رئيس التحرير: عادل صبري 04:17 مساءً | الأحد 19 نوفمبر 2017 م | 29 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

من يملك مفاتيح أبواب مصر؟

من يملك مفاتيح أبواب مصر؟

مقالات مختارة

محمد نور فرحات

محمد نور فرحات يكتب

من يملك مفاتيح أبواب مصر؟

نقلا عن المصري اليوم 29 أكتوبر 2017 19:56

تابعت مصر جلسة مجلس النواب التى وافق فيها على مد العمل بحالة الطوارئ مدة ثالثة وما قيل فيها من كلمات تدين الإرهاب وتنعى شهداء مصر.

 

كل مصرى مخلص يقف مع الدولة وأجهزتها بقوة فى حربها ضد الإرهاب. وكلنا يعتصر قلبه الحزن على شهداء مصرمن رجال الشرطة والقوات المسلحة.

ولكن منا من يرى الاكتفاء بإلقاء الخطب العصماء بإدانة الإرهاب ودعم الأجهزة وكفى. ومنا من يأخذ الأمر مأخذ الجد ويرى أن الدعم الحقيقى للدولة يكون بالتصدى لأسباب الإرهاب ومراجعة السياق الأمنى القانونى والسياسى لمكافحته.

لم يفاجأ أحد بموافقة مجلس النواب الذى اعتاد مخالفة الدستور. قواعد التفسير القويم للمادة ١٥٤ مقتضاها حظرالمد لأكثر من مدتين لنفس السبب. ومناقشات الجمعية التأسيسة حول المادة تؤيد ذلك.

مغزى المادة ١٥٤ من الدستور واضح من الأعمال التحضيرية: عدم جواز مد حالة الطوارئ لأكثر من مدتين طوال مدة ولاية الرئيس لنفس السبب، (راجع مناقشات أعضاء الجمعية التأسيسية فى الاجتماع التاسع والعشرين بتاريخ ١١ نوفمبر ٢٠١٣/ ص ٣٥ من المضابط).

وحكمة ذلك أن الخطر الذى تواجهه الدولة قد فقد صفة كونه طارئا وتحول إلى آفة اجتماعية تستدعى مواجهة أكثر عمقا وجدية من مجرد تشريع استثنائى فشل فى مواجهة الإرهاب ونجح فى قمع الحريات.

المفاجأة الصادمة هى تصريحات رئيس المجلس التى جردت المخالفين من جنسيتهم المصرية ودعتهم إلى مغادرة البلاد (مع ألف سلامة) وكأن سيادته قد أصبح حاملا لمفاتيح أبواب الوطن.

وكان غريبا على مجلس يرأسه فقيه دستورى (وإن عمل أغلب حياته المهنية فى خدمة حكام الخليج) ألا يتصدى لفحص نصوص قانون الطوارئ ويقارن أحكامها بالقوانين النافذة كقانون الإرهاب والكيانات الإرهابية والقوانين الجنائية ذات الصلة ليجيب على سؤال جوهرى: لماذا لم تنجح هذه النصوص فى وقف الإرهاب؟ نائب واحد طالب على استحياء باستدعاء وزير الداخلية لمناقشته ولم يعره أحد التفاتا وانطلق البعض فى خطب بليغة حماسية، دون بحث جدى فى جدوى الإطار القانونى للمواجهة. وكأنى برؤساء المجلس الراحلين المعلقة صورهم فى ردهاته يتململون فى قبورهم ضجرا مما آل إليه حال المجلس ولغة رئيسه الركيكة.

مد حالة الطوارئ لفترة ثالثة باطل رغم مطالبة (المعارضين أن يتركوا البلد، ومع ألف سلامة). نفس ما كان يردده الشيخ يعقوب أيام غزوة الصناديق. للفاشية جوهر واحد وأقنعة متغيرة.

دعونا نلتفت عن الصغائر لنطلع على أمهات كتب القانون الدستورى كما دعانا رئيس المجلس.

كتب الدكتور السنهورى فى (يناير ١٩٥٢) عن (مخالفة التشريع للدستور والانحراف فى استعمال السلطة التشريعية)، وكتب الدكتور محمد ماهر أبو العنين (١٩٨٦) رسالته عن (الانحراف التشريعى والرقابة على دستوريته). من أهم صور الانحراف التشريعى مخالفة التشريع لروح الدستور وحكمته بالتحايل عليه لإفراغه من مغزاه والحيدة عن هدفه.

رئيس الوزراء تعهد بألا تستخدم حالة الطوارئ ضد الحريات ولغير غرض مكافحة الإرهاب. نحن لا نصدق مثل هذه التعهدات لأن الواقع كذبها دائما. ولا يلدغ المؤمن من جحر عشرات السنوات.

نعود إلى أمهات كتب القانون الدستورى. لم نجد للقائمين على التشريع عندنا إلا كتبا مدرسية توزع على الطلاب وتنجو بنفسها عن مناقشة مواطن الحرج.

الكتابات القديمة أكثر جرأة فى الحق. راجعوا مثلا رسالة الدكتور محمد عصفور بعنوان (وقاية النظام الاجتماعى باعتبارها قيدا على الحريات العامة).

أهم ماكتب فى حالة الطوارئ حديثا بحثان أحدهما رسالة للمستشار الدكتور عاصم رمضان بإشراف أستاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوى. والآخرعن التنظيم القانونى لأنظمة الاستثناء للباحثين على هادى حميدى واسماعيل صعصاع.

اتفق الباحثون قديما وحديثا على أن نظام الطوارئ نظام مؤقت لمواجهة ظرف استثنائى تستحوذ السلطة التنفيذية به على السلطات الثلاث: تشريعية (بإصدار قرارات الطوارئ)، وتنفيذية (بممارسة سلطات انتهاك الحقوق الدستورية)، وقضائية (بالتصديق على الأحكام). ولا يقبل فى مجتمع ديمقراطى أن يتحول نظام الطوارئ إلى نظام دائم بديلا عن التشريع العادى.

اتفق الفقه فى فرنسا ومصر على أن شروط الطوارئ ثلاثة: ١- الخطر الداهم ٢- الطابع المؤقت لهذا الخطر ٣- عدم قدرة التشريعات العادية على مواجهة الخطر.

فى الفقه الفرنسى يعرف دراجو وبارتلمى الطوارئ بأنها تلك السلطات الاستثنائية التى تعطى لرجال الضبط حق اتخاذ تدابير غير عادية لمواجهة ظروف مؤقتة.

وفى مصر يعرف الدكتور زكريا محفوظ الطوارئ فى رسالته (١٩٦٦) بأنها نظام قانونى استثنائى ومؤقت لمواجهة الظروف الطارئة التى تقصر عنها التشريعات العادية.

واتفق الفقه على أنه لا بد أن يثبت عجز التشريع العادى عن مواجهة الظروف الاستثنائية، بحيث تضطر الإدارة إلى اللجوء لنظام الطوارئ حفاظا على النظام العام.

ويمارس بعضهم تدليسا مفضوحا بالقول إن العالم كله يطبق نظم الطوارئ تحت مسمى قوانين الإرهاب. نحن لدينا كل أدوات القمع: حالة طوارئ وقانون إرهاب نافذ ونظام جنائى إجرائى وموضوعى يسمح بتوقيع أقصى العقاب ويحول الحبس الاحتياطى لاعتقال مقنّع.

والسؤال المحورى الذى تجاهله البرلمان هو: هل تعجز التشريعات العادية النافذة عن مواجهة الإرهاب؟ نتوقف إذن أمام قانون الإرهاب النافذ.

المادة (١٢) وما بعدها منه تعاقب بالإعدام والسجن المؤبد والسجن المشدد مرتكبى الجرائم الإرهابية. تم تعريف الجرائم والأعمال الإرهابيه تعريفا فضفاضا يتسع ليشمل عن قصد صور المعارضة السلمية (راجع المادتين الأولى والثانية).

وتحولت سلطات الطوارئ الاستثنائية بفضل قانون الإرهاب إلى سلطات دائمة.

المادة ٤٠ من قانون الإرهاب تجيز لرجل الشرطة بناء على استدلالاته وحدها (وفى غير حالة التلبس) أن يتحفظ على المشتبه فيه لمدة ٢٤ ساعة تمد إلى سبعة أيام بقرار النيابة. ثم تبدأ سلطة النيابة فى حبس المتهم احتياطيا الذى قد يمتد إلى ستة أشهر أو يزيد. أما فى حالة التلبس فسلطة رجال الضبط مطلقة فى استئصال الإرهابيين. المادة ٤٦ تجيز مراقبة الرسائل والاتصالات. المادة ٤٧ تجيز تجميد الأموال. المادة ٤٨ تجيز الكشف عن حسابات البنوك. المادة ٤٩ تجيز غلق الأماكن والمقار. ولكن هذا كله يتم تحت رقابة القضاء التى يتبرم منها مشرعو الأجهزة الأمنية.

قانون الإرهاب يتكفل وحده بأمر مقاومة الإرهاب وزيادة. المشكلة ليست فى القانون وإنما فى كفاءة الأداء والاستراتيجيات والمعلومات. ونكرر القول بأن الطوارئ لم تفلح طوال ثلاثين عاما فى القضاء على الإرهاب وإن أفلحت فى انتهاك الحريات. الإرهابيون لا يخشون الطوارئ. إنما يخشى الطوارئ من يهمهم أمر حرية المواطنين وكرامتهم.

معارضو الطوارئ وطنيون حريصون على أمن مصر وأرواح أهلها ورجال أمنها وحرية أبنائها وقدموا عطاءهم المسطور فى ضمير الوطن.

الوطنى الحق من يستخدم علمه لتحقيق أمن وطنه وحفظ أرواح جنده وصون حرية مواطنيه. الفقهاء الذين يؤثرون مقاعد السلطة الوثيرة وأجورهم الوفيرة وسياراتهم المصفحة ورحلاتهم المرفهة حول العالم على حساب واجبهم المهنى وإخلاصهم لحرية شعبهم سيحاسبهم التاريخ قريبا. ولن يطلب منهم أحد عندئذ مغادرة البلاد فالوطن ملك الجميع.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان