رئيس التحرير: عادل صبري 02:21 مساءً | السبت 18 نوفمبر 2017 م | 28 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

بعد عودة الحايس

عبدالله السناوي 06 نوفمبر 2017 17:44

كان وقوع نقيب الشرطة «محمد الحايس» أسيرًا فى حادث الواحات الإرهابى إحدى الصدمات الكبرى، التى اهتزت لها المشاعر العامة فى مصر.
تبدت خشية واسعة من أن يفضى هذا الأسر إلى نوع من التنكيل المعنوى ـ مسجلا على شرائط يجرى بثها ـ بقدرة البلد على كسب معركته مع الإرهاب.
لم تكن صدمة وقوع الضابط الشاب فى الأسر داعيا وحيدا لمشاعر الخوف من المجهول.
حجم ما سقط من شهداء داعٍ ثانٍ.
نقص المعلومات عن مستويات تسليح وتدريب الإرهابيين داعٍ ثالث.
التمركز فى منطقة على تخوم العاصمة ينذر بعمليات إرهابية كبيرة داخلها داعٍ رابع.
احتمال فتح جبهة جديدة فى الصحراء الغربية تناظر ما يجرى فى شمال سيناء داعٍ خامس، وهو ــ باليقين ــ الأفدح والأخطر.
بعودة «الحايس» إثر عملية عسكرية هدأت مشاعر الخوف من المجهول.
هذه إيجابية بذاتها لكن لكل شىء حدوده.
الاطمئنان الزائد نوع من الغفلة الكاملة.
بطبيعة حروب الإرهاب فإنها طويلة ومكلفة وتستدعى وضوح الرؤية الاستراتيجية.
بلا استراتيجية تلهم الرأى العام التماسك يصعب خفض تكاليف مثل هذه الحروب.
لا يمكن التعويل على الضربات الأمنية وحدها، أو الإفراط فى التشديد العقابى بالقوانين السارية.
الكلام كثير حول إصلاح الخطاب الدينى ودور المجتمع المدنى وتوسيع المجال العام والإفراج عن المظلومين فى السجون وتجفيف البيئة الاجتماعية الحاضنة لتمركزات الجماعات الإرهابية، وأن يكون هناك مشروع ثقافى يرفع من مستوى الوعى الجماعى، دون أن يتبلور ذلك فى رؤية واضحة تبنى عليها سياسات وبرامج تنفيذية.
أنشىء مجلس أعلى لوضع استراتيجية لمكافحة الإرهاب، والمهمة فوق طاقة تشكيله.
القضية لا تلخصها تغيير القيادات الأمنية المنسوب إليهم التقصير فى حادث الواحات دون أن تتضح أمام الرأى العام: أين كان التقصير بالضبط؟.. ولماذا كان ممكنا؟
رغم أهمية تجديد الدماء فى المناصب الأمنية الحساسة، إلا أن المسئولية الأساسية تتحملها السياسات قبل الرجال.
إذا لم تعدل السياسات، وفق رؤية متماسكة، فإن تكرار مثل هذه الحوادث ليس مستبعدا.
بعد عودة «الحايس» والتقاط بعض الأنفاس تبدت الثغرات العامة فى الحرب على الإرهاب صريحة وواضحة أثناء زيارة وفد برلمانى مصرى برئاسة الدكتور «على عبدالعال» للعاصمة الأمريكية واشنطن، وقد كانت عاصفة ومثيرة تحت عنوان «قانون الجمعيات».
وفق مانشيت صحيفة «الأهرام» ــ الجمعة الماضية: «عبدالعال: قانون الجمعيات يمنع تمويل الإرهاب».
ووفق مانشيت صحيفة «المصرى اليوم» بنفس التوقيت: «عبدالعال تحت الهجوم الأمريكى: قانون الجمعيات ليس قرآنًا».
التباين الفادح بين الصحيفتين ــ القومية والمستقلة ــ فى تغطية حدث واحد على مثل هذه الدرجة من الأهمية والحساسية يصدق فيه ما كان يقوله الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى الأحوال المماثلة: «كل يأخذ هواه».
هناك من طلب تركيز الاهتمام على الحرب مع الإرهاب وخطر تمويلاته مغفلا الانتقادات الحادة، التى تبارى فيها النواب الأمريكيون لقانون «الجمعيات» باعتباره اعتداء على «الحريات المدنية وأنشطة المنظمات غير الحكومية».
وهناك من طرح الوقائع ــ كما جرت فعلا ــ فى مجلس النواب الأمريكى وما شهده من تنديد واسع بالتضييق على المجتمع المدنى، والأهم ما صرح به رئيس مجلس النواب المصرى من أن القانون «ليس كتابًا مقدسًا» وأن تعديله ربما يكون قريبا.
بغض النظر عن التباين الفادح فى التغطيتين لكنهما معا يعكسان الانشقاق الحادث فى مصر حول ذلك القانون.
من صاحبه الحقيقى؟.. وكيف مر فى لمحة بصر؟.. ولماذا نحى بلا مسوغات مشروع قانون آخر أعدته الحكومة بعد حوارات مطولة مع ممثلين للجمعيات الأهلية؟
باسم الأمن جرى تمرير القانون.. وباسم حرية العمل الأهلى انقضى أجله.
فى غضون وقت قصير سوف يكون هناك مشروع جديد يحاول أن يوفق بين حرية العمل الأهلى ومقتضيات الأمن القومى وفق صيغة حديثة تنتسب إلى العصر وترفع يد الوصاية الأمنية.
بلغة الحقائق تمويل الإرهاب خطر حقيقى يضخ الأموال فى شرايينه ويساعده فى شراء الأسلحة الحديثة، فضلا عن التجنيد والتدريب.
بنفس اللغة فإن التضييق على المجتمع الأهلى يساعد على تمركز الإرهابيين فى بنية المجتمع.
فى أى استراتيجية جدية لمكافحة الإرهاب دور المجتمع كله حاسم بذات قدر الدور الأمنى.
اصطناع التناقض بين ما هو أمنى وما هو أهلى أضر بصورة مصر فى عالمها وسحب من رصيدها بمواجهة الجماعات المتطرفة.
بتعبير «نانسى بيلوسى» زعيمة المعارضة الديمقراطية فى مجلس النواب الأمريكى فإن: «مكافحة تمويل الإرهاب لا يجب أن يؤثر على حرية الجمعيات الأهلية».
تلك بديهية لا تحتاج دروسًا من أحد.
كما لسنا فى حاجة لدرس آخر فى أهمية حل معضلة الأمن والحرية ــ كيف نقوى الأمن دون تغول على الحريات الدستورية وحقوق الإنسان؟
المشكلة الحقيقية فى النظر إلى قضية الإرهاب أننا لا ندرك بما فيه الكفاية أن أى استراتيجية فعالة لمواجهته تستدعى دولة حديثة قوية وعادلة لا دولة خوف وظلم.
دون شك فإن شعار منتدى شباب العالم، الذى يحتضنه منتجع «شرم الشيخ» الآن: «نحتاج أن نتكلم»، قاصدا الحوار بين الثقافات والحضارات والشعوب لترميم الفجوات، هو ما تحتاجه مصر وأجيالها الجديدة بفداحة.
مصادرة الكلام المختلف لا يؤسس لمستقبل.
التنوع والتعدد وتداول السلطة من مفردات العصر التى لا يمكن تجاهلها.
نصف السياسة كلام.
إذا جفت السياسة امتنع الكلام والصراخ الإعلامى يعمق الأزمة والشعور بوطأتها.
ذلك يساعد جماعات العنف والإرهاب بأكثر من أى توقع.
المعنى أن التزام الدولة بالقيم الدستورية الحديثة المدخل الصحيح للحرب مع الإرهاب.
تمكين الأمن تسليحا وتدريبا من ضرورات كسب الحرب.
غير أنه لا يعنى الخروج ــ باسمها ــ عن مقتضيات وظيفته الدستورية.
بقدر ردم الفجوات بين الأمن وشعبه يكسب الأول ويطمئن الثانى.
وهذه مسألة تصورات وأفكار تؤسس لسياسات مختلفة أكثر فاعلية، وتوطيدا للدولة فى غمرة الحرب الطويلة.
إذا لم يعاد بناء الدولة من جديد وفق الأسس الدستورية الحديثة، يصعب الرهان على دحر الإرهاب بوقت منظور، أيا كانت التضحيات التى تبذل من زملاء «الحايس».

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان