رئيس التحرير: عادل صبري 07:46 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

جورج ويا... من ملعب كرة القدم إلى قصر الرئاسة في ليبيريا

جورج ويا... من ملعب كرة القدم إلى قصر الرئاسة في ليبيريا

فيفيان فورسون 17 يناير 2018 19:40

تعلو أصوات الفرح، يتمرغ رجل على الأرض ولا يكف عن الصراخ والرقص ويرفع يداه إلى السماء في مونروفيا. وإلى جانبه، جمع يحتفل: نساء يضحكن ويصرخن ويبكين.

 

ليبيريا تهلل وتفرح. فبطلها الوطني، لاعب كرة القدم السابق جورج ويا، انتخب رئيساً. الانفعال يعصف به، وتسيل دموعه. فينزع نظارتيه ويمسح عينيه. فأبناء بلده يرحبون به، ويبدو أنه لم ينسَ أنهم من حمله إلى قصر الرئاسة.

 

وهو، جورج ويا، ولد في كلارا تاون، أحد أكثر الأحياء فقراً في العاصمة الليبيرية، وهو يتحدر من اتنية كرو المنتشرة على الحدود مع ساحل العاج. والنخب التقليدية المتحدرة من قدامى الرقيق الأميركيين، تلفظه وتنبذه. ولاعب الكرة السابق نشأ على يدي جدته لأبيه، إيما براون، في حي صفيح في مونروفيا، مع أشقائه وشقيقاته وأقاربه البالغ عددهم 15 شخصاً.

 

وهو أعلن في حملته أن خصمه، نائب الرئيس السابق، لا يستطيع الفوز بالانتخابات. «لن يغلبني. فالشعب معي». ويروي ويا أنه كان في طفولته يبيع العلكة والبوشار والسكاكر ليحصّل قوته وسبل عيشه. وجدته أهدته كرة قدم يوم كان في السابعة من العمر. وبدأ اللعب في ملعب الشارع الوعر، وحين بلغ السادسة عشرة من العمر بدأ يحلم بمهنة في عالم الكرة، وبدأ حلمه يتحقق. وما يجنيه من المال، كان يبذله على عائلته وتمويل نوادي الكرة. ولعب في الكاميرون، وكفتها راجحة في كرة القدم الأفريقية وفي نادي «تونير كالارا كلوب»، في العاصمة الكاميرونية، وهو من أبرز النوادي في البلاد.

 

وهناك وقع نظر كلود لوروا، مدرب الفريق الوطني الكاميروني، على جورج ويا. وهذا كان صديق مدرب فريق «أ أس موناكو»، آرسين فينغر. «فينغر قال لي أن قدرتي على اقتحام الملعب وأسلوبي يخولانني اللعب في مركز متقدم وأمامي»، يقول ويا. وأبرم ويا عقده الأول مع فريق موناكو هذا، وتوجه إلى أوروبا. وحينها كان في الثانية والعشرين من العمر. وفي موسمه الأول في موناكو، سجل 14 هدفاً في 23 مباراة.

 

وفي 1991، فاز بكأس فرنسا. وبرع في استباق حركات الخصم وارتجال الحركات. وهو رياضي استثنائي قادر على القفز عالياً من دون تشنج، والركض السريع وراء الكرة.

 

وموهبته هذه قادته إلى نادي «باريس سان– جيرمان» في 1992، حيث لقبه زملاؤه بـ «مستر جورج». فهو أنيق في الملعب وخارجه. وكان يساعد المشردين في العاصمة الفرنسية. فهو لا يتوانى عن إخراج دفتر شيكاته حين تقتضي الحاجة، على نحو ما فعله لاستنهاض فريق بلاده، «لون ستارز»، وإعادته إلى الخريطة الدولية الرياضية.

 

وهو يموّل تجهيزات الفريق هذا وملابسه ويسدد ثمن بطاقات رحلاته الجوية، وبلغ فيه الأمر مبلغ تسديد نفقات موظفي سفارة ليبيريا في باريس. وفي 1995، فاز بجائزة «الكرة الذهبية»، وهو أول لاعب كرة قدم غير أوروبي والأفريقي الوحيد الذي يفوز بهذه الجائزة.

 

ولم تخبُ إلى اليوم، نجومية جورج ويا في أفريقيا، وتحديداً في ليبيريا حيث يعلق عليه أبناء بلده آمالاً كبيرة. وفي 1996، أيد تدخل أممي لإنهاء الحرب الأهلية. فتوسل الرئيس تشارلز تايلور العنف للرد عليه: أحرقت ميليشيات تابعة له بيت ويا، واغتصب مقاتلوها قريبتيه. فحملته خشيته على عائلته على التقوقع وتقليل تصريحاته العامة إلى حين هرب الرئيس الدموي في 2002. واليوم، ويا على رأس بلاده المنهكة.

 

وليبيريا أول جمهورية أفريقية أبصرت النور في 1822 نزولاً عند تحفيز أميركي لاستقبال الرقيق السود المحررين في مسقط رأسهم. واستقلت ليبيريا منذ 1847، وقادها المتحدرون من الرقيق إلى حين اغتيال الرئيس وليام تولبير وأعضاء حكومته في 1989، في انقلاب دموي قاده سامويل دو. وسرى الرعب في أوصال البلاد وعمها الفساد. وانتهت الحال هذه إلى حرب أهلية بين أمراء الحرب، ومنهم تشارلز تايلور في الشمال الشرقي أو برينس جونسون. وشيئاً فشيئاً، أمسك متمردو جبهة التحرير الوطنية بمقاليد البلاد، وأحكموا قبضتهم الحديدية، ورفعوا شعار «لا سلام من غير تايلور!».

 

وعلى رغم انتخابه رئيساً وتربعه على سدة البلاد بين 1997 و2003، لم يتوقف تايلور عن سفك الدماء والبطش. فتدخل المجتمع الدولي، وطارده، وادعى عليه أمام قضاء دولي. فحُكم عليه في 2012، بالسجن 50 عاماً.

 

 

وبلغ عدد ضحايا الحرب الأهلية الليبيرية 250 ألف قتيل وأدت إلى نزوح الآلاف. وليبيريا، اليوم، بلد منهك متداع. وفي سبيل السير على الطريق المستقيم، اتجه الليبيريون إلى الديموقراطية وانتخبوا إيلين جونسون سيرليف، الفائزة بجائزة نوبل للسلام في 2011. ولكن أداءها السياسي لم يكن مقنعاً ولا مجدياً. واليوم، آلت دفة البلاد إلى جورج تاولون مانيه أوبونغ عثمان ويا، ابن الحادية والخمسين.

 

«ليبيريا بلد ثري، ولكن مواطنيه فقراء»، أسر إلينا ويا. والحق يقال موارد ليبيريا الطبيعية كثيرة (النفط طبعاً والماس). ولكن الليبيريين هم أكثر شعوب المعمورة فقراً، على نحو ما خلص تقرير أممي. ولا يخفى أن لاعب الكرة الأثير على القلوب مبتدئ في عالم السياسة. وفي حملته الانتخابية، سلط الضوء على نزاهته وعدم انزلاقه إلى الفساد الوبائي في ليبيريا. وهو معجب بمانديلا، وبيليه ومارتن لوثر كينغ.

 

واستمال الشباب إليه والأكثر فقراً. وهؤلاء يعجبهم نجاحه الاجتماعي، على رغم تحصيله العلمي المتواضع. ولكن معارضيه يرون أن جعبته خاوية من حجج سياسية متماسكة، ويعيبون عليه غيابه عن مجلس النواب الذي انتخبته لجنة مونسيرادو، وهي تجمع نحو 4 ملايين ليبيري، إليه في 2014.

 

 

وفي الأثناء، تابع جورج ويا تعليمه في أميركا في جامعة فورت لوديردال بفلوريدا، وحاز شهادة ماجيستير في الإدارة. وبعد انتقاله إلى القصر الرئاسي، يتصدر تحدي السلام تحدياته. والتحدي الاقتصادي هو أكثر التحديات عسراً. وفي حملته الانتخابية تكلم على تأمين حق الرعاية الصحية للسكان كلهم، وتوفير وظائف للشباب والقضاء على الفساد. ولا شك في أن التحديات كثيرة أمام السيد الرئيس.

 

 

* مــراسلة، عن «لوبوان» الفـــرنسـيــة، 4/1/2018، إعداد م. ن.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان