رئيس التحرير: عادل صبري 04:16 مساءً | الأحد 19 نوفمبر 2017 م | 29 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

«محمد بايزيد» ومنظومة الادعاءات الثورية التي تنقص ولا تزيد!

«محمد بايزيد» ومنظومة الادعاءات الثورية التي تنقص ولا تزيد!

مقالات مختارة

محمد ثابت

«محمد بايزيد» ومنظومة الادعاءات الثورية التي تنقص ولا تزيد!

محمد ثابت 12 نوفمبر 2017 12:17

أتابع مثل الملايين من المُهتمين بالشأن الثوري السوري المُتردي، أتابع منذ 10 من أكتوبر الماضي، وحتى الآن تداعيات ما قام به المخرج السوري "محمد بايزيد"؛ وما ادّعاه من تعرضه لمحاولة اغتيال في إسطنبول ثم التدرج في ظهور الحقيقة الواضحة الجلية المكشوفة من أنّ "بايزيد" أراد نسج وتأليف وإخراج، بل فلنقل "حبك" فيلم مُصغر "كرمال لعيون المُنتجين الحلوين" بحسب قوله.

  بدأت بعض وقائع القصة بحسب التسلسل الزمني، غير المنطقي، لها بخروج زوجة المخرج "بايزيد" قائلة إنه تعرض لمحاولة اغتيال عبر الطعن بسكين أصاب الكتف، ثم ترديدها مع بعض أصدقائها أنه في مكان مأمون، لكنهم لا يستطيعون الكشف عنه خوفًا على حياته، ومن حساب "بايزيد" نفسه على تويتر وفيسبوك بدأت تظهر كلمات تقول إنَّ "نظام الأسد" يحاول اغتياله لأنّه يرتب لفيلم هوليودي اسمه "النفق"؛ ولأنَّ النظام يعرف قدرات وملكات "بايزيد" جيدًا الإخراجية مع علاقاته الوثيقة مع صناعة السينما الأمريكية، ولأنه الفيلم الأول المُعبر عن الأزمة السورية بتقنيات روائية عالمية رأى "الأسد" التخلص من مبدعه.

  قصة بدت في أولها مواكبة لجريمة اغتيال الناشطة السورية "عروبة بركات" وابنتها نحرًا بالسكين في تركيا من جانب شاب كان يحمل السلاح ضد النظام، ثُمَّ استماله الأخير بحسب ما تردد بقوة، وإن كان قيل إنّه قريب للراحلة وابنتها وأن الخلاف كله مالي.. إلا أنّ ظلال مقاومة الراحلة وابنتها للنظام فسرت المشهد بوضوح.

    لكن قصة "بايزيد" الذي حاول في البداية أن تكون منطقية في الطرح في هذا التوقيت تخللتها ثغرات.. فكيف دخل الصديق أو نشر على حساب "بايزيد" بما يفيد تعرضه للقتل في نفس وقت الحادث؟ وأين تَمّ احتجاز "بايزيد"؟ ولماذا مرَّ السكين بجسده ولم يقض عليه والطبيعي في مثل هذه الأمور أن تكون الطعنة نافذة ..؟

   ومع نشر مواقع لتفاصيل الحادث كما رواها "بايزيد" وصحبته كانت الظلال الرمادية حول الحادث تزداد كثافة، وبوضوح بدأ يظهر أنّ "بايزيد" أعدَّ فيلمًا مفبركًا على طريقة "هوليود" للترويج لفيلمه الهوليودي "النفق" أي أنه استخدم الوسيلة القذرة العفنة، مع الاعتذار عن اللفظ، لتبرير غاية نبيلة كما زعم!

   وبعيدًا عن بقية التفاصيل المريرة للقصة من فضح صديق "بايزيد" المُشارك في السيناريو الركيك.. لما بدأ "بايزيد" يهدده بفضح تورطه معه، وكان الثاني أكثر حيطة إذ كان يسجل للأول حواراته معه مدعيًا أنه لم يكن راضيًا بما خططا له.. لكنه خاف من إنسان في حالة انفلات (بايزيد) حتى ليعرض نفسه للموت من أجل الشهرة.. فإن تصدى له فقد يؤذيه هو الآخر ويُضيف "محمد هندي" في مقال نشرته "هافينغتون بوست" منذ أيام للقارئ: "وماذا يمكنك أن تفعل إذا كنت في مثل مكاني؟"، وبعيدًا عن أنَّ الجملة الأخيرة أضعف ما في المقال؛ وإن ادعاء القهر والمظلومية ليسا دليلًا على معناهما بحال من الأحوال بل ربما العكس تمامًا.. فقد يساير ويماشي أحدهم الآخر في الأمر لكنه سآخذ حيطته حين افتضاحه للنجاة بنفسه!

   وبعد كل ما سبق فقد كشفت الحادثة في رأي صاحب هذه الكلمات عن جزءٍ من مأساة بالغة الحدة ساهمت وتساهم في عجز وفشل أغلب الثورات العربية إن لم تكن كلها..

   كشفت الحادثة عن  "التواء الفطرة.. واعوجاج النفوس"، فإنَّ هؤلاء الذين يعانون من عدم صحة وسلامة فطرهم بل أرواحهم لما ذهبوا إلى موكب السلطات والسلطان في سوريا كما في مصر كما في اليمن وتونس وهلم جرًا من بلاد العرب والمسلمين فلم يجدوا لهم مكانًا، ولا وظيفة شاغرة، ولا قدرة على نيل حظوة خاصة، وربما كان بعضهم ضعيف القدرات، أو بلا قدرات من الأساس، وهو للحقيقة ما لمحه المرشد الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين الراحل "محمد مهدي عاكف" لما كان يقول: "إن 80% من الإخوان المسلمين من المُنخنقة والمُوقذة وما أكل السبع"، والإخوان يمثلون جانبًا مهمًا من جوانب الإخلاص الثوري، وراوي الكلمة نجل شقيق الراحل وهو ما يزال حيًا يرزق.

   هؤلاء الضعاف أو معدومو القدرات ملأوا الصف الثوري، وعبأوه بالضعف هنا وهناك ومن جميع التيارات لا الإخوان فحسب، فأحدهم يدخل الجماعة أو التنظيم أو أيًّا ما يكون؛ واضعًا نصب عينيه المغنم مع الحرص على سلامة النفس، ولا مانع لديه في سبيل هذا من موت الكثيرين، بشرط بقائه بمنجى من الإصابة أو الاعتقال أو الاستشهاد ..

   ولنسل عن هؤلاء ودفعهم بـ"الجماعة" في مصر إلى طريق المُهالك بالترشح للرئاسة والتلاعب بالشورى وآلياتها.. والتنكر للقوى الثورية أثناء الحكم بخاصة الشباب، ومن قبل التخلي عن الثوار في الميادين، ولا نقصد جميع أفراد الجماعة هنا لكن "المُرتزقة بوضوح" منهم، ولو انساقوا ولم يدركوا حقيقة مواقعهم.. أولئك الذين أوصلوا الأمور إلى الانهيار التام.. والتفاصيل المذكورة سنجد مثيلًا لها لدى ثوار ليبيا وبالمثل في اليمن .. ومقابلًا في تونس .. مع اختلاف في التفاصيل .. يتشابه المضمون في كل قطر عربي وإسلامي، ولو أنَّ الأمة خلت من أمثال "بايزيد" في كل مجال ومكان لما وصلت إلى المستوى المُتردي التي هي عليه الآن.. وما رضي الله لها به.. وما كان ليرضيه تعالى ظلمها!

    على أن العجب العجاب هو أن "هؤلاء" بعد المأسي.. وسقوط الآلاف شهداء.. والضرر الذي لحق بالملايين.. بل استشهاد وهدم بيوت كثيرين ما يزالون مُتمادين في "سيناريو" المصالح والحفاظ عليها.. فهذا ينسج فيلمًا في العلن عن محاولة قتل مُدعاة لينال تمويلًا من مخرجين لفيلم يزعم أنه سيكشف فيه عورة النظام السوري.. فيما هو يقتات ويشرب دماء الآخرين ويتغذى عليها لا أكثر، والسيناريو الركيك الذي أعدَّه ورفاقه يُداري به الآن على مئات الشهداء وآلاف المضارين الجدد من السوريين ثم هو يدعي الثورية ما يزال.

   لم يكن "بايزيد" وأقرانه وهم كثر للأسف إلا الباب الخلفي الذي دخل أعداء الثورات إلى "ظهور ملايين المُخلصين" الذين أرادوا السلامة لبلادهم وأمتهم ولو على حساب أرواحهم.

    وما كان ذنب "بايزيد" الأكثر فداحة سوى أنه أعلن جريمته على العلن فيما الملايين يفعلون فعله .. ويدعون الإخلاص لكن في السر أو حتى في حالة علنية أقل .. وفعله وأفعال الملايين من أمثاله .. ما يزال ينقص من الأمة ولايزيد .. حتى تستطيع الأمة تنحيتهم ولو بعد حين، لتعرف كيفية مواجهة أعدائها على النحو الصحيح.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان