رئيس التحرير: عادل صبري 09:48 مساءً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

إسرائيل تستدير نحو أمريكا اللاتينية

إسرائيل تستدير نحو أمريكا اللاتينية

مقالات مختارة

نتنياهو مع الرئيس الكولومبي

إسرائيل تستدير نحو أمريكا اللاتينية

كرم سعيد 26 سبتمبر 2017 15:15

حرج سياسي ثقيل تعرض له رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الساعي إلى استعادة الدور الإسرائيلي في أفريقيا، بعد أن طلبت توغو إلغاء القمة الأفريقية- الإسرائيلية التي كان مقرراً أن تعقد الشهر المقبل. في هذا السياق، تتسارع استراتيجية الاستدارة الإسرائيلية إلى أميركا اللاتينية التي يرفع لواءها نتانياهو. وأميركا اللاتينية هي ساحة معركة ديبلوماسية كبيرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من جهة، وإيران من جهة ثانية، خصوصاً بعد أن نجحت طهران في اختراق القارة التي تمثل حديقة خلفية لواشنطن، وطبَّعت علاقاتها مع كثير من دولها ناهيك بإحراز اختراقات جذرية لبعض المجتمعات اللاتينية، وذلك عبر مشاريع استثمارية في مجال النفط والطاقة والزراعة بجوار قروض ومعونات بفوائد مخفضة أو مِن دون فوائد.

قام رئيس الوزراء الإسرائيلي أخيراً بجولة شملت الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، استبقها بتصريح جاء فيه: «إننا نقوم حالياً بتطوير العلاقات مع قارة أميركا اللاتينية، التي تشكل كتلة كبيرة تضم دولاً ذات أهمية بالغة. إننا ندخل ساحة جديدة». وتزامنت الجولة مع قرب الاحتفال بالذكرى السنوية السبعين لقرار الجمعية العامة رقم 181، الذي قضى بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين والسماح بإنشاء دولة يهودية. ولعبت دول أميركا اللاتينية آنذاك دوراً لا يمكن إنكاره في ترسيخ الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة، إذ كان تأييد هذه الدول لقرار تقسيم فلسطين حاسماً في قبول عضوية إسرائيل في المنظمة الأممية، بخاصة أن هذه الدول كانت تشكل أكثر من ثلث أعضائها. كما تصادف الجولة مع مرور 25 عاماً على الاعتداء على سفارة إسرائيل في بوينس إيرس، عاصمة الأرجنتين، الذي توجهت أصابع الاتهام فيه إلى إيران و «حزب الله» اللبناني.

والأرجح أن الجولة تستهدف تحقيق سلسلة من الأهداف أولها إحداث نقلة نوعية مع القارة الجنوبية بعد سنوات من القطيعة والفتور، إذ شهدت العلاقة بين إسرائيل وقطاع واسع من الدول اللاتينية توتراً قبل أعوام عدة بعد اعترافها بالدولة الفلسطينية الموحدة داخل حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفي مقدم هذه الدول البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وإكوادور وأوروغواي وتشيلي والمكسيك، والتي اعترفت بفلسطين دولة حرة مستقلة. والقضية الفلسطينية، لم تغب يوماً عن اهتمام دول أميركا الجنوبية، بل حظيت بتأييد قوي من دول القارة باستثناء المكسيك، وكولومبيا وبنما، التي تربطها علاقات اقتصادية وعسكرية قوية بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على حد سواء. كما قامت أكثر من دولة في القارة عشية عملية «الجرف الصامد» التي أطلقتها إسرائيل ضد قطاع غزة في تموز (يوليو) 2014، بإغلاق سفارة إسرائيل لديها، فضلاً عن تأكيد القمم العربية اللاتينية الدورية «أسبا» دعم الموقف الفلسطيني ورفض عملية الاستيطان. ويرتبط الهدف الثاني للزيارة بسعي رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تحسين صورته في الوعي الجمعي الإسرائيلي، عبر القفز على أزماته في الداخل، وبخاصة قضايا الفساد والرشي في ملف الغواصات الألمانية وهدايا رجال الأعمال، وهي التهم التي لم ينجح في حملته طوال الأشهر الماضية في إبعادها أو تبيض ساحته أو ساحة زوجته فيها. وبينما يرى نحو 62 في المئة من الإسرائيليين وفقاً لاستطلاع رأي أن إسرائيل دولة فاسدة، يحاول نتانياهو عبر جولته اللاتينية وجولات في مناطق أخرى تصدير صورة مغايرة لأدائه السياسي على المستوى الخارجي.

تهدف جولة نتانياهو إلى إحداث اختراق في الدول اللاتينية الداعمة للقضية الفلسطينية، وكسب تأييدها لمصلحة الطرح الإسرائيلي في المنظمات الدولية. ولذا حرص نتانياهو في محطة الأرجنتين التي استقبلته بحملة احتجاج واسعة عشية وصوله، على إحياء ذكرى تفجير السفارة الإسرائيلية عام 1992 والمركز اليهودي في بيونس إيرس عام 1994.

ويرتبط الهدف الرابع للزيارة بفتح آفاق اقتصادية وعسكرية أرحب مع القارة الجنوبية، وبدا ذلك في توقيع عدد معتبر من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، فعلى سبيل المثال تعتبر إسرائيل الشريك التجاري الأكبر للمكسيك على مستوى الشرق الأوسط، وثاني أكبر مستثمر أجنبي بها بعد الولايات المتحدة، إذ ارتفع معدل التبادل التجاري بينهما خلال عام 2016 إلى 700 مليون دولار، فضلاً عن تصاعد معدل التبادل التجاري مع البرازيل، ففي عام 2014 بلغ حجم صادراتها للبرازيل نحو 464 مليون دولار فضلاً عن تطور علاقات التعاون في مجالات عديدة وبخاصة الزراعة والتجارة. وعلى جانب آخر تعد الخبرة الإسرائيلية مرتكزاً مهماً لأميركا الجنوبية في مجالات تكنولوجيا المياه والزراعة، ناهيك بتفعيل التعاون العسكري والأمني، إذ يسعى نتانياهو إلى تسويق صادرات السلاح الإسرائيلي في دول القارة.

وخلال الأشهر الأخيرة قادت حكومة نتانياهو حراكاً لتطبيع العلاقات مع القارة اللاتينية، مستندة إلى صعود تيار اليمين إلى سدة الحكم في عدد من دول أميركا اللاتينية، وبخاصة البرازيل والأرجنتين، وهو ما مثل نقطة تحول رئيسية في الموقف اللاتيني من العلاقة مع إسرائيل، حيث ساهم صعود اليمين في تزايد انخراط دول القارة في علاقاتها مع واشنطن. وفي هذا الإطار، عمدت الحكومات اليمينة إلى إعادة تقييم علاقتها بإسرائيل، حليف الولايات المتحدة. وتملك تل أبيب أوراقاً حيوية في تحديد طبيعة العلاقة مع أميركا الجنوبية منها الجالية اليهودية، وبخاصة في الأرجنتين، حيث تعيش أكبر جالية يهودية ويبلغ عدد أفرادها نحو 300 ألف شخص، إضافة إلى أن إسرائيل تعد لاعباً رئيسياً في تصدير الأسلحة إلى دول القارة، حيث بلغت صادراتها العسكرية نحو 550 مليون دولار إلى أميركا اللاتينية عام 2016 ناهيك بأهمية الخبرة الإسرائيلية في مجالات مثل التكنولوجيا المتطورة وتكنولوجيا المياه والزراعة.

القصد أن زيارة نتانياهو إذا كانت تمثل بداية لعودة إسرائيل إلى القارة اللاتينية، فليس متوقعاً أن تسفر الجولة التي يصفها نتانياهو بالتاريخية عن تحقيق نجاحات لحظية في شأن استدارة مواقف دول القارة نحو دعم تل أبيب في المنظمات الدولية، فثمة تيار سياسي ممانع لإسرائيل، وبخاصة الأنظمة اليسارية التي على رغم تراجعها وأزماتها ما زالت تمثل محركاً مهماً لتوجهات القارة الخارجية، وترى في سلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين قهراً وعدواناً وفي الصدارة منها كوبا وفنزويلا والأكوادورو وبوليفيا.

ـــــــــــ

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان