رئيس التحرير: عادل صبري 02:25 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

كوسوفو: حكومة الصوت الواحد تثير إحباطاً في الشارع

كوسوفو: حكومة الصوت الواحد تثير إحباطاً في الشارع

مقالات مختارة

راموش خير الدين رئيس حكومة الصوت الواحد

كوسوفو: حكومة الصوت الواحد تثير إحباطاً في الشارع

محمد م. الأرناؤوط 17 سبتمبر 2017 15:55

في اللغة الألبانية يستخدم تعبير «البازار» بمعنى المساومة، من هنا وصف أحد المحللين المعروفين (لومير عبدي جيكو) الحكومة الجديدة برئاسة راموش خير الدين التي نالت بصعوبة 61 صوتاً في البرلمان الكوسوفي (من أصل 120 مقعداً) بأنها نتاج «بازار سياسي رخيص»، أي إنها نتاج مساومة رخيصة بين الأحزاب لا علاقة لها بالمبادئ والبرامج التي كانت تعلنها. مع هذه النتيجة، تنتقل كوسوفو من أزمة سياسية إلى أخرى، حيث أدّت انتخابات 2014 إلى شلل مؤسساتي وإحباط شعبي وخروج جماعي لعشرات الآلاف من الكوسوفيين إلى الدول الأوروبية، كما أن الإحباط الحالي حرك في الأيام الأخيرة الباصات المغادرة إلى بلغراد ومنها إلى الدول الأوروبية وهي تحمل آلاف الكوسوفيين الذين فقدوا الأمل بالطبقة السياسية الحاكمة.

المقدمات والنتائج

مع حرب 1999 وإرغام صربيا على سحب قواتها من كوسوفو توزعت الغالبية الألبانية بين حزبين بمرجعيتين مختلفتين: «الرابطة الديموقراطية» التي أسّسها الزعيم الكوسوفي إبراهيم روغوفا ومثلت المثقفين وأبناء المدن الذين تبنوا العمل السياسي لأجل استقلال كوسوفو من صربيا الميلوشيفية، والحزب الديموقراطي الذي تأسّس عام 2000 كواجهة سياسية لقادة «جيش تحرير كوسوفو (هاشم ثاتشي وراموش خير الدين وفاتمير ليما وغيرهم) من ذوي الأصول الريفية، ولكن سرعان ما انقسم إلى ثلاثة أحزاب مع الاتهامات المتبادلة بالفساد (الحزب الديموقراطي برئاسة ثاتشي والائتلاف لأجل مستقبل كوسوفو برئاسة خير الدين و «المبادرة لأجل كوسوفو» برئاسة ليما). في غضون ذلك، عاد إلى كوسوفو الملياردير الكوسوفي بهجت باتسولي الذي كوّن ثروة كبيرة في عمله في روسيا خلال عهد يلتسين، ليؤسس حزباً جديداً (الائتلاف لأجل كوسوفو الجديدة).

بقي الحزب الديموقراطي برئاسة روغوفا (الذي أصبح أول رئيس لكوسوفو) حزب الغالبية حتى وفاته في 2006، حيث كانت وفاته لمصلحة الغريم السياسي («الحزب الديموقراطي» برئاسة ثاتشي) الذي فاز لأول مرة بالمركز الأول في انتخابات 2007 وتبنى خطاً متسرعاً لإعلان استقلال كوسوفو في 2008 لزيادة شعبيته. لكن سنوات حكم «الحزب الديموقراطي» اتسمت بتفشي الفساد على كل المستويات، ما خلق جواً عاماً من الإحباط. وفي هذا السياق، جاءت انتخابات صيف 2014 لتبرز تراجعاً في شعبية «الحزب الديموقراطي» وتقدما لمصلحة الائتلاف الذي يقوده الغريم السياسي (الرابطة الديموقراطية). لكن مناورات رئيس «الحزب الديموقراطي» هاشم ثاتشي أفضت إلى انتزاع «الرابطة الديموقراطية» من الائتلاف الذي تقوده وعقد «بازار سياسي» مفاجئ بين الحزبين ينصّ على تسلّم رئيس «الرابطة الديموقراطية» عيسى مصطفى رئاسة الحكومة وتسلّم ثاتشي رئاسة الجمهورية في 2016، وهو ما تمّ بالفعل وسط معارضة صاخبة في البرلمان والشارع. لكن هذا الائتلاف المفاجئ بين الحزبين اللدودين أثار إحباطاً شعبياً من الطبقة السياسية، بعد أن اتهم كل حزب الآخر بأسوأ الاتهامات خلال الحملة الانتخابية، ودفع عشرات الألوف من الكوسوفيين إلى مغادرة بلادهم إلى أي دولة أوربية تقبل بهم.

المشهد الحزين في محطة الباصات في بريشتينا التي تغصّ بالركاب الراغبين في مغادرة بلادهم، يتكرر الآن في ظروف مشابهة مع تزايد الإحباط من الطبقة السياسية. فبعد أن أمّن ثاتشي لنفسه منصب رئيس الجمهورية أوعز إلى أنصاره فضّ الائتلاف مع «الرابطة الديموقراطية» في أيار (مايو) 2017، ما كان يعني سقوط حكومة عيسى مصطفى والدعوة إلى انتخابات مبكرة في 11 حزيران (يونيو) 2017. في غضون ذلك، تمّ الإعلان عن تأسيس وبداية عمل المحكمة الدولية لجرائم الحرب في كوسوفو التي تتخذ من لاهاي مقراً لها وينحصر عملها في التحقق من الاتهامات الموجهة إلى قادة «جيش تحرير كوسوفو» (بمن فيهم ثاتشي) بارتكاب جرائم حرب خلال 1998 - 2000 ضد الصرب ومعارضيهم من الألبان. مع هذا التطور، بادر «قادة الحرب» ورؤساء الأحزاب السياسية الثلاثة (ثاتشي وخير الدين وليما) إلى تشكيل ائتلاف انتخابي اشتهر باسم «ائتلاف الحرب» لكي يضمنوا فوزاً يعطيهم حصانة من المحاكمة. وفي الوقت ذاته، ألّف عيسى مصطفى رئيس «الرابطة الديموقراطية» ائتلافاً مع حزب الملياردير بهجت باتسولي وأحزاب صغيرة، بينما أصر حزب المعارضة (تقرير المصير) الذي يضم الجيل الشاب على خوض الانتخابات لوحده.

جاءت نتائج انتخابات 11 حزيران (يونيو) بمفاجأة كبيرة تمثلت في «عقاب» الشعب الحزبين الرئيسيين في كوسوفو («الحزب الديموقراطي» الذي فاز بنحو 20 في من الأصوات و21 مقعداً فقط في البرلمان (من أصل 120) و «الرابطة الديموقراطية» التي حصلت على مثل ذلك، بينما جاءت المفاجأة الكبرى مع حصول حزب «تقرير المصير» على المركز الأول بـنحو 28 في المئة من الأصوات و32 مقعداً في البرلمان. أما حزب الملياردير بهجت باتسولي (الائتلاف لأجل كوسوفو جديدة) فقد حصل بالكاد على 2,5 في المئة من الأصوات وأربعة مقاعد في البرلمان الجديد.

ملياردير وزيراً للخارجية

ورئيساً لاحقاً للجمهورية

إلا أن هذا التعبير الشعبي عن عقاب الحزبين الرئيسيين بسبب «البازار السياسي» الذي توصلا إليه في 2014 وأنتج أسوأ فترة للفساد لم يكتمل مؤسساتياً بسبب الثغرات في الدستور الكوسوفي ومناورات الرئيس ثاتشي لمصلحة حزبه (الحزب الديموقراطي). فالدستور الكوسوفي وقرار المحكمة الدستورية الذي حاول أن يغطي ثغرات الدستور في 2014 لا يعطيان الحق بتشكيل الحكومة للحزب الذي فاز بأعلى الأصوات ولا للائتلاف الذي يتشكل بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بل للائتلاف الذي تشكّل خلال الحملة الانتخابية وحصل على أعلى الأصوات. ونظراً إلى أن حزب الرئيس ثاتشي (مع أنه شكلياً لم يعد رئيساً له بحكم منصبه رئيساً للجمهورية) لم يحقق مع الائتلاف الذي شكله سوى 39 مقعداً في البرلمان (من أصل 120)، فقد تأخر الرئيس ثاتشي في دعوة البرلمان إلى الانعقاد إلى أن يكتمل «البازار السياسي» مع الأحزاب الصغيرة وعقد صفقات مكشوفة مع نواب لأجل تأمين 61 صوتاً لمصلحة الحكومة الجديدة برئاسة راموش خير الدين.

ومع أن قادة «الحزب الديموقراطي» كانوا يزعمون أن لديهم الغالبية، إلا أنهم عرقلوا انعقاد البرلمان طيلة شهرين (تموز - يوليو وآب - أغسطس) إلى أن نجحوا في «بازار سياسي» مفاجئ بانتزاع حزب الملياردير باتسولى من الائتلاف مع «الرابطة الكوسوفية» على رغم الإذلال الذي تعرض له باتسولي في 2011 من هاشم ثاتشي وحزبه. ففي ذلك الحين، عُقد «بازار سياسي» بين الطرفين التزم فيه حزب باتسولى بالتصويت لثاتشي رئيساً للحكومة على أن يقوم حزب ثاتشي بالتصويت لباتسولي رئيساً للجمهورية. لكن باتسولي لم يبق في هذا المنصب سوى 35 يوماً لأن المحكمة الدستورية حكمت بعدم دستورية انتخابه لأمور إجرائية. أما الفضيحة فكانت لاحقاً في اعتراف رئيس المحكمة الدستورية أنور حساني في لقاء تلفزيوني بأن باتسولي عرض عليه مليون يورو مقابل أن يكون الحكم لمصلحته، وهو ما رفضه حساني.

في مثل هذا «البازار السياسي» المكشوف، أراد باتسولى الانتقام فرفع مطالبه إلى السقف الأعلى مقابل الأصوات الأربعة لحزبه في البرلمان، ففرض على «الحزب الديموقراطي» أن يأخذ أربع وزارات مهمة (وزارة الخارجية لنفسه ووزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد ووزارة التخطيط الحضري) وسبعة نواب وزراء في الحكومة الجديدة، وأن يتم التصويت له رئيساً للجمهورية بعد انتهاء ولاية ثاتشي في 2021. لكن هذا «البازار السياسي» المستفز أدى بأحد نواب حزبه إلى الاستقالة، لذلك حين أجري التصويت على الحكومة الجديدة برئاسة راموش خير الدين في 9 حزيران، ولم تحظ إلا بـ61 صوتاً فقط.

والمفارقة الكبرى أن هذه الحكومة لم تفز بالواقع إلا بفضل أصوات الصرب في البرلمان (10 أصوات) الذين لا يعترفون باستقلال كوسوفو ويصرحون بأنهم يتصرفون بما تمليه عليهم صربيا، لذلك بعد رأوا ما حصل عليه باتسولي دخلوا في «بازار سياسي» آخر حصلوا بموجبه على ثلاث وزارات في الحكومة الجديدة (وزارة الزراعة ووزارة الإدارة المحلية ووزارة عودة المهجرين). ومن الطبيعي أن يحظى ذلك باستنكار المعارضة الديموقراطية في صربيا لأن رئيس الحكومة الجديد راموش خير الدين كان أوقف قبل شهور في فرنسا بموجب أمر اعتقال من الإنتربول الصربي باعتباره مجرم حرب مطلوباً للقضاء الصربي، بينما تُوجِّه الآن بلغراد النواب الصرب في البرلمان الكوسوفي بالتصويت لمصلحته.

ومع الإعلان عن «حكومة الترضيات» كان أطرف تعليق للصحيفة الكوسوفية «زيري» (العدد 9/9/2017) حين قارنت بين حكومة كوسوفو التي تعتبر الأفقر في أوروبا مع أقل من مليوني نسمة، وحكومة الصين التي تمثل الاقتصاد الثاني في العالم مع 1,4 بليون نسمة. فقد تضمنت الحكومة الكوسوفية خمسة نواب للرئيس و21 وزيراً و40 نائب وزير، بينما لا تضم الحكومة الصينية سوى نائب واحد للرئيس و22 وزيراً.

ولا يتوقع المراقبون أن تكون حكومة خير الدين (حكومة الصوت الواحد) قوية ومتماسكة لأنها رهينة الأحزاب الصغيرة التي يمكن أن تبتزها باستمرار، في مواجهة معارضة قوية من حزبين لهما ثقلهما في الشارع والبرلمان (57 مقعداً من أصل 120).

مع هذه «البازارات السياسية»، ليس مستغرباً ازدحام محطة الباصات في بريشتينا بآلاف المحبطين الراغبين في ترك بلادهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان