رئيس التحرير: عادل صبري 11:44 صباحاً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تعقيدات المسألة الكردية

تعقيدات المسألة الكردية

محمد بدرالدين زايد 17 سبتمبر 2017 16:02

ليس أصعب من المسألة الكردية، خصوصاً بالنسبة الى الذين لا يزالون متمسكين بأن الحفاظ على وحدة المصالح العربية وسلامتها يقتضي الحفاظ على وحدة الكيانات العربية القائمة وسلامتها، ومنع مزيد من الانهيارات والتفككات، كما أنه تكفي العالم العربي مشكلاته وجروحه وأوجاعه الراهنة فلا يضيف إليها جرحاً جديداً، ومن الواضح أنه ما زالت هناك مساحة من التفاعلات والأدوار الداخلية والخارجية خلال الفترة القصيرة المقبلة حول مسألة الاستفتاء، على أن سؤالاً يبقى، وهو هل يمكن تجاهل ضرورة تناول هذه المسألة بأكبر قدر من التروي والموضوعية. وما أقترحه هنا هو تناول الأمر من زوايا عدة تشمل ما هو ممكن وما هو غير ذلك وما هو محظور وما هو غير ذلك.

1- لعل الملاحظة الأولى هي أن جوهر المسألة الكردية ومنطقها يتضمنان أمرين متناقضين بالضرورة بالنسبة إلى العقل العربي، الأمر الأول أن إعادة تقسيم المنطقة وقيام كيانات طائفية، ترسخ من مفهوم الشرق الأوسط الفسيفسائي الذي يصبح من حق إسرائيل الوجود فيه، ويهدد كيانات عربية وشرق أوسطية أخرى، كما أن فتح باب التعديلات الحدودية يفتح الباب أمام أشكال متنوعة من عدم الاستقرار بأبعاده المختلفة، متجاوزاً عدم الاستقرار السياسي إلى اهتزازات اقتصادية كبيرة، ويصاحب كل ذلك العديد من مظاهر عدم الاستقرار الاجتماعي والمعاناة الإنسانية لكثير من البشر الذين يعيشون متداخلين على جانبي هذه التعديلات الحدودية ويهدد بكثير من المآسي الإنسانية. من ناحية أخرى، فإن مبدأ حق تقرير المصير، الذي لعب فيه العالم العربي دوراً مهماً، والإصرار على استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، يستلزمان أيضاً الاعتراف بحقوق الجميع، وعلى رأسهم الأقلية الكردية التي عايشت الشعب العربي قروناً طويلة، من هنا كان تذكرنا دوماً اهتمام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بالمسألة الكردية واستقباله قيادات الأكراد في وقت كانوا يواجهون ظروفاً صعبة لا تقارن بما حصل عليه الشعب الكردي في العقود الأخيرة في العراق، والتي كان الكثيرون يعولون على كفاية هذه المكتسبات وإمكان طي صفحة الانفصال بعد تحقق الحكم الذاتي وبأشكال متقدمة لا تقارن مع حالتي الأكراد في كل من تركيا وإيران، للأسف لم يحدث هذا ليستمر تناقض منطق هذه المسألة في العقل العربي أمراً لا يمكن تجاهله.

2- الملاحظة الثانية أن تجربة انفصال جنوب السودان بما لها وما عليها، تقدم دروساً مهمة للشعوب التي تلعب الأطراف الخارجية دوراً رئيساً في الترويج لانفصالها، والمؤسف أنه في حالة كردستان تحديداً، فثمة تساؤلات كثيرة من الآن، حول ممارسات سياسية وتجاوزات بأشكال مختلفة داخل الإقليم، حتى للاستقلال والانفصال، وهناك تساؤلات تحيط بالنخب السياسية في هذا الإقليم وربما عبرت عنها كتابات كردية مهمة وأخرى في دوريات أميركية وصلت إلى حد توقع «نيوزويك» في مقال منذ فترة بأنها ستكون دولة كردية فاشلة، ولن ندخل في تفاصيل هذه الجوانب، ولكنها تثير القلق بشأن مصير ومستقبل هذا الكيان إذا تم انفصاله، كما يثير هذا القلق تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الكيان الجديد على إدارة علاقات خارجية متماسكة منع التغلغل في داخله، ومن ثم أثر ذلك في استقامة وسلامه العملية السياسية داخل الدولة الجديدة.

3- الملاحظة الثالثة حول طبيعة رد الفعل العراقي، فللأسف لم توضع خطة متكاملة للتعامل مع هذه القضية والبناء على الإنجازات التي تحققت للأكراد، وفي بعض المراحل بدا وكأن هناك استسلاماً لإرادة الدولة العظمى التي تبنت المسألة الكردية كما أن تورط حكومات عراقية سابقة في ممارسات طائفية لا تشجع في خلق مناخ وطني صحي يتم فيه بناء شراكة حقيقية بين مكونات الوطن، وكان ذلك كفيلاً بإضعاف أصوات القوى الانفصالية، كما يأتي الانشغال الراهن بالمواجهة ضد «داعش» ليصعب من خوض معركة ولو سياسية ضد فكرة الانفصال، وللأسف فإن إرادة الحكومة العراقية لن تكون وحدها كافية لإيقاف هذه التطورات.

4- أما رد الفعل العربي، فربما لولا تحرك الأمين العام للجامعة العربية الذي لم تتم الاستجابة له حتى الآن، لما استطعنا رصد أي رد فعل عربي مناسب، وهنا لا يمكن المرء إلا التساؤل عن قدرة ردود الفعل العربية في ظل التعقيدات الإقليمية وتناقض الاعتبارات المحيطة بالأمر.

5- أما الملاحظة الخامسة فتتعلق بما يجب أن يكون محظوراً في ظل المعطيات الراهنة، وهو أن يتم التعامل بالإكراه والعنف، سواء لفرض استقلال كردستان أو لمنع استقلالها، ففي المجمل الآن وبعد زمن من تجاوز سوء الفهم العربي – الكردي وبعد الوصول إلى نمط حالي أكثر صحة وسلاسة من النمط التركي الكردي، وليس حتى كالنمط الإيراني – الكردي الذي ما زالت فصوله في مراحلها الأولى ولم تتكشف بعد، بسبب تركيبة القمع الإيراني، فإننا رغم تجاوز مرارات سابقة في العلاقات العربية الكردية، فإن هذه المرارات ذاتها التي تم تجاوزها لا تقارن أبداً بنظيرتها الكردية – التركية، كما أن هناك رصيداً مهماً من التعايش التاريخي وأقليات كردية تعيش في بلدان عربية أخرى بعضها منصهر تماماً كما في مصر، ومن ثم فمن الحكمة للطرفين الحفاظ على علاقات ودية بل السعي لبناء شراكات استراتيجية بين الجانبين، سواء مالت الكفة تجاه الانفصال أو الاستمرار في الدولة العراقية.

ما يجب قوله في النهاية هو أن عمق التفاعل التاريخي العربي الكردي كان يجب أن يفتح المجال لحوار أكثر جدية وصدقية من الجانب الكردي قبل التحرك قدماً نحو خيار الاستقلال، وأن تؤجل هذه الخطوة لما بعد طرد «داعش» والقضاء عليه وفي ظروف طبيعية للدولة العراقية، وربما تؤدي الاعتبارات العديدة إلى تأجيل هذه الخطوة. على أنه في جميع الأحوال يجب أن يبقى الإطار الاستراتيجي الذي يجب الحفاظ عليه وهو ألا تترك كردستان للأطراف الخارجية وتلك المجاورة للعالم العربي، وأن تستمر الجهود الجادة لإيجاد صيغة تستوعب الأكراد في وطن متفتح يسمو فوق الطائفية بكل صورها، أما إذا كان الانفصال المؤلم حاصلاً ولا يمكن منعه فالشراكة البناءة هي أفضل حماية لمصالح الطرفين. وأن يكون العالم العربي دولاً وجامعة عربية حاضراً وشريكاً ومحتضناً هذا الكيان الجديد الذي لا يجب تركه للآخرين.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان