رئيس التحرير: عادل صبري 02:47 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

نهاية الشيوعية أم نهاية الأيديولوجية؟

نهاية الشيوعية أم نهاية الأيديولوجية؟

مقالات مختارة

ما هي الشيوعية ؟

صلاح سالم يكتب

نهاية الشيوعية أم نهاية الأيديولوجية؟

نقلا عن الحياة اللندنية 29 أكتوبر 2017 20:01

تمثل الأيديولوجية نسقاً تراتبياً للأفكار ينتظم في هيكل واضح، وظيفته تفسير الواقع وتنظيمه، كما تمثل بنية رمزية معدة للاستخدام تنطوي على صفتي الانتقائية والاختزال، قادرة على إلهام العموم وحشد الجموع، وحفز الجماهير. وهكذا تنهض الأيديولوجية بوظيفتين أساسيتين تعملان معاً على تسهيل عملية إدراك العالم، وأيضاً على تخفيف حدة الألم الناجم عن القلق إزاء سرعة تغيره.

الوظيفة الأولى إدراكية- معرفية. فالأيديولوجية بما تمثله من نسق معين ومتراتب للأفكار، وبنية ذهنية / رمزية جاهزة ومعدة للاستخدام إنما تلعب دور الدرع الواقي للفرد ضد نزعات الشك والقلق الناتج عن تضارب المعاني وتعدد المعايير وسيولة الأحداث، حيث تمد معتنقيها بأجوبة مريحة وجاهزة عن الأسئلة التي يواجهونها من دون عناء التفكير الدقيق، ومشقة البحث المضني عما يمكن أن يسمى «الحقيقة»، وما يفترضه هذا البحث من عمليات استقصاء واستبعاد وتحليل وتركيب مرهقة، عكس الأيديولوجية حيث غالباً ما يهيمن على الوعي الأيديولوجي تفسير أحادي للحقيقة أو للتاريخ: اقتصادي أو ثقافي أو ديني الخ... هذه الواحدية وما تنطوي عليه من اجتزاء أو تعميم أو تبسيط، تجعل الحقيقة قابلة للإدراك، سهلة التداول والاستخدام على نحو يعفي الكائن الأيديولوجي من تهمة الجهل، وتمنحه شعورا زائفا بالمعرفة، بدليل امتلاكه تصوراً جاهزاً عن الحقيقة، وإن كان اختزالياً أو حتى زائفاً، يعمي على الحقيقة بأكثر مما يكشف عنها أو يقترب منها.

والوظيفة الثانية نفسية- اجتماعية، إذ تضع الفرد في مركب واحد مع المجموعة البشرية التي تشاركه الاعتقاد، لتصنع من الجميع تكتلاً بشرياً متناغماً يزداد شعوره بالتضامن، نتيجة امتلاكه لحمية تنتظمه مع آخرىن، مثلما كانت القبيلة تنتظم الفرد في المجتمعات التقليدية تؤطره في سياق روح جمعية. فالأيديولوجية إذاً، في جزء منها على الأقل، هي النزعة القبلية المضمرة في فكر الحداثة، كحاضنة اجتماعية لتضامن فعال في مواجهة عالم حديث سريع التغير، يفتقد للتراحم التقليدي، يصعب السيطرة على دفق حركته إلا من خلال أطر إدراكية جاهزة، تقينا الشعور بالألم تجاه حال النسبية والقلق الكامنين في ذهنية الحداثة.

الأيديولوجية بهذا المعنى، سوف تظل قائمة، لأنها سد حاجة إنسانية للهروب من الحقيقة أو تزييفها أو ادعاء امتلاكها، ومن ثم يصعب الحديث عن نهايتها، ولكن ما يمكن إن ينتهي منها إنما هو الأشكال الصلدة التي تدعي الكلية المطلقة، والحتمية الشاملة، وتسعى من ثم إلى بناء نسق فكري مغلق على ما تعتبره رؤية للوجود، تحوز من الأنساق الفرعية وآليات التفسير العملية ما يمكن أن يطبق على كافة مجالات الحياة، وفي كل مكان أو زمان. فهنا تتحول الإيديولوجية إلى ديانة كاملة، أو نسق فكري شامل يطاول حد النسق الفلسفي ويحتويه ويتجاوزه. فالأيديولوجية بهذا المعنى، هي التي بدأ علماء اجتماع وكتاب غربيون مثل هـ. ستيوارت هيوز، وشيلز وبيل وليبست وشيلزنغر وواكسمان ووالت روستو، الحديث عن نهايتها منذ الخمسينات، قاصدين الشيوعية بالطبع.

وإذا كان هؤلاء قد انطلقوا من معسكر رأسمالي، فثمة نقاد آخرون انطلقوا من قلب اليسار بعد أقل من العقد، على رأسهم هنري لوفيفر الذي تحدث في ما يشبه النبوءة عن نهاية الأيديولوجية الشيوعية، فالأيديولوجيا لا توجد إلا في مجتمع طبقي، مجتمع في حاجة إلى تبرير انقسامه، أي إلى عنصر تضليل يغطي على عملية الاستغلال الاقتصادي والسيطرة السياسية أو وفق ميشيل فوكو، يبرر شرعية النظام القائم ويصوغ منطق هيمنته. وبما أن المجتمع الاشتراكي المنشود هو مجتمع خال من الطبقات، فلا حاجة لديه إلى التضليل، أي إلى الأيديولوجيا، لأنه سيكون مجتمعاً شفافاً يخلق لدى أفراده حس العدالة الرائق بدلاً من وعي الأيديولوجيا الزائف.

اليوم، بعد مئة عام على الثورة الروسية، لم تعد نهاية الشيوعية، كأيديولوجية صلدة تقوم على الشمول والحتمية، مجرد نبوءة بل حقيقة تاريخية، ولكن مفهوم الأيديولوجية ذاته لم ينته وربما لن ينتهي، بل إن القول بنهايته هو ذاته يمثل ادعاء أيديولوجيا، يمكن التحفظ عليه بأمرين أساسيين:

أولهما أن جل الصراعات التي يزخر بها عالمنا ليست إلا صراعات أيديولوجية من مستويات مختلفة، بعضها مباشر كالعولمة التي تمثل أيديولوجيا تبريرية لنزعات التغلغل الاقتصادي والسياسي في المجتمعات الأخرى. وبعضها الآخر غير مباشر، على منوال مقولة صدام الحضارات، خصوصاً بين العالم الغربي المسيحي والعالم العربي الإسلامي. فالقول بعالم إسلامي موحد، له طابع كلي وشمولي (على رغم التفاوت الهائل على كل الأصعدة بين مصر وأفغانستان مثلاً، أو بين السعودية وإيران) هو قول أيديولوجي محض. وعلى المنوال ذاته يأتي القول الأيديولوجي بعالم مسيحي غربي، تنضوي فيه روسيا التي تمثل «شرق الغرب» مع الولايات المتحدة التي لا تزيد عن كونها «غرب الغرب»، كما تنضوي كوبا «جنوب الغرب» مع بريطانيا واسكندينافيا «شمال الغرب». إنهما ليسا إلا قولين أيديولوجيين يغطيان على صراع النفوذ والهيمنة، الذي يراد لمعالمه أن تظل خفية ومضمرة حتي ينجز الفاعلون فيه جل أهدافهم.

وثانيهما أن للأيديولوجية وظيفة «تعبوية» ستظل قائمة على مستوي النظم السياسية، تسهم في الحفاظ على شرعية نظام الحكم القائم في عيون الجماهير، أو حتي في حشد هذه الجماهير نفسها ضده بغية إسقاطه، فعملية بناء الشرعية السياسية للنظم السياسية هي عملية أيديولوجية بامتياز، يسعى خلالها كل نظام حكم إلى تقديم نفسه بما يعتبره ضرورياً وأصيلاً لدي الجماهير التي يخاطبها، وغالبا ما يصف نفسه بالتعددية، والعدالة والفعالية والتقدمية، ولو كان في الجوهر أحادياً وإقصائياً وظالماً، يتوسل الأفكار البالية، المذهبية والعرقية. وهكذا تكتسب الأيديولوجية أشكال وجود مختلفة، للقيام بوظائف متناقضة في مجتمعات متباينة، إذ تبارح دوراً ما في سياق تاريخي وسياسي، لتلعب دوراً آخر في سياق مغاير، وهكذا في عملية جدلية تكذب مقولة النهاية وإن خضعت لمبدأ التحول.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان