رئيس التحرير: عادل صبري 03:54 مساءً | الخميس 19 يوليو 2018 م | 06 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الرياضة والعلاقات بين الشعوب العربية

الرياضة والعلاقات بين الشعوب العربية

مقالات مختارة

البطولة العربية

الرياضة والعلاقات بين الشعوب العربية

وليد محمود عبد الناصر 24 أغسطس 2017 20:12

من المفترض في الرياضة، بمختلف أنواعها وبما يندرج تحتها من فروع، أنها إحدى أدوات الترفيه للبشر، إضافة إلى كونها أساساً وسيلة لبناء القوة البدنية ولتحقيق التوازن بين البناء البدني والنفسي والذهني للإنسان.

 

ولكن من وظائف الرياضة المتفق عليها عالمياً أيضاً أنه يتم استخدام الرياضة في سبيل العمل من أجل تحقيق التقارب بين الشعوب والأمم ولعب دور الجسر لتعزيز التفاهم بين دول مختلفة، قد تنتمي إلى ثقافات وقارات متباينة وقد تكون ذات خلفيات عقائدية أو مرجعيات فكرية متعددة.

 

وكان هذا التصور هو الدافع لنشأة وتطور الفكرة «الأولمبية» في اليونان القديمة وفي سياق حضارتها الإغريقية، كما استمر في أن يكون الدافع لاعتبار «الأخلاق الرياضية» هي الأخلاق المثالية التي يجب أن يكون الوصول إليها هو الغاية على صعيد العالم بأسره، خصوصاً الشباب.

 

ونتذكر جميعاً «ديبلوماسية كرة الطاولة» التي مثلت بدايات تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، في مطلع عقد السبعينات من القرن العشرين، وهو ما مهد لزيارة الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون إلى بكين لاحقاً.

 

كما شاهدنا في السنوات الماضية، وعلى مدار أكثر من عقدين من الزمان، استخدام الرياضة كأحد مداخل تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، وهو ما بدأ مبكراً في عهد الرئيس الأميركي الديموقراطي الأسبق بيل كلينتون في التسعينات من القرن العشرين، وتراجع لبعض الوقت خلال عهد خلفه الرئيس الجمهوري الأسبق جورج دبليو بوش ثم عاد إلى الواجهة في عهد الرئيس الأميركي الديموقراطي السابق باراك أوباما واكتسب قوة دفع مهدت لتطبيع العلاقات بين الدولتين ولزيارة أوباما هافانا.

 

إلا أنه على الجانب الآخر، علينا ألا نتناسى أن الرياضة، عبر التوظيف المغرض لها في بعض الحالات، كانت عاملاً سلبياً في العلاقات بين العديد من الشعوب والدول، ولعبت أحياناً دوراً في إثارة العداء بما أدى في أمثلة معينة إلى أن تستعر نار البغضاء وأن تنشأ وتتضاعف مشاعر الكراهية والعداء، ووصل بالأمر في حالات يسجلها لنا التاريخ المعاصر إلى حد اندلاع الحروب، كما حصل بين جمهوريتي السلفادور وهندوراس في أميركا اللاتينية، على خلفية مباراة كرة قدم.

 

كذلك تم توظيف الرياضة كغطاء للبناء للحرب والتمهيد للعدوان على شعوب أخرى، وربما الحالة الأشهر في التاريخ الحديث هي حالة أولمبياد برلين عام 1936 وتوظيف أدولف هتلر لانعقادها ولنجاحها في الترويج لأيديولوجيته النازية وللدفع بصورة ألمانيا العظمى آنذاك، وللتمهيد لسلسلة من الغزوات التي قام بها لاحقاً من وسط وشرق أوروبا ثم غرب أوروبا لتعلن عن بدايات الحرب العالمية الثانية.

 

ومن دون أن نذهب بعيداً في التاريخ، نستحضر أيضاً التنافس بين الكتلة السوفياتية والكتلة الغربية على مدار عقود خلال الحرب الباردة، في مجال الرياضات المختلفة، خصوصاً في الدورات الأولمبية المتتالية، على حصد الميداليات، وهو ما كان يتم توظيفه لأغراض الترويج للنموذج الذي يمثله كل معسكر، ليس فقط في صفوف المعسكر الآخر، بل على المستوى العالمي ككل، وانعكس ذلك على حجم الحوافز التي كانت تقدمها دول المعسكرين للرياضيين من مواطنيها باعتبارهم أحد مصادر القوة الناعمة المهمة لدول المعسكرين وللتوجه العقائدي والنموذج الذي يمثله كل منها.

 

ينقلنا ما سبق إلى المنطقة العربية التي عرفت بدورها الرياضة وممارساتها وأخلاقياتها في مراحل مبكرة من تاريخها، وحدث ذلك في البلدان العربية التي نشأت وتطورت على أراضيها حضارات إنسانية قديمة، وهو ما تشهد به رسوم على جدران المعابد في تلك البلدان، سواء الحضارة الفرعونية في مصر، أو الحضارتين الآشورية والبابلية في العراق، أو الحضارة الفينيقية في لبنان وتونس، أو غيرها من حضارات المنطقة العربية قديماً، وذلك بالمقدار نفسه الذي جرى به الاهتمام بها في شبه الجزيرة العربية، سواء قبل الإسلام، في اليمن والحجاز وغيرهما، أو بعده، وتضمن ذلك العديد من الرياضات منها ركوب الخيل والرماية والسباحة.

 

وتأتي مناسبة هذا الحديث عن دور الرياضة بين الشعوب العربية على خلفية النسخة الأخيرة من الدورة العربية لأندية أبطال كرة القدم، والتي استضافتها القاهرة والإسكندرية وبرج العرب المصرية واختتمت أخيراً، وما صاحب مباراتها النهائية وتلاها من أحداث أثارت لأيام تلت، ولا تزال، الكثير من اللغط الذي انعكس على العلاقات بين أكثر من شعب عربي، وربما لا تزال ظلالها تطل بين لحظة وأخرى. كما كشفت هذه الأحداث عن بعض المرارات الدفينة والمتراكمة بين بعض الشعوب العربية على خلفية أحداث رياضية أو غير رياضية موروثة من مراحل تاريخية سابقة، وعمقت بعض هذه المرارات من جهة أخرى.

 

وللأمانة التاريخية، فإن تلك الحالة لم تكن الأولى في سياق الانعكاسات السلبية للمنافسات الرياضية على العلاقات بين الشعوب العربية. فنتذكر جميعاً على سبيل المثال ما حدث من توتر في علاقات الشعبين المصري والجزائري في أعقاب مباريات منتخبي البلدين في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عام 2010، والدور السلبي الذي لعبه الإعلام، خصوصاً الرياضي، كما توجد حالة أخرى لا تقل شهرة وإن كانت أقدم بنحو ثلاثة عقود، وهي أحداث دورة ألعاب البحر المتوسط التي استضافتها الجزائر عام 1980 وما شهدته من أحداث مؤسفة في بعض المنافسات بين فرق مصرية وفرق من دول عربية أخرى، وهي الدورة التي أجريت بعد أشهر من توقيع معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية في 26 آذار (مارس) 1979، وما خلفته من آثار سلبية على العلاقات بين مصر والعديد من الدول العربية آنذاك.

 

إلا أن المهمة الأساسية المنوطة بالأجهزة المسؤولة عن الرياضة واللجان الأولمبية ومجالس إدارات الأندية الرياضية في مختلف الدول العربية، والمسؤولين عن الإعلام عامة، والإعلام الرياضي خصوصاً، هي العمل على تصفية ما في النفوس من رواسب، والعمل في شكل منهجي ومدروس، وبالتنسيق بين الأجهزة الرسمية والرياضية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، لبناء حالة متقدمة من الوعي لدى مواطني البلدان العربية في شأن دور الرياضة في التقريب بين الشعوب، التي يفترض أن ما يربط بينها هو أكثر مما يربط بلداناً في مناطق أخرى في العالم، نجحت في تجاوز عوامل التوتر الناتجة من منافسات رياضية، وتخطت أحداث الشغب في الملاعب، وصولاً إلى استخدام المناسبات الرياضية، بغرض تحويلها إلى مناسبات احتفالية تعزز التواصل بين الشعوب، وتركز على ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة، وهو ما يتبدى في الحالة العربية عبر إبراز أرضية أوسع من المساحة المشتركة تاريخياً ولغوياً وثقافياً وحضارياً.

 

إن ما سبق ليس سهلاً، ولن يتحقق بين عشية وضحاها، أو من خلال الاكتفاء بتصريحات وبيانات تحمل الكثير من النوايا والأمنيات الطيبة، ولكنها تذهب غالباً أدراج الرياح إذا لم يتم العمل بجدية وتنسيق عربي- عربي لترجمتها إلى واقع وتحويل الكلمات التي ترد في البيانات إلى برامج عمل وسياسات فعالة بما يضمن لها النجاح في تحقيق نتائج ملموسة تضمن أن يكون التنافس الرياضي العربي مدعاةً لتعميق الروابط وتعزيز التفاهم بين الشعوب العربية بصفة عامة، وبين الشباب في مختلف الدول العربية على وجه الخصوص.

 

نقلًا عن "الحياة"

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان