رئيس التحرير: عادل صبري 01:07 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

إفلاس المستثمرين الصغار وراء اضطرابات إيران

إفلاس المستثمرين الصغار وراء اضطرابات إيران

مقالات مختارة

احتجاجات إيران

إفلاس المستثمرين الصغار وراء اضطرابات إيران

الدعوة إلى التظاهر في إيران انطلقت من قناة يستضيفها تطبيق تلغرام في الهواتف الذكية.

 

ويونس، وهو محاسب في الثانية والأربعين من العمر يعمل في شركة لاستيراد الزعفران، لبّى الدعوة. فهو وآلاف من متابعي هذه القناة خسروا مدخراتهم حين أفلست شركة مالية وعدتهم بعائدات ضخمة. ووراء إفلاسها فساد واستثمارات سيئة.

 

ويونس يعيش في مشهد، وكان أودع الشركة هذه مدخراته كلها وما اقترضه من رب عمله، أي حوالى 20 ألف دولار، لاستثمارها. والشركة وعدته وأمثاله بعائدات على أموالهم بلغت 27 في المئة، أي 15 في المئة أكثر مما تعرض المصارف على مودعيها. ويونس استعاد 20 في المئة فحسب من استثماره.

 

«خسرنا كل ما نملك ولا أحد يبالي. وهذه الشركة مرخصة من المصرف المركزي الإيراني... وبدا أن استثمار أموالنا في شركة تعترف بها الحكومة وحازت ترخيصها أمر معقول».

 

ويبدو أن الغضب من خسائر شركات الإقراض المالي– ونزلت هذه الخسائر بملايين الإيرانيين- كان يعس طوال 2017، وانفجر في 28 كانون الأول المنصرم. وسرعان ما تحولت الشكاوى من الاحتيال المالي إلى تظاهرات اوسع احتجاجاً، في وقت أول، على وضع اقتصادي لم يتحسن إثر اتفاق 2015 النووي، ثم إلى تظاهرات تطعن في النظام الإيراني. وعلى رغم أن الاتفاق النووي نفخ في النمو الاقتصادي- كان صندوق النقد الدولي يتوقع أن يبلغ النمو 3.8 في المئة هذا العام- مشكلات الاقتصاد الايراني على حالها.

 

فهو أنهكته العقوبات الدولية وسوء الادارة البنيوي، وتمويل معارك في سورية والعراق واليمن. وفاقت معدلات البطالة 10 في المئة، وأصابت أضرارها الطبقة العاملة. وفي العام المنصرم، نظم العمال إضرابات أمام منشآت الصناعة والطاقة، ومنها تظاهرات أمام الشركة الإيرانية العملاقة، حقل «ساوث بارس»، وفي مصانع سكر وإسمنت. ويشكو العمال قطع الرواتب والمعاشات التقاعدية عنهم طوال أشهر. ووقع إعلان الرئيس حسن روحاني مطلع كانون الأول مشروع الموازنة المقترح، وقع الصدمة.

 

فهو أظهر أن ملايين الدولارات تذهب إلى المؤسسات الدينية ومكاتب علماء الدين. وخصصت الموازنة 8 بلايين دولار إلى الحرس الثوري، وأعلن روحاني أن المساعدات النقدية للفقراء ستقلص وأن اسعار الوقود قد ترتفع خمسين في المئة. والشركات المالية هذه ازدهرت في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد حين أسبغ مشروعية على عمل وكالات الاقراض الخاصة والشبه خاصة في ولايته الأولى. وتقاطر أبناء الطبقة العمالية والطبقات الوسطى الإيرانية- وقدراتها الشرائية تقلصت على وقع التضخم المالي وخفض سعر العملة- على هذه المؤسسات آملين بكسب الأموال.

 

ويقدر صندوق النقد الدولي عدد الشركات المالية هذه بأكثر من 7 آلاف شركة. وإلى العام الماضي، أمسكت هذه الشركات بـ25 في المئة من السيولة في إيران، وفق تقارير حكومية. وفي آب (أغسطس) أمر روحاني المصرف المركزي بتقييد بنية هذه الشركات وتقليص معدل الفوائد فيها إلى 15 في المئة.

 

ويرى محللون اقتصاديون وخبراء أن الإفلاس هو مآل هذه الشركات. فمن يدير الشركات هذه ويملكها ليسوا خبراء ماليين بل من تربطهم صلات بمؤسسات دينية وقضائية والحرس الثوري. وشطر راجح من رأسمالها يستثمر في مشاريع القطاع العقاري. والربح في هذا القطاع محدود ولا يكفي لسداد العائدات التي وعد بها المستثمرون. وساهم في تسريع وتيرة انهيار هذه الشركات غياب الضوابط والمحاسبة والاخلال بمعايير الشفافية وتفشي الفساد.

 

وأثنى صندوق النقد الدولي في الأعوام الاخيرة على معالجة الحكومة الإيرانية مشكلة الشركات المالية هذه من طريق إلزامها الاندماج بمؤسسات «أفضل» والتحوّل مصارفَ مرخصة. لكن الخطوات هذه لم تعوض على المودعين كلهم. وتجبه إيران مشكلات سبق أن تعثرت بها الصين حين قلصت شركات «إدارة الثروات». وكان انهيار الشركات هذه وراء اندلاع احتجاجات في الصين.

 

والشركات المالية هذه تتحدر من مؤسسات حكومية عرفت بـ «تعاوني» بعد ثورة 1979، وكانت في مثابة صناديق تقاعد لموظفي القطاع العام. وفي عهد أحمدي نجاد، خصصت هذه الشركات، وبدأت تستدرج المودعين من طريق فوائد مرتفعة. وفي ولايتيه الرئاسيتين، ارتفعت معدلات التضخم المالي نحو 40 في المئة، فتآكلت قدرة مدخرات الإيرانيين الشرائية. وبدأ الناس يقبلون على مغريات الفوائد المرتفعة. وكثر من هذه الشركات وثيق الصلة بمؤسسات دينية، وحسِب الناس أن بعضها الآخر يدعمه القضاء أو الحرس الثوري، فزادت ثقتهم فيها.

 

وكانت القيود الناظمة والرقابية على الشركات هذه رخوة، وبدأت تقدم القروض والخدمات المالية غير المرخصة، على نحو ما خلص تقرير لصندوق النقد الدولي. وضخت الشركات هذه أموال المودعين في القطاع العقاري في وقت كانت تستخدم الايدعات الجديدة لتفادي الإفلاس ودفع مستحقاتها. وفي 2013، تراكمت الخسائر المالية مع هبوط الأسعار في سوق العقارات. وحين طالب المودعون بأموالهم، كانت السيولة في الشركات تبددت.

 

والتقى أشخاص خسروا أموالهم نواباً منتخبين، ونظموا اعتصامات أمام البرلمان وتظاهرات في خرومشهر ودوروز وتويسركان وأبهر وقم. وفي الأسبوعين الأخيرين، شهدت هذه المدن أوسع التظاهرات وأعنفها ضد النظام. والمجموعة التي وجهت أول دعوة إلى التظاهر في 28 الشهر الماضي، ألغت صفحتها على تلغرام، وكان على رأسها حامد موحدي، قريب السياسي الأصولي جواد كريمي غدوشي، النائب عن مشهد في البرلمان وعضو في حزب «جبهة بيداري».

 

والحزب هذا عارض الاتفاق النووي وتشريع أبواب الاقتصاد وتحسين العلاقات مع الغرب.

 

* مراســـلة، ومدير مكتب دبي في صحيفة الحياة، عن «وول ستريت جورنال» الأميركية، 11/1/2018، إعداد م. ن.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان