رئيس التحرير: عادل صبري 08:25 صباحاً | السبت 21 يوليو 2018 م | 08 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

صيف "التصفية الجسدية" في مصر.. هل القادم أخطر؟

منى سليم تكتب

صيف "التصفية الجسدية" في مصر.. هل القادم أخطر؟

مني سليم 20 أغسطس 2017 18:36

الإرهاب يستبيح كل شيء.. ولكن، هل يحق لمن يواجهه فعل الأمر عينه؟ السؤال مطروح ولكن من يُجيب عليه؟ فصوت الرصاص والانفجارات يطغى، وصور الدم تحتلّ المشهد.
هكذا كانت الصورة على مدار شهر تموز/ يوليو تحديداً، حيث تزايدت عمليات القتل التي وصفتها وزارة الداخلية المصرية بـ"العمليات النوعيّة الناجحة" ضد معاقل الإرهابيين. إعلان يكرّر المرادفات والأوصاف نفسها: تحرّكت القوات إثر تحريّات مؤكدة باتجاه وكر للإرهابيين في منطقة كذا، وقد بادرتهم تلك الجماعات بإطلاق النار، فتمّ التعامل مع أفرادها، ما أدّى إلى مقتلهم جميعاً.
بيانات تحرص على توفير التغطية القانونيّة للواقعة، من قبيل أن القوات كان لديها تصريح بالاقتحام من نيابة أمن الدولة العليا. ولكن، وعلى الرغم من هذا، خرجت من بين طيّات تلك السطور معطيات لا يمكن تجاهلها. فقد نشرت "الداخلية" صور الشباب وأسماؤهم، وسريعاً ما اتضح أنهم كانوا في عداد المختفين قسريّاً، بينما هناك دلائل عديدة تؤكد أنهم كانوا بحوزة الأجهزة الأمنية.
وهذا يبيح اعتبار أن حالات الاختفاء، ثمّ التصفية، تتحول إلى ظاهرة في مصر، على غرار ما شهدته الأرجنتين في فترة سبعينات القرن الفائت. وفي الوقت نفسه، يتزايد عنف الضربات الإرهابية التي تصطاد الأرواح في كل محافظات مصر، لا في سيناء وحدها.

حصر تقرير حديث صدر بداية شهر آب/ أغسطس 2017، لـ"مركز النديم الحقوقي لمناهضة التعذيب"، تلك الحالات بـ196 حالة في شهر تموز/ يوليو الذي سبقه وحده.
وهذه هي الأرقام والوجوه والأماكن.

 

الأرقام

 

لا خلاف على الأرقام، والسبب أن وزارة الداخلية هي نفسها من يسارع إلى الإعلان عنها. فعلى سبيل المثال، أعلنت الداخلية عن نجاحها في تصفية 32 إرهابيّاً ينتمون لحركة "حسم" والجماعات التكفيرية في خمس محافظات خلال الأسبوع الثاني من شهر تموز/ يوليو.


تعليقاً على هذا، كتب الباحث الحقوقي في ملف الاختفاء القسري، نور خليل، على صفحته "خلال العشرة أيام الأخيرة، 54 حالة تصفية جسدية، أكثر من 45 منهم تمّ من قبل الإبلاغ عن القبض عليهم واختفاءهم واتخذت أسرهم الاجراءات القانونية التي تُثبت ذلك، إلى أن فوجئوا، مثلهم مثل أي شخص، بأن ابنهم قتل. ثم خاضوا مرحلة استلام الجثة التي قد تصل لأسبوعين، ومن استطاع منهم أن يصور الجثث قبل دفنها كشف عن آثار تعذيب شديد عليها، رغم أن بعضها لم تزد مدة اختفائه عن خمسة أيام. لم يتم التحقيق في أي بلاغ تقدم به الأهالي عن الاختفاء، وبالطبع لم يحقق في عمليات التصفية، وهو ما يعتبر مشاركة من النيابة وتستراً على الجريمة بإعطائها غطاء قانونياً للقمع ولتحويل الضحية لجاني".

 

ثمّ يوضح: "الأجهزة الأمنية توقفت عن سياسة الاعتقال والاحتجاز بدون وجه حقّ، وانتقلت لعمليات الاختفاء القسري كمرحلة أوليّة تستطيع معها رفع الحماية القانونية عن المختفي. وتستطيع أن تعرضه لتعذيب مرعب للحصول على معلومات أو لإجباره على الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، ومن يَمُتْ يضاف الى سواه ويتمّ إلقاؤهم في أي مكان في الصحراء، ويًقال إنهم مجموعة ارهابية وكانوا مطلوبين في إحدى القضايا المفتوحة من نيابة أمن الدولة العليا".


ولكن ماذا عن الجثث التي ظلّت مجرد أرقام داخل البيانات الرسمية، من دون ذكر أي معلومات عنها؟ متى يخرج أهلهم للتحدث عنهم؟ هل تمكنوا من الاستدلال عليهم بزيارة المشارح أو المستشفيات التي أودعت وزارة الداخلية الجثث فيها، أم دفنوا في التراب كجثث مجهولة، بينما ذويهم ما زالوا يبحثون عن مصيرهم؟

 

الوجوه

 

نبدأ الوجوه بوجه لا زال على قيد الحياة، أو هكذا يتمنى الجميع. تقول اخته "سمية" على حسابها الخاص على موقع "فايسبوك": "انا عارفة اني المفروض مسألش السؤال دا علشان أمي وأخواتي. وعارفة إن ربنا يستر إن شاء الله ويجيب الاقدار والعواقب بخير.. بس لما اعرف إن فيه 4 جثث "مجهولين" لسه واصلين "مشرحة زينهم" النهار ده لاشخاص من سن 19 لـ22، المفروض اعمل ايه؟ اعمل ايه واخويا بقاله 21 يوم مختفي! وانه محتجز في الشيخ زايد بس همّا بينكروا وجوده؟".


- أحمد صبري عاطف، من مواليد العام 1997، طالب كلية تجارة، جامعة القاهرة. اعتُقل من المنزل فجر يوم الخامس من شهر تموز/ يوليو الماضي من دون إبراز أمر نيابة، ومن دون إعلام أهله بالمكان الذي يتم اقتياده إليه. أليس هذا الوجه، وفى ظل ما يتمّ من تصفيات، مُعرّضاً لأن يحتل مكاناً داخل بيانات جديدة للموت؟

 

- عمر عادل عبد الباقي، طالب من  مواليد العام 1997، مركز بلبيس الشرقي، ينتمى لأسرة تنظيمية بجماعة الإخوان المسلمين. تمّ القبض عليه في إحدى المظاهرات قبل عام، ثمّ أُخليَ سبيله بعد شهرين، عاش خلالها مع أسرته ولمع اسمه كمدرب لفريق أشبال كرة القدم. وحسب رواية أهله، فقد تمّ القبض عليه من منزله يوم 13 تموز/ يوليو، من دون إعلامهم عن مكان احتجازه. جاءتهم الإجابة عبر نشر جريدة "البوابة" لخبر بعنوان: "ضبط طالب إخواني هارب من 10 سنوات سجن بالشرقية". وذكرت الجريدة: "ألقت مباحث مديرية أمن الشرقية بالتنسيق مع ضباط جهاز الأمن الوطني، اليوم السبت، القبض على شاب ينتمي لتنظيم جماعة الإخوان الإرهابية في قرية سلمنت التابعة لمركز ومدينة بلبيس يدعى "عمر عادل عبد الباقي"، 23 عاماً، طالب، ومحكوم عليه بالسجن 10 سنوات عسكرياً"، بتهمة التظاهر دون تصريح والتحريض على أعمال الشغب والعنف والمشاركة فيها وزعزعة أمن واستقرار البلاد، وجار تطوير مناقشة المتهم المذكور للوقوف على حجم نشاطه الإرهابي، وتحرر عن ذلك المحضر اللازم وتولت النيابة العامة التحقيق".

علّق الباحث نور خليل بالقول: "بناء على هذا الخبر فعُمر كان بحوزة رجال المباحث والأمن الوطني وسبب احتجازه هو الحكم عليه غيابياً بعشر سنوات، وفي هذه الحالة يتمّ إجراء معارضة قانونية على الحكم الغيابي. لكن الخبر تحدث عن عرض عمر على النيابة لمناقشة نشاطه الارهابي وهذا يعني أننا أمام قضية جديدة".
مرت عشرة أيّام. وفي 23 تموز/ يوليو 2017 أصدرت وزارة الداخلية بياناً جاء فيه أنها اشتبكت مع مجموعة مسلحة تابعة لحركة "حسم" الاخوانية في صحراء سنورس في الفيوم وأسفر الاشتباك عن قتل ثمانية من أعضاء الحركة، والعثور بحوزتهم علي مجموعة من الأسلحة، وفور الاقتراب منهم سارعوا إلى إطلاق النيران فتمّ التعامل معهم وقتلهم جميعاً. وذُيل البيان بأسماء القتلى وعلى رأسهم عمر.

 

الأماكن

 

للأماكن دلالتها، ومن خلالها تبزغ ملامح جديدة للصورة المُحاطة بالأسئلة. فقد تنوعت بيانات وزارة الداخلية طوال هذا الشهر، إلا أنّ أماكن محددة تكرّر ذكرها، وتمّ تسليط الضوء عليها بقوة مثل الظهير الصحراوي لمركز سنورس بالفيوم، ومثيله بأسيوط، ثم عودة إلى الامتداد الصحراوي لمدينة 6 اكتوبر.


المشترك بين هذه المناطق جميعاً هي اللاحدود واللاملامح، حيث هي صورة مكررة يتمّ رسمها لمعسكرات تدريب وسط الصحراء، وضبط كمية كبيرة من الأسلحة داخل الخيم المنصوبة.. ومن ثمّ تأتي صور القتلى في الصحراء وهي لا توحي بشيء محدد، بينما حالات كاشفة مثل قصة عمر عادل تقول بوضوح إنه يمكن نقل جثة من محافظة الشرقية إلى صحراء الفيوم والتقاط صورة لها هناك تحت أشعة الشمس.

 

ومن الجيزة والصعيد إلى الاسماعيلية شرق القناة، حيث أعلنت الداخلية في 8 تموز/ يوليو الماضي عن تصفية 14 شابّاً في منطقة على أطراف المدينة، تشتهر بكونها ملجأ للفارين من القانون لطبيعتها الزراعية، حيث تنتشر الأشجار الكثيفة والمزارع المهجورة وبرك صيد البط. أما سكّانها فأغلبهم من البدو، وهي المناطق التي لم تلتقط قوات الأمن صوراً للعمليات داخلها مما أتاح التشكيك في حقيقة ما جرى.


انتهت رحلتنا داخل تلك البيانات المعجونة بالدم وبالمظالم، بينما يبقى الخوف من الإرهاب معشّشاً داخل القلوب، من دون أي ضمانة في أن تكون أنتَ أو أحد ذويك ضحيّة بيان جديد أو ضحية تفجير إرهابي.

 

-- 

نقلا عن موقع "السفير العربي" الإلكتروني

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان