رئيس التحرير: عادل صبري 08:49 مساءً | الاثنين 16 يوليو 2018 م | 03 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

السلام في آسيا والنمو الاقتصادي... مهددان

السلام في آسيا والنمو الاقتصادي... مهددان

مقالات مختارة

ريتشارد هاس

ريتشارد هاس يكتب

السلام في آسيا والنمو الاقتصادي... مهددان

نقلا عن الحياة اللندنية 06 سبتمبر 2017 17:21

مهما كان مآل برامج كوريا الشمالية الصاروخي والنووي، تمس الحاجة إلى احتساب أثر التحدي المنبثق من البرنامج هذا، في شطر من العالم عمّه السلام في العقود الأخيرة، على خلاف تاريخه المليء بالنزاعات.

وتشير عبارة «المعجزة الآسيوية» إشارة مضمرة إلى فرادة النمو في الخمسين عاماً المنصرمة في عدد من البلدان الآسيوية. فأول اقتصاد في المنطقة أقلع وحلّق هو اقتصاد اليابان - وعلى رغم تباطؤ في العقود الأخيرة وتعدادها السكاني الصغير نسبياً- لا تزال صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في العالم. وليس بروز الصين أقل عظمة: أكثر من ثلاثة عقود من نمو الناتج المحلي نمواً فاق العشرة في المئة، وتربع الاقتصاد الصيني في المنزلة الثانية عالمياً. والهند، وهي على مشارف التربع في مرتبة أكبر بلدان العالم سكانياً، أحرزت، أخيراً، نمواً سنوياً ملفتاً تراوح بين 7 و8 في المئة. وبلغ متوسط النمو في عشر دول من «رابطة دول جنوب شرقي آسيا»، «آسيان»، 5 في المئة في السنوات الأخيرة. ولكن المعجزة الآسيوية الاقتصادية المعاصرة تستند الى معجزة إستراتيجية قلما يتناولها التحليل والنقاش: استقرار السلام والنظام. فمنذ نهاية حرب فيتنام في منتصف السبعينات، برزت آسيا منطقة تخلو من نزاعات كبيرة، سواء كانت نزاعات عابرة للحدود (حدود الدول) أو داخلية- وهذا إنجاز. وعليه، غرّدت هذه المنطقة خارج سرب إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط وحتى أميركا اللاتينية. وهذا استقرار ملفت واستثنائي، في وقت أن آسيا تحتضن عدداً كبيراً من النزاعات غير المندملة التي لم تذلل بعد. وحين انتهت الحرب العالمية الثانية في 1945، لم تبرم روسيا واليابان اتفاق سلام بسبب تنازعهما على جزر الكوريل الجنوبية، التي تعرف باليابان على انها الأراضي الشمالية. وبعد 8 سنوات، انتهت الحرب الكورية من دون اتفاق سلام رسمي، وخرجت شبه الجزيرة منها مقسمة ومدججة بالسلاح.

واليوم، النزاعات الحدودية – والصين طرف فيها كلها- تؤجج التوتر في أصقاع آسيا. واليابان في نزاع مع الصين على جزر سانكاكو في شرق بحر الصين. وأكثر من ستة بلدان آسيوية يعارض مزاعم الصين الحدودية في بحر الصين الجنوبي. والهند والصين في خلاف على حدودهما المشتركة والطويلة في الهيمالايا. وعلى رغم هذه التوترات، عمّ السلام الى حد بعيد آسيا. ويعود السلام هذا، إلى حد ما، الى إجماع مضمر على رفض التفريط بالنمو الاقتصادي من طريق المبادرة إلى نزاع. وهذا المنحى وثيق الصلة بدينغ شياوبينغ ونهجه. فهو قاد عملية اصلاح الصين الاقتصادية، وكان على رأس سيرورة «الإصلاح والانفتاح» منذ أواخر السبعينات الى منتصف التسعينات. وسلط دينغ الضوء على دور الاستقرار الخارجي في تيسير النمو الاقتصادي الداخلي. وكان التعويل على روابط تجارية إقليمية لدعم النمو وتوفير الوظائف، من حوافز صون السلام ورعايته.

ولكن الاقتصاد لم يكن العامل الوحيد وراء السلام في المنطقة. فشطر راجح من دول آسيا تغلب عليه مجتمعات متجانسة هوياتها القومية / الوطنية قوية، واحتمال اندلاع نزاعات أهلية وانتقال عدواها إلى ما وراء الحدود ضعيف. وساهمت المرابطة العسكرية الأميركية في آسيا في تقليص حاجة الدول الآسيوية إلى برامج عسكرية ضخمة، وفي ترسيخ توازن القوى والأمر الواقع الذي يثبط المغامرات المسلحة. وهذه العوامل كلها ساهمت في السلام والاستقرار في آسيا، ولكنها ليست ثابتة أو «تحصيلاً حاصلاً». فهذه الدول اليوم تجبه ضغوطاً متعاظمة تهدد المعجزة الإستراتيجية التي عبّدت الطريق أمام معجزة آسيا الاقتصادية.

ولكن ما الذي تغير؟ بروز الصين الاقتصادي كان جسرها إلى زيادة قدراتها العسكرية. ومع انتهاج الصين، أكثر فأكثر، سياسة خارجية معتدة بنفسها وواثقة- وخير مثل على السياسة هذه خلافها الحدودي مع الهند ومزاعمها الحدودية في بحر الصين الجنوبي- تميل دول الجوار إلى زيادة إنفاقها العسكري. واليوم، يتعاظم احتمال الانزلاق إلى نزاع حين الخلاف أو وقوع حادثة ما. ولكن الولايات المتحدة- وهي القوة الوحيدة القادرة على موازنة الصين- تتراجع عن دورها التقليدي في آسيا. فإدارة دونالد ترامب انسحبت من الشراكة العابرة للهادئ وتواجهت مع حلفاء أميركا حول موازناتهم الدفاعية والخلل التجاري. ولم تعد، أخيراً، سياسة أميركا على نحو ما درجت عليه، وصارت أكثر ارتجالاً وغير متوقعة. وهذا يقوّض الردع ويحمل الحلفاء على تولي شؤونهم الأمنية في معزل عنها.

ولا شك في أن كوريا الشمالية هي الأكثر قدرة على زرع الاضطراب في آسيا، فهي لم تعد فحسب خطراً عسكرياً تقليدياً على كوريا الجنوبية بل صارت خطراً نووياً يهدد آسيا كلها والولايات المتحدة. والخطر هذا قد يحمل على ضربات استباقية أميركية. ولكن إذا امتنعت أميركا عن عمل عسكري، وقعت كارثة: ضربة كورية شمالية. وخطر مثل هذه الضربة، حتى إذا لم تقع، يزعزع الاستقرار، وقد يفاقم قلق حلفاء أميركا، من أمثال جنوب كوريا واليابان، ويحملهم على زيادة الإنفاق العسكري والعودة عن موقفهم الرافض السلاح النووي. والنتائج المترتبة على أي من هذين الاحتمالين، ضربة أميركية أو ضربة كورية شمالية، ضخمة وارتداداتها كبيرة. وإلى الخسائر البشرية، يهدّد مثل هذه السيناريوات الازدهار الاقتصادي ليس في آسيا فحسب، بل في العالم كله. واندلاع نزاع بين أميركا والصين، يسمّم أبرز علاقة في القرن الواحد والعشرين ويطيحها. وثمة أمل. فهذا كله ليس محتّماً. فالوقت سانح أمام الحكومات لالتزام ضبط النفس، والتوسل بالديبلوماسية، والعودة عن سياسات تهدّد الاستقرار. ولكن، من سوء الحظ، أننا نعيش في عصر، القومية فيه انبعثت والقيادات غير مسؤولة والإجراءات السياسية – العسكرية الإقليمية غير مناسبة. وليس مؤكداً أن كفّة الحكمة ستغلب وأن السلام الاستثنائي في آسيا طوال عقود ستقيّض له الحياة.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان