رئيس التحرير: عادل صبري 06:35 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ألغامُ ما بعد الرحيل

ألغامُ ما بعد الرحيل

مقالات مختارة

يحيى حسين عبد الهادى

ألغامُ ما بعد الرحيل

سيرحل حتماً .. كما رحل سابقوه .. وإن بَدا أنه أطبَقَ على كل شئٍ بيديه .. ولم يَعُد يُلْجِمُه دستورٌ ولا قانون ولا كبيرٌ ولا صغير.. بل إن هذا بالذات هو بشير الرحيل (حتى إذا … وظَنَّ أهلُها ... أتاها أمرُنا) .. وقد يُؤتَى من مأمَنِه .. سيرحل، لا ندرى كيف .. ولكننا نتوسل إلى الله بكل الطيبين الصابرين المسالمين فى هذا البلد أن يكون رحيلُه سلمياً .. وأن يكون قريباً ..

 

فتكلفة استمراره مخصومةٌ ومدفوعةٌ من مستقبلنا .. ديوناً وتفريطاً واحتقاناً .. المُشكلةُ فى الإرث الذى سيتركه لنا لِيُوَّزَعَ توزيعاً تونسياً أى بالتساوى على كل من يعيش على هذه الأرض .. لا فضلَ لذكرٍ على أنثى .. ولا لمسلمٍ على مسيحى .. ولا لعسكرىٍ على مدنى .. ولا لطَبَّالٍ على مُعارِض .. قِسمة الغُرَماء .. لا أتحدث هنا عن الألغام القديمة المتوارثة التى ستواجهنا فى جميع الأحوال كالأُمِّيَة وانخفاض الكفاءة والإرهاب .. إلخ ... 

 

ولكننى أتحدث عن إرثٍ من الألغام الجديدة التى يزرعها أمامنا ونحن كالمُخَّدَرين .. ستة ألغام رئيسية .. واجبنا أن نجتهد من الآن فى التفكير فى كيفية تجاوزها وإبطال مفعولها .. فضلاً عن الألغام  السِريَّة التى ستفاجئنا وقد تنفجر فى وجوهنا بعد الرحيل (نسأل اللهَ اللُطف):

 

اللغم الأول: الديون الخارجية:

 

يبدو هذا النظام فى سباقٍ مع نفسه لتصبح مصر (أّد الدنيا) فى الديون .. لم يحدث من قبل أن ارتفعت الديون الخارجية لبلدٍ فى عامٍ ونصف بنسبة تقترب من 50% .. فوفقاً للبيانات الرسمية كان إجمالى الديون الخارجية فى مارس 2016 مبلغ 53.4 مليار دولار .. وقفز الآن إلى حوالى 79 مليار دولار، ووفقاً لخطط الاقتراض الرسمية المعلنة سيصل الرقم بنهاية 2018 إلى نحو 87 مليار دولار بافتراض أن مصر لن تقترض دولاراً آخر من أى جهة .. ودخلنا فى الدائرة الخبيثة .. نستدين لنسدد، فنطرح سنداتٍ بأعلى فائدةٍ فى العالم فى سوقٍ عالميةٍ لا سيطرة لنا فيها على جنسية المشترين .. ورغم أن لغم الدَيْن الداخلى لا يقل خطورةً، إلا أننى أُرَّكِزُ على  لغم الدين الخارجى لتأثيره المباشر على استقلالية القرار الوطنى ولتَبِعاتِه التى نحفظها عن ظهر قلبٍ وكَلَّفَتنا قبل ذلك سبعين عاماً من الاحتلال البريطانى.

 

اللغم الثانى: الاتفاقات والتنازلات الدولية:

 

وكُلُّها اتفاقاتٌ تفتقر إلى الدستورية ولكنها تُرَّتِبُ حقوقاً لأطرافٍ أخرى لا يعنيها دستورية أو عدم دستورية هذه التنازلات .. ولا يملك أىُّ نظامٍ وطنىٍ مصرى قادمٍ أن يعترف ويُسَّلِمَ بها .. خذ مثلاً التنازل عن جزيرتى تيران وصنافير الذى أوجد من العدم بؤرةَ خلافٍ قد تمتد لعقودٍ مع نظامٍ وشعبٍ عربىٍ شقيق .. وأَهدَى لإسرائيل حَقَّاً فى مياهنا الإقليمية لم تحلم به من قبل (ولن تُفَّرِط فى هذه الهدية إلا بحربٍ) .. نفس الشئ حدث مع حِصَّتنا المتوارثة فى مياه النيل والتى كُنَّا نشكو أصلاً من عدم كفايتها .. أمَّا التنازل عن مساحاتٍ فى سيناء فيما يُسَّمى صفقة القرن فهى من الأمور التى تُجرى فى الخفاء ونتلقط أخبارها من الصحافة العالمية .. وما خَفِىَ كان أعظم.

 

اللغم الثالث: ابتلاع الأجانب للأصول الوطنية العامة والخاصة:

 

 لم يعُد البيعُ للأجانب قاصراً على ما تَبَّقَى من شركات قطاع الأعمال، وإنما سيمتدُ وفقاً للتصريحات الرسمية واتفاق الصندوق للبنوك الوطنية وشركات التأمين وشركات البترول، والأصول المملوكة للدولة، وهى عبارةٌ فضفاضة تشمل كل أصلٍ عام بما فيها المدارس والمستشفيات وقناة السويس .. بالإضافة لما بَشَّرت به وزيرةٌ فى الحكومة فى مقالٍ شهير من بيعٍ للمرافق العامة .. وهو ما بدأت مقدماته فى الحديث عن خصخصة السكك الحديدية، ولا يوجد ما يقف فى طريق بيع باقى المرافق كشركات إنتاج المياه ومعالجة الصرف الصحى والكهرباء والهيئة العامة للسد العالى وخزان أسوان .. كل هذه البيوع باطلةٌ بلا شك .. فما هو مطروحٌ للبيع مِلْكٌ للشعب الذى لم يستأذنه أحدٌ .. ولم يُفَّوِض أحداً لبيع ممتلكاته ..

 

لكن المشكلة التى عانينا منها بعد الموجة الأولى من الخصخصة أنها تُدخِلُ طرفاً أجنبياً يُكَّبلنا بسيف التحكيم الدولى .. هذا عن الأصول العامة .. لكن الموجة تبتلع حالياً المصانع والشركات والصروح التى بناها القطاع الخاص المصرى الذى وَجَد فى البيع حلَّاً فى ظل انهيار قيمة العملة الوطنية وتفاقم المشاكل مع دولة الإتاوات.

 

اللغم الرابع: القوانين غير الدستورية:

 

مئاتٌ من القوانين صَدَرَت عن برلمان الرئيس وتتناقض مع أبسط وأوضح المبادئ الدستورية، سواء تلك التى تُقَّنِنُ الفساد وانتهاك حقوق الإنسان أو تُكَّمِمُ الأفواه أو تعبث باستقلال القضاء والأجهزة الرقابية .. وتُعيد مصر إلى دولةٍ فى القرون الوسطى حيث الحاكم الفرد المُطلق الذى لا يُسأَلُ عمَّا يفعل .. ولا أمل فى أى انطلاقٍ أو تقدم حقيقى مستقبلاً قبل تنقية وتطهير هذا المستنقع القانونى تماماً.

 

اللغم الخامس: المشروعات الفاشلة غير المُكتمِلة:

 

سواء تلك المشروعات الوهمية، أو غير المدروسة، أو الجيدة ولكنها اكتسبت أولويةً لا تستحقها وابتلعت ولا تزال جزءاً كبيراً من الموارد المحدودة للدولة .. سيكون على لجانٍ وطنيةٍ متخصصةٍ تحديد الأسلوب الأمثل للتعامل معها لإيقاف النزيف وتعظيم الاستفادة مما أُهدِر عليها أو استكمال بعضها .. فهى فى النهاية أموالنا

 

اللغم السادس: الاحتقان:

 

للمرة الأولى في تاريخ هذا الشعب الطيب تصل الفتنةُ إلى داخل البيت الواحد ويستعر الاحتقان بين أفراد العائلة الواحدة ويبدو أن هناك مَن له مصلحةٌ فى استمرار تأجيج النيران .. ولا أملَ فى انطلاق هذا البلد إلا بإبطال مفعول هذا اللغم بتنفيذ الاستحقاق الدستورى الخاص بالعدالة الانتقالية .. عدالةٌ انتقاليةٌ بلمسةٍ مصرية تفتح (إلى جانب ملفات نهب مصر) ملفات كل الأحداث الدموية التى خَضَّبَت وجه مصر على مدى السنوات السبع الأخيرة، وتمزج بين التحقيق النزيه المحايد والمصارحة والشفافية والاعتذار والمحاسبة والتسامح معاً.

 

هذه هى الألغام الستة الرئيسية (غير الفرعيات) .. وأختلف مع من يعتبرون  ما سيُخَّلِفُه النظام الحالى وراءه من مجموعاتٍ من الدراويش والبهاليل والطبالين لغماً سابعاً .. أعتقدُ أنهم لن يُسببوا أى مشكلة .. إذ سيتحولون تلقائياً إلى رصيدٍ وذخيرةٍ للنظام الجديد أَيَّاً كان اتجاهُه.

 

 

 

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان