رئيس التحرير: عادل صبري 01:34 مساءً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
التجـارة الحـرام

مقالات مختارة

عبد الناصر سلامة

عبد الناصر سلامة يكتب

التجـارة الحـرام

نقلا عن المصري اليوم 23 أغسطس 2017 21:30

رائد زراعة الكلى الدكتور محمد غنيم استخدم تعبيراً صادماً فى حديثه الأخير بـ«المصرى اليوم»، حين إعلانه عن أن تجارة الأعضاء البشرية أصبحت منتشرة فى مصر، فقال: لا أحد يجرؤ على الاقتراب من هذه التجارة، بسبب قوة الأشخاص الذين يعملون بها!!، وفى حديث سابق قال: إن المعامل والمستشفيات التى تعمل فى هذا المجال معروفة لوزارة الصحة، ولكن هناك ضغطاً!!، على حد قوله، وفى هذا الصدد طرح تصوراً يتعلق بكيفية التعامل مع هذه القضية من خلال اعتبار الموت الإكلينيكى «موتاً رسمياً»، حتى يمكن الاستفادة من الأعضاء قبل تلفها، ومحذراً من استمرار تدنى الخدمات الصحية، وتدنى التعليم الطبى، إلى غير ذلك مما هو متعلق بقضايا الطب عموماً.

 

ما يعنينا هنا ثلاثة تأكيدات وردت على لسان الدكتور غنيم: (الأول: أن تجارة الأعضاء البشرية منتشرة فى مصر، والثانى: أن المعامل والمستشفيات التى تتاجر معروفة لوزارة الصحة، الثالث: أن أحداً لا يجرؤ على الاقتراب منها)، لنا أن نتخيل بعد ذلك أننا نعيش فى دولة أو حتى شبه دولة، لنا أن نتصور أننا مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات، لنا أن نعتقد أن لدينا منظومة صحية أو علاجية من أى نوع، لنا أن نتوهم أن هناك أفقاً لمستقبل أفضل من قريب أو بعيد.

 

فى البداية لابد من التأكيد على أن هذه التجارة أفرزها الفقر المدقع فى المقام الأول، ذلك أن أحداً ميسور الحال لن يقدم على بيع قطعة من جسده لأى سبب من الأسباب، ولابد من التأكيد على أن من أقدم على هذه الفعلة قد طرق كل أبواب الرزق الحلال فلم يجد، ولابد من التأكيد على أن الجوع والإنفاق على الأبناء، والحاجة إلى المال لعلاج أحد أفراد الأسرة، وسترة البنات، أو بمعنى أوضح الإنفاق على تزويجهن، هى أهم أسباب اللجوء إلى مثل هذا الطريق، كما هو واضح من معظم الحالات التى تم الكشف عنها خلال السنوات الأخيرة.

هى إذن أزمة فقر بالدرجة الأولى، تحولت إلى قهر للشخصية المصرية، وللأسرة المصرية بصفة عامة، تحت سمع وبصر الدولة، فى الوقت الذى ارتضى فيه البعض لأنفسهم، من الأطباء وغيرهم من ذوى النفوس الضعيفة، أن يتربحوا من هذه التجارة العفنة، وأن يثروا ثراءً فاحشاً فى غياب القانون، وفى غياب الضمير، وفى غياب الدين، ورغم أن مثل هذه التحذيرات ليست الأولى من نوعها إلا أن ذلك لم يُحرّك ساكناً، لا على المستوى السياسى، ولا السيادى، ولا الطبى، ولا القانونى، ولا حتى المجتمعى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

 

وفيما يبدو أن الضربة التى وجهتها هيئة الرقابة الإدارية إلى مافيا هذه التجارة من خلال الإعلان عن قضية تورط فيها نحو ٤١ شخصاً، من بينهم أطباء من أساتذة كليات الطب المختلفة، كانت مجرد نقطة فى بحر لجى متلاطم الأمواج، يحتاج إلى إرادة حقيقية فى المواجهة، وليس مجرد الكشف عن حالات بعينها، كقضايا المخدرات أو السلاح، التى يتم التعامل مع واحدة منها والتغاضى عن البقية الباقية فى إطار المواءمة بين التجار بعضهم البعض، نزولاً على ترضية من هنا أو تفاهمات من هناك.

 

طالعنا أخيراً أحد الصحفيين الألمان الذين اخترقوا هذه المافيا فى مصر، وكشف عن تورط مستشفيات شهيرة فى هذه التجارة، كاشفاً فى الوقت نفسه أن لاجئين أفارقة أصبحوا سماسرة ومتبرعين، ليس ذلك فقط، بل إن هناك عصابات تحتجز بعض الأشخاص بالقوة وتستولى على أعضائهم دون مقابل، حتى إنه لم تمنع إصابة بعضهم بأمراض خطيرة مثل الإيدز من سرقة بعض أعضائهم وزراعتها لآخرين، أيضاً صحيفة «تايمز» البريطانية قالت إن الطلب المتزايد على شراء الكلى فى العالم جعل سعرها يصل إلى ١٠٠ ألف جنيه إسترلينى، إلا أنه ينخفض كثيراً فى مصر، حيث يتلقى بائع الكلى أحياناً مبلغاً يوازى ٢٠٠٠ دولار، بينما يدفع المشترى نحو ٢٠ ألف دولار، ويذهب بقية المبلغ للوسطاء والأطباء.

 

كل التقارير الدولية تؤكد أن مصر تتصدر دول الشرق الأوسط وأفريقيا، والمركز الثالث عالمياً، فى هذه التجارة التى أساءت إلى سمعة الدولة على كل الأصعدة، على الرغم من القيود الكبيرة التى يضعها القانون حتى على عمليات التبرع، وفقاً لقانون «تنظيم زراعة الأعضاء البشرية» الصادر عام ٢٠١٠، والذى يمنع التبرع إلا بين الأقارب من المصريين، أو بموافقة لجنة خاصة من وزارة الصحة، إلا أن ذلك لم يمنع تلك الصدارة المصرية فى هذا المجال، كغيرها من الصدارات فى مجالات كثيرة مشابهة، وهو ما يتطلب التعامل مع تصريح الدكتور غنيم بجدية، وذلك بالإعلان فوراً عن كل معامل ومستشفيات ومافيا هذه التجارة دون تستر من أى نوع، وكفانا تلك الأعداد الهائلة من المواطنين الذين أصبحوا بلا كلى، أو بلا قرنية!!.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان