رئيس التحرير: عادل صبري 08:51 صباحاً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

قواعد اللعبة في سورية روسية خالصة

قواعد اللعبة في سورية روسية خالصة

مقالات مختارة

مصطفى كركوتي

مصطفى كركوتي يكتب

قواعد اللعبة في سورية روسية خالصة

نقلا عن الحياة اللندنية 17 ديسمبر 2017 20:02

الشخص الأول الذي كان في استقبال الرئيس الروسي بعدما حطت طائرته يوم الاثنين الفائت في مطار حميميم السوري، في ريف اللاذقية، حيث القاعدة الجوية الوحيدة لروسيا خارج أراضيها، كان الجنرال الروسي قائد القاعدة، وليس الرئيس بشار الأسد الذي أُسْتُبْعِد بحركة واضحة من يد الجنرال من مشهد مراسم الاستقبال.

صحيح أن الأرض سورية ولكن قاعدتها وضيفها وقواتها ينتمون إلى روسيا. الرسالة واضحة للغاية: بوتين أول ضيف أجنبي يزور سورية منذ سبع سنوات ليس كرئيس دولة يزور دولة أخرى، بل كقائد يزور قوات بلاده التي تقوم بمهمة فوق أرض أجنبية. عدا اللقاء العابر مع الأسد بعد انتهاء مراسم الاستقبال، هو لم يُخصص أي وقت ذي معنى للحديث مع الأخير.

وكأنه يريد تأكيد أنه صاحب القرار في سورية، أعلن بوتين عن قراره بدء سحب بعض قواته مطمئناً بذلك قاعدته الداخلية حيث لا مزاج وطنياً روسياً للتدخل في حروب الآخرين. أما على الأرض في سورية، فالرسالة مختلفة. فبوتين يبتهج ويستقوي في آن، بقاعدة روسيا الدائمة في الشرق الأوسط معيداً التأكيد أنها باقية على رغم إعلانه «الانتصار» على إرهاب «داعش» في سورية.

توقفه العابر، ولكن المليء بالرمزية، في حميميم، وزيارته لكل من القاهرة وأنقرة في يوم واحد، يستعيدان مشهد جولة قيصر روما وهو يطوف حلبة المصارعة لتحية المتصارعين المنتصرين والجماهير في نهاية موسم المصارعة. لقد مضى عامان وثلاثة أشهر على تدخل قوات روسيا في سورية وتعتبر موسكو تدخلها أكثر عملياتها العسكرية نجاحاً في الخارج منذ حرب أفغانستان. جلّ تجارب التدخل العسكري في تاريخ المنطقة المعاصر انتهت عادة بالفشل والكوارث، ولكن الكرملين لا يرى في تدخله الراهن غير نجاح باهر.

فعلى رغم التساؤلات حول استكمال القوات الروسية برنامج تحديثها في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، يبدو من تجربة موسكو السورية أن روسيا تستطيع أن تتحمل أعباء هذا التدخل حتى الآن، على رغم فشل حاملة طائراتها القديمة «أدميرال كوزنيتسوف» والمتبقية من عهد السوفيات الغابر أثناء عبورها القناة الإنكليزية في العام الفائت. وعلى عكس تدخلات الغرب العسكرية في العقدين الماضيين، تدخل روسيا في سورية لم، ولا، يهدف لتغيير نظامٍ متوحش ومستبد في دمشق، ولا مطاردة فلول «الإرهاب المتطرف» كما يدعي إعلامها، بل أجهض حركة انتفاضة وطنية كانت واعدة في البلاد وقتل عشرات الآلاف من أبناء سورية المناهضين لنظام الأسد قبل عامين تقريباً من ظهور «داعش».

لعبة بوتين قامت منذ البداية على قواعد موسكو فحسب وهذا ما ضمن حتى الآن أهداف اللعبة. فهو احتفظ برئيس دولة حليف ومجرم في منصبه ولو على أشلاء دولة ممزقة، وعزز ركائز تحالف إقليمي جديد مع إيران وتركيا، وضمن من دون منازع وجوداً طويل الأمد لروسيا في قاعدتين جوية وبحرية على الأبيض المتوسط في حميميم وطرطوس، وأسس لنفسه كزعيم وحيد في العالم يتمتع بنفوذ واسع في الإقليم.

وما يفسر هذا الواقع أيضاً لقاء الرئيس التركي أردوغان مع بوتين خمس مرات في الأشهر العشرة الأخيرة، وسبع مرات مع رئيس وزراء إسرائيل عدا اتصالاته الهاتفية المستمرة مع الرجلين. يضاف إلى ذلك طبعاً إبقاء طهران على إطلاع كافٍ في شأن تحركات بوتين الذي يرى في وجود «الحرس الثوري» و «حزب الله» فوق الأراضي السورية هبة سماوية لما يقومان به من دورٍ قذرٍ يُعفي موسكو من مهمة إرسال قوات برية إلى سورية. لقد تمكنت روسيا من دخول سورية مستفيدة من فرصة تاريخية أثناء إدارة باراك أوباما التي قررت الانسحاب من أزمات المنطقة. فإذا كان أوباما قد فتح بوابة دخول موسكو إلى سورية، فإن إدارة دونالد ترامب أبقت هذه البوابة من دون حراس.

إنجازات بوتين حتى الآن هي ما يحرزه المنتصر من غنائم حرب مقابل دمار شامل لسورية. فلا هو لديه النوايا ولا اقتصاد روسيا يسمح بإعادة إعمار البلد المنكوب. فسورية ستبقى بلداً مدمراً لعقود يصعب تحديدها الآن في ظل أوضاع الإقليم الراهنة. فنصف سكانها نازحون وأكثر من ربعهم لاجئون، وسياسة بوتين لم تهدف للحظة واحدة إلى إنقاذ سورية بل تؤكد يوماً تلو الآخر منذ التدخل العسكري في 2015 على حرص موسكو على التمسك بقيادتها المتهمة بارتكاب مجازر جماعية واستخدام أسلحة محرمة ضد المدنيين.

وما يريح بوتين أن دول الجوار في الإقليم، بخاصة إيران وإسرائيل وتركيا، تراقب ما يجري من دون التدخل بل إبداء المشورة بين الحين والآخر. فعلى رغم الوجود العسكري الكثيف لتركيا في شمال سورية، فإن روسيا تتفهم هذا الوجود باعتباره يخدم المحافظة على الجغرافية التركية أمام تهديد الأكراد بالانفصال. وهي تتفهم، بل ترحب، بوجود الإيرانيين أيضاً الذي تعتبره عنصراً يخدم المحافظة على استقرار نظام دمشق. وزير الخارجية لافروف أوضح أنه لا القوات الروسية أو الإيرانية مضطرة للخروج من سورية ما دامت موجودة «بدعوة من الحكومة السورية». ويجب أن يذكر في هذا السياق مدى سعادة موسكو باستخدام طهران لميليشيات «حزب الله» اللبنانية ومسلحين آخرين من باكستان وأفغانستان وأذربيجان، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من عناصر «الحرس الثوري» الإيراني.

ويبدو نتانياهو مرتاحاً، على عكس ما يعتقد البعض، جراء ترتيبات موسكو وطهران، وهو على اتصال منتظم مع بوتين حول دور ومدى تحرك «الحرس الثوري» أو «حزب الله» في سورية. فمن جهة، لم تعد هناك مؤشرات على ضغوط إسرائيلية جديدة على إيران، كما يلاحظ بوضوح كيف أن موسكو تمتنع عن تعطيل أو حتى إدانة الطلعات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية أو تابعة لحزب الله، على رغم أن روسيا هي التي تسيطر على أجواء سورية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان