رئيس التحرير: عادل صبري 02:16 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

إرهاصات السلام الزائف

إرهاصات السلام الزائف

مقالات مختارة

إدوارد سعيد

عزيزة عبدالعزيز منير تكتب

إرهاصات السلام الزائف

نقلا عن الحياة اللندنية 12 ديسمبر 2017 16:24

تنبـأ المفكر الراحل إدوارد سعيد واستشرف مأزق عملية التسوية السلمية الصعبة مع إسرائيل، مؤكداً أن إسرائيل تدير المفاوضات مع الجانب الفلسطيني بعقلية المحتل الغاصب وتدوس على منطق العدل وتغلب سرديات المنتصر وتفرض منطقه، ويرى أن عدم التوازن في القوى هو الذي أجبر الفلسطينيين والأطراف العربية على قبول التنازلات التي أُمليت عليهم من جانب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل قبل تنفيذ إسرائيل نفسها قراري مجلس الأمن 242 و338، ما حال دون مفاوضات حقيقية وتسوية فعلية وعادلة للنزاع. ولقد صاغ هذا المفهوم بعبارات بليغة في كتابين: الأول «أوسلو2... سلام بلا أرض»، حين قال: «الحاجة النفسية الى الاعتراف من الحركة الصهيونية كانت من القوة في ذهن أبو مازن وأبو عمار، بحيث تجاوزت مصالح الفلسطينيين على المدى البعيد...». والثاني «نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها»، حيث أكد أن ما قدمه اتفاق أوسلو هو سلام زائف وتكريس مستمر لـ «اللامساواة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يسمح للإسرائيليين بالسيادة وسلامة الأراضي وتقرير المصير فيها فيما يُحرم الفلسطينيون من ذلك.

وبالفعل، بعد مضي أكثر من 20 عاماً على اتفاق أوسلو خسرت السلطة الفلسطينية كل شيء مقابل الرضا الإسرائيلي، بل إن الواقع يشير إلى تدهور أوضاع الفلسطينيين نتيجة تفاقم البطالة والفقر، واستمرار فظاعات الاحتلال الإسرائيلي من خلال مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وتهويد كامل للضفة الغربية والقدس الشرقية واعتقال آلاف الفلسطينيين والسيطرة على الحدود والحياة الاقتصادية مما يمس حياة كل الفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة، حيث يعيش ما يقرب من مليوني شخص في مقاطعة مطوقة حيث دخول الأشخاص والبضائع يتم وفقاً للإملاءات والسيطرة الإسرائيلية. والأخطر من ذلك أن أوسلو نزعت السلاح الأيديولوجي من الحراك السياسي الفلسطيني، حيث أجبرت الفلسطينيين على التخلي عن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى إلى إضعاف شديد للتضامن والتعاطف العربي للنضال الفلسطيني الذي تأسس على مقاومة المحتل خصوصاً في سني الانتفاضة الأولى، مستبدلاً الدعم الشعبي الجماعي بأوهاوم مفاوضات تقودها الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. وبينما سلبت اتفاقية أوسلو الفلسطينيين سلاح المقاومة، فقد أضفت نوعاً من الشرعية لمكانة إسرائيل الإقليمية والدولية كشريك راغب في «السلام»، ما شَجع على تدفق الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الإسرائيلي من دون الخوف من مقاطعة الشركاء العرب أو إغضابهم.

وأخيراً، أعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل وأكد عزمه على نقل سفارتها من تل أبيب إلى المدينة القديمة في سابقة هي الأولى من نوعها، إذ امتنع الرؤساء الأميركيون عن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل على أمل البقاء كوسيط محايد في عملية السلام، حتى يتم تحديد حدود المدينة المتنازع عليها من خلال المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية التي طال انتظارها. إلا أن هذا القرار يُنهي أسطورة أميركا كوسيط محايد في عملية السلام، فتوسلات مستشاري الرئيس الأميركي بتأجيل هذا الإعلان لم تجد أذناً صاغية، على رغم تنديد المجتمع الدولي ووقوف الشرعية الدولية إلى جانبنا وفقاً لقرار مجلس الأمن الرقم 478 الذي أعلن بطلان الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتغيير طابع القدس وأكد ضرورة أنه لا يجوز الاستيلاء على الأرض بالقوة وشجب استمرار إسرائيل في تغيير معالم المدينة المادية والتركيب الجغرافي والهيكل المؤسسي ووضع مدينة القدس الشريف.

ومن المثير للسخرية أن هذا الإعلان جاء كأنه مكأفاة للجانب الإسرائيلي على تعنته وعرقلته عملية المفاوضات طيلة السنوات السابقة، ونتيجة طبيعية للتشرذم الفلسطيني الداخلي والصراع الدموي على السلطة والذي بدأ منذ عام 2006 بين حركتي «فتح» و«حماس» وانتهى بسيطرة «حماس» على قطاع غزة، ليتحول الانقسام السياسي إلى انقسام جغرافي أيضاً يوم 14 حزيران (يونيو) 2007.

عطفـــاً على ذلك، فإن الأزمات التي تفجرت فـــي المنطقــة عقب ثورات الربيع العربي ساهمت في تراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية التي كانت تعدّ قضية العرب المركزية، كما تراجعت التغطية الإعلامية لها تراجعاً ملحوظاً في شتى وسائل الإعلام العربي.

في هذا الإطار، يمكن القول إن إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل يحجب آفاق حل الدولتين حجباً تاماً ويُكرس لـ «سلطة فلسطينية» بلا مقومات دولة لها سيادة أو اتصال في أرض، أو أمل في أي تنازلات من إسرائيل التي نالت كل شيء من دون أن تقدم أي مقابل، بمباركة أميركية، بحيث يصبح الحديث عن استنئاف عملية السلام وكأنه طلقات في الهواء.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان