرة مكّنت من السطو على 50 مليون حساب من شركة «ياهوو». وفي مطلع 2016، تمكن «هاكرز» من استغلال ثغرة في نظام «سويفت» للتبادل المالي عالميّاً، مع السطو على البنك المركزي في بنغلادش، في حادث غير مسبوق تاريخيّاً.

ــــــــــ

نقلا عن الحياة 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان