رئيس التحرير: عادل صبري 07:18 صباحاً | الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م | 04 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

فساد بلا حدود في أذربيجان وفضائحه تطاول الأسرة الحاكمة

فساد بلا حدود في أذربيجان وفضائحه تطاول الأسرة الحاكمة

مقالات مختارة

الرئيس الأذربيجاني وزوجته

فيكين شيتيريان يكتب

فساد بلا حدود في أذربيجان وفضائحه تطاول الأسرة الحاكمة

نقلا عن الحياة اللندنية 15 أكتوبر 2017 17:43

كان الفساد قد بلغ مستويات خيالية في أذربيجان، حتّى قبل نشوب فضيحة «المغسلة الأذربيجانيّة» أخيراً. ومع ذلك، كشفت الفضيحة الأحدث أنّ أموالاً صادرة عن باكو تُستعمَل لرشوة مؤسسات سياسية أوروبية من المفترض أنّها تعمل جاهدةً لحماية الديموقراطيّة.

في الرابع من أيلول (سبتمبر)، طاولت فضيحة جديدة الأسرة الحاكمة في باكو، كاشفةً عمق الفساد فيها، والمدى الممكن أن تنتقل إليها عدوى الفساد في أذربيجان. وفي سياق ما يُعرف بـ «المغسلة الأذربيجانية»، عمد فريق من المحققين إلى نشر سلسلة مقالات صادرة في صحف أوروبية بارزة، تكشف عن تبييض أموال بقيمة 3 بلايين دولار بين العامين 2012 و2014، وعن الاستعانة بشبكة شركات وهمية وحسابات مصرفية خفية، والقيام بـ16 ألف عملية تحويل مصرفي لمبلغ بقيمة ثلاثة بلايين دولار من مصارف أذربيجانية إلى أربع شركات وهميّة في بريطانيا، عبر الفرع الإستوني لمصرف «دانسكي بنك»، وهو مؤسسة مالية دنماركية رائدة، فضلاً عن أنّ مبالغ ماليّة طائلة عبرت مصارف في تركيا والإمارات العربيّة المتّحدة.

على ما يبدو، ساهم جزء من هذا المال في إثراء سياسيين أذربيجانيين بطريقة غير مشروعة. بيد أنّ أجزاء أخرى منه استُعملت لشراء النفوذ، إذ تمّ تسديد المال لسياسيين أوروبيين مقابل إنجاز خدمات في مجال «العلاقات العامة» لمصلحة النظام الأذربيجاني.

جاءت «المغسلة الأذربيجانية» عقب فضيحة ظهرت إلى العلن في آب (أغسطس) الماضي، بعد أن تبيّن أنه تحت غطاء ديبلوماسي، أطلقت شركة طيران الشحن الأذربيجانية الحكومية «سيلك واي إرلاينز» 350 رحلة جوية، نُقِلت خلالها أســلحة وذخائر من بلغاريا إلى مجموعات مسلحة غير حكومية في الشرق الأوسط. والحال أنّ تنفيذ هذه الرحلات تحت غطاء ديبلوماسي يكشف المشاركة الحكومية الرفيعة المستوى في عملية تهريب السلاح المذكورة.

وقبل سنة واحدة فقط، وتحديداً في نيسان (أبريل) 2016، كشفت فضيحة «وثائق بنما» كيف أنشأ إلهام علييف، بالتعاون مع زوجته مهربان وسياسيين نافذين آخرين شبكة شركات تجارية وشركات قابضة لتحويل مبالغ بمئات الملايين إلى حساب أوفشور باسمه وباسم قلّة من العائلات الأذربيجانية النافذة.

تكشف «المغسلة الأذربيجانية» المدى الواسع الذي انتشر إليه الفساد في أذربيجان. وإلى جانب أسماء أفراد الأسرتين الحاكمتين، وتحديداً أسرة إلهام علييف وزوجته مهربان باشايفا، التي تتبوأ أيضاً منصب نائب الرئيس، ظهرت في التحقيق حول «المغسلة» أسماء وزراء مرموقين، ومن بينهم يعقوب أيوبوف، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وعلي ناغييف، الرجل المسؤول عن محاربة الفساد في المحافظات الأذربيجانية. والحال أن الفساد على مستوى كهذا يأتي مقابل ثمن، إذ يبدو أن القسم الأكبر من مبلغ الثلاثة بلايين دولار صدر عن «بنك أذربيجان الدولي» (أي بي إي) الحكومي، أكبر مصرف في أذربيجان. وكان المصرف المذكور على وشك إشهار إفلاسه في صيف عام 2017، ما هدّد بانهيار النظام المصرفي الأذربيجاني برمّته.

فطوال عقد من الزمن، تلقّت أذربيجان مبالغ مالية طائلة مقابل صادراتها النفطيّة، بيد أن هذا الدخل تراجع في السنوات القليلة الماضية بسبب الهبوط المزدوج في إنتاج النفط وأسعاره. ومع ذلك، بقي حكّام باكو يتداولون رواية من صنع الخيال حول الموضوع، مع إحكامهم السيطرة على الإعلام، واستعانتهم بسياسيين أوروبيين ناشطين في مجال العلاقات العامة في الخارج. حتّى أنّ صحافيّاً أذربيجانيّاً شبّه ما يحصل بوضع شاه إيران قبل الثورة.

أما الجديد في «المغسلة الأذربيجانية»، فهو مدى فساد السياسيين الأوروبيين جرّاء هذه الفضيحة. وقد كشفت صحف ألمانية أن البرلمانية كاري سترينز، التي تنتمي إلى الحزب المسيحي الديموقراطي برئاسة أنغيلا مركل، تلقّت مدفوعات من المغسلة، في حين اتُهِم لوكا فولونيه، عضو الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، بتلقي 2.39 مليون دولار لغض النظر عن حصول تزوير في الانتخابات. وكذلك، وردت تقارير تفيد بأن إدوارد لينتنر، البرلماني السابق من الحزب المسيحي الديموقراطي الألماني، الذي ينتمي اليوم إلى الاتحاد الاشتراكي المسيحي وبقي ينوّه بالانتخابات في أذربيجان، قد تلقى أموالاً بقيمة 819 ألف يورو ما بين 2012 و2014.

أما كالين ميتريف، ممثل البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية وزوج إيرينا بوكوفا، المديرة العامة لـ «يونيسكو»، فيخضع للتحقيق لتلقّيه مبلغاً بقيمة 458 ألف دولار عبر حسابات بلغاريّة وسويسريّة. ومن المعروف أنّ إيرينا بوكوفا هي صديقة شخصية للسيدة الأولى (ونائب الرئيس) في أذربيجان. وفي عام 2013، وهبت أذربيجان 5 ملايين دولار لـ «يونيسكو»، وقد افتتحت السيدتان معرضاً بعنوان «أذربيجان– أرض التسامح» في باريس. كما وأن إيرينا بوكوفا أصرّت دوماً على منع أي تحقيق حول تدمير مقبرة أرمنية قديمة في جلفا على يد الجيش الأذربيجاني عام 2005، مع أنها تحب أن تظهر كمدافعة عن المواقع الأثرية ضد التدمير المتعمّد.

لم يكتف المكتب الإعلامي الرئاسي الأذربيجاني بنفي التهم الموجهة إلى كبار القياديين السياسيين في البلاد، عندما أورد أن «الجهود المبذولة لتوريط الرئيس وأسرته في هذه المسألة لا تستند إلى أي دليل، وهي مغرضة واستفزازية بطبيعتها». إذ قام المكتب الإعلامي الرئاسي أيضاً بهجوم مضاد ولجأ إلى الإهانات العرقية، من قبيل: «نعرف أن جورج سوروس ومعاونيه– المعروفين دولياً بنفاقهم وخداعهم واحتيالهم وكذبهم في التعاطي مع أذربيجان وقيادتها– هم المسؤولون عن هذه الحملة»، من دون أن ينسى ذكر «اللوبي الأرمني» والقول: «إن هذه الاتهامات القذرة تعدّ من الأعمال القذرة التي يُعرف بها المنحى المؤيد للأرمن في العالم». فهل تشكّل هذه الإهانات المستندة إلى التفرقة العرقية دليلاً إضافياً على ثقافة التسامح التي ترعاها الحكومة في أذربيجان؟

أعلن البرلمان الأوروبي أنه سيطلق «تحقيقاً شاملاً «في جهود نظام أذربيجان والأنظمة الأوتوقراطية في دول ثالثة للتأثير بطرق غير مشروعة في صنّاع القرارات الأوروبيين». وكانت المؤسسات السياسية الأوروبية تعرف إلى أي مدى تفشى الفساد في باكو، وعلى يقين بأن سياسيين أوروبيين تقاضوا أموالاً لممارسة الضغط السياسي لمصلحة أسرة علييف الحاكمة. ومع ذلك، اختارت عدم التصرف في هذا الشأن.

ومن خلال غض نظرهم عن ممارسات الفساد الصادرة عن المؤسسات الأوروبية، لم يكتف هؤلاء بخيانة عهدهم بالدفاع عن الديموقراطية والثقافة، بل أصبحوا شركاء في سلب الثروة العامة الأذربيجانية وتزوير الانتخابات. واليوم، دخل الفساد إلى قلب أوروبا، وقد لخّص صحافي أذربيجاني الوضع جيداً عندما قال: «إذ اختار السياسيون الأوروبيون النظر في الاتجاه الآخر، جاءت أذربيجان بالفساد إلى أراضيهم وقوّضت التزاماتهم بالديموقراطية في صميمها».

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان