رئيس التحرير: عادل صبري 02:14 مساءً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

حالة إنكار

مصطفى زين 02 سبتمبر 2017 15:16

يعيش معظم اللبنانيين حالة إنكار لا مثيل لها. جزء كبير منهم ما زال يعتقد بأن حارسي إسرائيل الضابطين سعد حداد وأنطوان لحد كانا وطنيين. تعاونا مع تل أبيب لطرد المحتل الفلسطيني. وأن جيش الاحتلال انسحب من الجنوب طوعاً، ولم يكن للمقاومة أي دور في ذلك، لا عام 2000 ولا عام 2006. ويعض أصابعه ندماً لأن اتفاق 14 أيار الذي يكرس النفوذ الإسرائيلي سقط.

ما زال هذا الفريق يتطلع إلى أيام «العز» خلال الحرب الأهلية التي راح ضحيتها أكثر من مئتي ألف. لم يسأل أحد عمّن قتلهم ولا كيف قتلوا. ولم يحاسب أي من المسؤولين عن تلك الجرائم. وهذا مفهوم. فأمراء الحرب يتولون السلطة ولن يحاسبوا أنفسهم، حتى أن أحداً منهم لم يعتذر، ولو من باب «النقد الذاتي» أو السعي إلى المصالحة طالما أن الجميع يجلس إلى طاولة واحدة لمناقشة شؤون البلد.

ويمتد الإنكار إلى هذه الأيام. قبل سنوات قليلة، أي عام 2015 وقف وزير الدفاع حينها فايز غصن محذراً من اختراق «داعش» الحدود، وإقامة معسكرات له في قرية اسمها عرسال. كانت السلطة تتجاهل وجودها طوال عهود الاستقلال، فوقف كثيرون بدءاً من رئيس الجمهورية لينكروا تصريحات الوزير ويؤكدوا أن القرية آمنة، وأن تصريحه يخدم الجهة السياسية التي يمثلها في الحكومة، فضلاً عن خدمة النظام السوري الآيل إلى السقوط لا محالة. حتى عندما بدأ «الدواعش» إرسال السيارات المفخخة إلى بيروت، كانوا يجدون من يدافع عنهم، ويستثمر دفاعه سياسياً ليستقطب مؤيدين من طائفته في مواجهة الطائفة الأخرى التي تستهدفها المفخخات.

بعد أن تأكد وجود «داعش» في سلسلة الجبال الشرقية، وراح عناصره يقصفون القرى الحدودية المختلطة لإثارة الفتنة الطائفية، وبعدما أصبح الجيش محرجاً وقرر طرد الإرهابيين من الجرود، ارتفعت أصوات عالية جداً تطالبه بوقف المعركة، حفاظاً على أرواح المدنيين، وبدأ التوسط بينه وبين الإرهابيين الذين خطفوا عدداً من الجنود وغادروا إلى الجبال. بوجود الجنود الأسرى في يد «داعش» لم يعد إنكار وجود التنظيم مجدياً. ولم يعد بالإمكان الدفاع عن التنظيم المصنف إرهابياً. صارت السلطة أسيرة المواقف الدولية المتناقضة. وصار الهجوم على الإرهابيين خاضعاً لحسابات إقليمية، معظمها ضد المصالح الوطنية ومصالح أهل المنطقة الواقعة تحت رحمة التنظيم الذي تعاظمت قوته. فعاد المسؤولون إلى تجاهل المسألة، إلى أن فاجأهم «حزب الله» بالهجوم على مواقع التنظيم، والاتفاق معه على الانسحاب مقابل إطلاق أسرى ومعرفة مصير الجنود الأسرى، فلم يكن أمام الجيش سوى الانخراط في المعركة، وسط خلافات على التنسيق مع الحزب والجيش السوري. وهذا من باب النكايات السياسية والانفصال عن الواقع، بقدر ما هي مكابرة على الذات وعلى الآخر. حالة الإنكار والانفصال عن الواقع دفعت اللبنانيين إلى تحديد موعدين للتحرير. موعد حدده الجيش، وآخر أطلق عليه «حزب الله» اسم عيد التحرير الثاني، آخذاً في الاعتبار التحرير الأول أي انسحاب إسرائيل من الجنوب.

الطريف والمؤلم أن حالة الإنكار لا تقتصر على القضايا الكبرى، بل تتعدى ذلك إلى الحياة اليومية. خذ القمامة مثلاً. يمر المسؤول اللبناني أمام الحاويات التي تملأ الشوارع بمنظرها الكريه ورائحتها التي تفوح في المكان وتدخل البيوت، فيدير وجهه إلى الجهة الأخرى، ولا يفكر في كيفية التخلص منها، بل كيف يستفيد مالياً من بيعها إلى الخارج، أو تأسيس شركة تدر عليه وعلى أنصاره الأرباح. أو خذ الكهرباء. تصرف الحكومة مئات ملايين الدولارات لاستئجار بواخر من تركيا، ولا تفكر في بناء معمل. تشتري الطاقة من سورية المدمرة ولا تسأل لماذا. يذهب وزراء إلى سورية لحضور معرض دمشق الدولي بدعوة رسمية من الحكومة السورية، ويخرج مجلس الوزراء بفتوى مفادها أنهم ذهبوا بصفتهم الشخصية. يختلفون معهم على الموقف من النظام، ثم يجلسون إلى طاولة واحدة لتقاسم الحصص.

حالة الإنكار اللبنانية قمامة.

ــــــــــ

نقلا عن الحياة

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان