رئيس التحرير: عادل صبري 06:50 مساءً | الأحد 22 يوليو 2018 م | 09 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

عن «الرايخ الصهيوني الاستيطاني» ودروس التاريخ

عن «الرايخ الصهيوني الاستيطاني» ودروس التاريخ

مقالات مختارة

مستوطنات إسرائيلية

محمد خالد الأزعر يكتب

عن «الرايخ الصهيوني الاستيطاني» ودروس التاريخ

نقلا عن الحياة اللندنية 27 سبتمبر 2017 19:24

في أواخر آب (أغسطس) الماضي رعى بنيامين نتانياهو احتفالية إسرائيلية لمناسبة ذكرى احتلال الضفة الفلسطينية بما فيها القدس، وبداية الاستيطان الصهيوني اليهودي في هذه المناطق قبل خمسين عاماً. وإيغالاً في التبجح والعنجهية، استغل رئيس وزراء إسرائيل أجواء النشوة لدى محازبيه وزعماء الاستيطان من حوله، ليصرح بأن حكومته لا تنوي التخلي عن المستوطنات؛ «لقد جئنا إلى هنا لنبقى إلى الأبد». فكرة الأبد والأبدية كثيرة التداول في الخطاب الأيديولوجي والسياسي الصهيوني، فلطالما ردَّد القادة الصهاينة والإسرائيليون أن دولتهم كانت منذ الأزل وستبقى للأبد؛ وأن «أرض إسرائيل» ملكية أبدية للشعب اليهودي؛ وأن القدس هي العاصمة الأبدية الموحدة لليهود، وهو ما كرَّره نتانياهو بالنسبة إلى الاستيطان والمستوطنات. وهنا تلح الإشارة إلى أن النازيين فعلوها مِن قبل، حين قالوا أن الرايخ الثالث سيعمر ألف سنة على الأقل.

نتانياهو تعمَّد توجيه رسالة إلى أكثر من عنوان، لكنه يخص بها جهتين أكثر من غيرهما. الجهة الأولى، هي قاعدته الأيديولوجية والسياسية الانتخابية وفي طليعتها المستوطنون وتنظيماتهم؛ والقوى الدينية الموصوفة بالتشدد (الحريديم). ويشكل هؤلاء وأولئك معاً زهاء ربع السكان اليهود في إسرائيل. ويتعزَّز إدراكنا لهذه المغازلة إذا تذكَّرنا أن الرجل قال قبيل أيام من هذه الاحتفالية: «إننا نعمل بقوة لمصلحة الاستيطان، ولا توجد حكومة عملت أكثر مما فعلنا في هذا الاتجاه». الجهة الثانية، هي أنصار عملية السلام والتسوية وحل الدولتين في مختلف أنحاء المعمورة. نتانياهو يريد إبلاغ الجميع بأن ما حققه التوسع الاستيطاني، يقع خارج النطاق الجغرافي والسياسي والسيادي للفلسطينيين، حتى إن قُدر للدولة الفلسطينية أن تقوم. هو بكلام آخر، يقطع شعرة عملية التسوية مع الفلسطينيين والعرب والعجم في ما يخص مستقبل الاستيطان، لا سيما أن هذا البعد يتصل وثيقاً بمصير القدس. ولأن الطرف الفلسطيني يصر على عدم استئناف عملية التسوية قبل تجميد الاستيطان، فلا معنى لهذا التصريح غير أن نتانياهو يؤكد مغادرته لهذه العملية غير آبه بأي تبعات. ويوحى بهذه الملاحظة أيضاً أن احتفالية الاستيطان وما تخللها من أقوال وإشارات، جرت فيما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يقوم بأولى جولاته المكوكية المحدودة بين الأطراف المتصارعة في فلسطين التاريخية، بحثاً عن تحقيق انفراج تفاوضي.

لا يشعر الإسرائيليون بالذنب الذي يقترفونه بسرقة أرض شعب معترف له بحق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على هذه الأرض. والأنكى أنهم يحتفون بهذه الفعلة المنحطة على أعين الناس ويصرون على ديمومتها، على رغم مخالفتها الموثقة للقوانين المتعلقة بتنظيم العلاقات الدولية لزمني السلم والحرب. وبالنظر إلى هذا التواقح المفرط، علينا أن نصدق نتانياهو عندما يزعم أنه لن يخلي المستوطنات ولن يتخلى عن الاستيطان. ويشفع لهذه الصدقية قبل ذلك وبعده، أن جناية الاستيطان في عهده وفي عهود أسلافه خلال السنوات الخمسين الماضية، لم تخضع لأي إجراءات عقابية رادعة. ومن المعلوم أن مَن أمِن العقاب أساء الأدب وداوم على هذه الإساءة.

عموماً؛ لا علاقة مباشرة بين قضية التوسع الاستيطاني وبين الأمن الإسرائيلي كما يدعي الإسرائيليون. فالاختراقات الأمنية يمكن أن تطاول المستوطنين، القدامى منهم والجدد داخل ما يسمى بالخط الأخضر وخارجه على حد سواء. ولا علاقة مباشرة أيضاً بين الاستيطان والوعود الدينية التوراتية، لأن اليقين بهذه العلاقة لا يتطرق إلى اليهود كافة ولا حتى إلى الإسرائيليين جميعاً. الشراهة الاستيطانية ترتبط وثيقاً بطموحات التمدد الجغرافي في فلسطين التاريخية والحيلولة ما أمكن دون تبلور كينونة الدولة الفلسطينية.

كما أنها تتصل بمصالح اقتصادية قوية لقطاعات من «المجتمع الإسرائيلي». فالمستوطنات باتت، مثلاً، متنفساً للباحثين عن المسكن زهيد الثمن؛ الذي تتوافر فيه مظاهر الرفاهية. وهي عند فئات من المستوطنين مجرد منتجعات سياحية لقضاء الإجازات وعطلات نهاية الأسبوع، وذلك بخُمس كلفة شقق الداخل الإسرائيلي وفنادقه. هذا من دون الحديث عن الشركات الإسرائيلية التي راحت تنقل أعمالها إلى المستوطنات، طمعاً في المزايا الضريبية والدعم الحكومي و «العمالة الفلسطينية الرخيصة» وإمكانية التخلص من النفايات ودفنها بعيداً مِن احتجاجات «مجتمع الأسياد» في إسرائيل. لم يمر سوى وقت قصير جداً على حديث النازيين عن رايخهم الأبدي، حتى ذهبوا مع دولتهم ورايخهم أدراج رياح التاريخ، وصاروا أثراً بعد عين. والظاهر أن نتانياهو وأركان «رايخه» الاستيطاني في فلسطين لا علم لهم بهذه الحقيقة.

* كاتب فلسطيني

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان