رئيس التحرير: عادل صبري 12:54 مساءً | الاثنين 16 يوليو 2018 م | 03 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

إشعاع الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى

إشعاع الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى

مقالات مختارة

مدينة سمرقند

عبدالعزيز التويجري يكتب

إشعاع الحضارة الإسلامية في آسيا الوسطى

نقلا عن الحياة اللندنية 06 سبتمبر 2017 17:10

شاركت بدعوة من رئاسة جمهورية أوزبكستان، في المؤتمر الدولي حول «نهضة آسيا الوسطى في تاريخ الحضارة العالمية»، الذي عقد في مدينة سمرقند يوم الإثنين 28 آب (أغسطس) الماضي. وقد أعادتني هذه المناسبة إلى تاريخ هذه المنطقة التي هي جزء من العالم الإسلامي، ودفعتني إلى أن أقلّب في صفحات بعض من الكتب التاريخية للمراجعة.

 

وليس من شك في أنَّ الرجوع إلى صفحات التاريخ لاستلهام العبر يؤكد أهمية العمل على تطوير الحاضر، وتجديد البناء للمستقبل المزدهر. ولذلك كان الاهتمام بإحياء الصلة بالتراث الثقافي والعلمي التاريخي، من خلال عقد المؤتمرات والحلقات الدراسية، وإعداد البحوث والدراسات المتخصصة، وتأليف الكتب، من الحوافز المشجّعة على إبراز معالم التاريخ حتى تكون علاماتٍ مضيئةً على الطريق نحو المستقبل. ومن هنا تبرز الأهمية البالغة التي يكتسبها المؤتمرُ الدوليُّ الذي جاء ليؤكد أن جمهورية أوزبكستان قررت، وبإرادتها الحرة، أن تُـحيي أمجادها.

 

إن منطقة آسيا الوسطى التي تُعرف في كتب التاريخ العربية ببلاد ما وراء النهرَيْن: سَـيْـحُون وجَـيْـحُون، هي من المناطق ذات المكانة المتميزة في التاريخ الإنساني، فقد أرجعت الأبحاث الآثارية والمصادر التاريخية تاريخَ آسيا الوسطى إلى ما قبل تسعة آلاف سنة خلت، وأثبتت وجودَ حضارة عظيمة فيها. وقد بدأ الازدهار الحضاري الكبير الذي عرفته منطقة آسيا الوسطى مع الفتح الإسلامي الذي تمَّ على مراحل، كانت أولاها على يد الأحنف بن قيس التميمي سنة 18 هـ (639 م)، ثم تلاه الحكم بن عمرو الغِفَاري سنة 45 هـ (665 م)، ثم عبيد الله بن زياد سنة 54 هـ (673 م)، وهو الذي قطع نهر جَـيْـحُون إلى جبال بخارى. ثم ولَّى معاوية بن أبي سفيان سنة 65 هـ (675 م) على خـراسان سعيـد بن عثمان بن عفان الذي قطع النهر إلى سمرقند. ثم توالت مراحل الوجود الإسلامي في هذه المنطقة، إلى أن جاء قـتيبة بن مسلم الباهلي سنة 86 هـ (705 م) في خلافة الوليد بن عبد الملك، فاستقر الإسلام في هذه المنطقة، وساهمت بقوة في صناعة الحضارة الإسلامية.

 

لقد ازدهرت الحضارة الإسلامية في هذا الجزء من العالم ازدهاراً كبيراً، بحيث كانت مدن : سمرقند، وبخارى، وفرغانة، وطشقند، وقَـزَان، وخُوارِزم، ومرو، وترمذ، ونَـسَـا، وبَـلْـخ، وزمخشر، وفاراب، عواصمَ للثقافة الإسلامية، وحواضرَ للإبداع العلمي والأدبي والثقافي، وهي أسماء تدل على أعلام شوامخ لهم مكانتهم في التاريخ الإنساني بصورة عامة، مثل الخُوارِزمي، والفارابي، وابن سينـا، والجرجاني، والسجستاني، والبيروني، وعمر الخيام، وجلال الدين الرومي.

 

ويكفي أن يكون أصحاب كتـب الصحاح الستة: البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، هم من هذه المنطقة، ومنها أيضاً اثنان من كبار المفسرين للقرآن الكريم، هما الزمخشري صاحبُ «الكشَّاف»، والفخر الرازي صاحبُ «مفاتيح الغيب»، وهما من كتب التفاسير المعتبرة لدى العلماء ومن المراجع المعتمدة في الثقافة الإسلامية في مختلف العصور.

 

كما ازدهر الفكر الإسلامي في تلك المنطقة التاريخية الآسيوية الوسطى، ونشأت المدارس الفكرية التي أسست لعلم الكلام وللعلوم العقلية، وكان من أعلامها الكبار أبو منصور الماتريدي، وسعد الدين التفتازاني، والشريف الجرجاني، وغيرهم.

 

لقد كانت أوزبكستان خلال القرون الماضية، مركز إشعاع حضاري واسع الامتداد، بفضل مساهمات هذه الصفوة من العلماء المسلمين في تطوير الحضارة الإنسانية، وكانت تحتل مكانة متميزة في تاريخ الحضارة العالمية، نظراً إلى ما تشهد لها به أسماء هذه السلسلة من المدن التاريخية المزدهرة التي كانت عواصمَ للمعرفة، وساهمت كثيراً في نشر العلوم والثقافة وتطوير التجارة والحرف اليدوية الراقية، بقدر ما كانت هذه البلاد محطة بارزة على طريق الحرير التاريخية التي كانت حلقةَ وصلٍ للحضارة، وجسوراً لازدهار التجارة العالمية.

 

إن الحضارة الإسلامية مَـدِينَـةٌ لهذه المدن التاريخية التي توجد غالبيتُها في جمهورية أوزبكستان. وإن الثقافة الإسلامية، والعلوم الشرعية بصفة خاصة، قد نمت وأينعت وأثمرت في هذه المنطقة من العالم الإسلامي.

 

ولـئـن كانت هذه الحضارة قـد صارت تراثاً إسلامياً تليداً، فإن إشعاعها لا يزال ممتداً، وسيبقى سارياً كذلك؛ لأن روح الحضارة الإسلامية دائمة التوهج مستمرة الإشعاع. ولذلك فإن المبادرة الرائدة لرئيس جمهورية أوزبكستان، بإنشاء مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث في سمرقند، برعاية منظمة التعاون الإسلامي، لدراسة التراث الثقافي والديني للأسلاف العظماء، هي بكل المقاييس، إنجازٌ حضاريٌّ يُسجل لهذا البلد. فمن شأن هذا المركز أن يكون منارةً للثقافة الإسلامية تشع أنوارها على العالم الإسلامي، وتمتد إلى مختلف الآفاق، فضلاً عن أن هذا المركز سيساهم في نشر الفكر الإسلامي كذلك فإن مبادرة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو- بإنشاء كرسي الإيسيسكو لدراسات الحضارة الإسلامية في جامعة طشقند الإسلامية، التي أعلن عنها في مؤتمر سمرقند، هي الاختيار المناسب في المكان المناسب وفي الزمان المناسب أيضاً. ولذلك فإنني أهنئ جمهورية أوزبكستان بهذا الإنجاز العلمي والأكاديمي المتميّز.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان