رئيس التحرير: عادل صبري 03:11 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

غولن وحركته.. من أين أتى الداعية التركيّ وإلى أين يذهب؟

غولن وحركته.. من أين أتى الداعية التركيّ وإلى أين يذهب؟

مقالات مختارة

فتح الله غولن

غولن وحركته.. من أين أتى الداعية التركيّ وإلى أين يذهب؟

يتراءى في سيرة فتح الله غولن أنّ هذا الداعية التركيّ تشبّع بكتابات خرافيّة ألّفها إسلاميّون عن الماسونيّة. ولأنّه صدّقها بطبيعة الحال، قلّد الخرافة وبنى حركته على غرارها، فجاءت حركةً «واقعيّة» جدّاً.

 

فإمبراطورّيته التي باشرت ظهورها أواخر الستينات، تمدّدت إلى 120 بلداً. ووفقاً لكارولين تي في كتابها (أطروحتها بالأصل) «حركة غولن في تركيّا– سياسات الإسلام والحداثة»، ليس الإيمان الذي يلعب دوره الكبير في حياة الغولنيّين، محطّ التركيز الأهمّ لنشاطهم. فأوّلاً يأتي التعليم، حيث ترعى الحركة شبكة مدارس وجامعات كونيّة، وهناك حضورها اللافت في دوائر اشتغال المجتمع المدنيّ، بما فيها الحوار الثقافيّ والدينيّ والبيزنس والإعلام والصحّة وأعمال البرّ.

 

ويلاحظ الكتاب الصادر عن «أي بي تاورس» عشيّة المحاولة الانقلابيّة الصيف الماضي (استدركته مؤلّفته بملحق)، أنّ الحركة باتت تمتلك نفوذاً ضخماً وثروة تُقدّر بعشرات بلايين الدولارات.

 

سعيد نورسي

البداية لا تبدأ بغولن. بطلها سعيد نورسي، الكاتب الكرديّ الأصل الذي عاش بين 1877 و1960، ولقّبه أتباعه بـ «بديع الزمان»، كما رسموه «مجدّداً» دينيّاً.

 

وهو فعلاً كان شديد الاهتمام بالتجديد، ما جعله ناقداً لـ «التقليد» في الفكر الإسلاميّ، محاولاً تشجيع أتباعه على إيمان يرتكز إلى «التفكير والقناعة». هكذا تحمّس للتعليم الشعبيّ الذي يحفّز الورع فيما يوسّع «المعرفة العلميّة».

 

نورسي ولد في السنوات الأخيرة من عمر السلطنة، في قرية نورس، جنوب شرقي الأناضول. جيله شهد الانهيار العثمانيّ، وانشغل أفراده ببعث الدين في الحياة العامّة. وهو لم يتورّط عميقاً في السياسة، لكنّه، مع هذا، قضى عقوده الأخيرة بين السجن والإقامة الجبريّة عقاباً على «مناهضَة للعلمانيّة» اتُّهم بها.

 

وبدورها تميّزت النورسيّة عن حركات غير تركيّة شاركتها مسائلها، من العبدويّة إلى القطبيّة، بغياب المعاداة للغرب مقابل تركيزها على التحدّي الداخليّ. ذاك أنّ تركيّا هزمت الاحتلالات الأوروبيّة، فيما «تنظيمات» القرن التاسع عشر، هي ما أدخل الإصلاحات «التغريبيّة» إليها. هكذا صدر التحدّي عن عمليّة داخليّة توّجها لاحقاً أتاتورك.

 

على أنّ نورسي عرف مرحلتي تسيّس بسيطتين. فبعد ثورة 1908 الدستوريّة، تعاطف مع «تركيّا الفتاة» بسبب الحرّيّات التي أتاحتها. لكنّه تعاطفٌ لم يُبن عليه الكثير، مخلّفاً لديه يأساً تجاوز السلطة إلى السياسة. فهي، عنده، لم تعد المدخل الصالح لحلّ المشكلة الثقافيّة، وهو، في 1922، تعرّض لـ «صحوة روحيّة تلت أزمة شخصيّة». وفي السنوات التالية ابتعد كلّيّاً عن النشاط السياسيّ، واجداً في الله «ملجأه من الشيطان ومن السياسة». وإذ أكّد على أولويّة القرآن مرجعاً للمعرفة، شرع يشدّد، أمام جمهور أناضوليّ ذي أغلبيّة ريفيّة، على «الشخصيّ» بدل «السياسيّ»، وعلى أهميّة الورع.

 

لقد تزامن تركه النشاط السياسيّ مع تعاظم الهيمنة المعقودة للعلمانيّة. لهذا جادل بأنّ في وسع التقوى أن تظهر وتمتدّ بمعزل عن النظام الاجتماعيّ والسياسيّ. ذاك أنّها شأن فرديّ يُبنى على قناعة المؤمن.

 

في 1950 كان تورّطه الثاني، مع فوز «الحزب الديموقراطيّ» لعدنان مندريس في أوّل انتخابات تعدّديّة تركيّة، وهو الحدث الذي ابتدأ عودة الموضوعات الإسلاميّة تدريجاً إلى الحياة العامّة.

 

كذلك ابتعد نورسي عن مؤسّسة كبرى شديدة التأثير في التاريخ الاجتماعيّ الإسلاميّ، هي الأخويّة الصوفيّة، من دون أن يطلّق الصوفيّة. فتأثيراتها بدت عليه منذ طفولته: أبوه وبعض أقاربه كانوا نقشبنديّين، والنقشبنديّة كانت بالغة النفوذ في منطقته. آنذاك درس على مشايخ نقشبنديّين وآخرين قادريّين، لكنّه لم ينتسب إلى أيّ من الطريقتين. فهو رأى أنّ المطلوب أوّلاً استعادة الإيمان وطقوسه التي يتهدّدها الإهمال والممارسات الخاطئة. بهذا فالسعي وراء المعرفة الصوفيّة كماليّاتٌ لا يحتملها المسلم في زمن بات يتهدّد أساسيّات الدين.

 

لكنّ أكثر ما رفضه ليس مفاهيم الصوفيّة، بل البُنية المراتبيّة لطرقها، وامتيازات سلطتها المشيخيّة. فهذه لم تعد قادرة على الصمود، في ظلّ الوضعيّة العلميّة التي تتحدّى الإيمان من أساسه.

 

«رسالة النور»

على مدى عقود ثلاثة، كتب نورسي عمله الفقهيّ الأساس، «رسالة النور»، وأنجزه في 1950، داعياً إلى نشاطيّة مدنيّة سمّاها «العمل الإيجابيّ» الذي يتجنّب السياسة والعنف، لكنّه يجهد لإعادة إدماج الإسلام في الحياة الوطنيّة.

 

و «الرسالة» شرح وتعليق من 14 جزءاً على هامش النصّ القرآنيّ، لكنّها تعتمد التفسير بطريقة غير تقليديّة، فلا تتبع تقنيّة الشرح سطراً سطراً. إنّها تعرض لمواضيع التعاليم كأمثولات وقصص ورسائل مصحوبة بإجاباته عن أسئلة المريدين. أمّا موضوعاتها الأساسيّة فالدفاع عن الإيمان وتكامله مع العقلانيّة، أي المصالحة الفلسفيّة بين العلم والإسلام.

 

وعلى مدى انكبابه على «الرسالة»، راكم أنصاراً نجمت عنهم «حركة نور» التي راحت تنتشر عبر الأناضول.

 

لكنّ نقده لعلاقة المريد بمرشده إنّما مهّد لنظام جديد في التنظيم الدينيّ يتيح للأعضاء حيّزاً من المبادرة والتأويل عبر صلة مباشرة بالقرآن. ولئن خفّف نورسي من وطأة كاريزميّته عليهم ومن توظيفها المباشر، لمصلحة إقدامهم ومبادرتهم، فهو لم يتخلّ عن زعمه أنّ «الرسالة» تكليف إلهيّ.

 

وهذا ما أكسبها أهميّة قصوى عند أتباعه، لكنّه شكّل عند نقّاده الإسلاميّين مأخذاً مفاده أنّ تعويله على «الرسالة» انتقاص من مركزيّة القرآن.

 

وتحدّى نورسي مثالات تنويريّة عبر نظامه الإسلاميّ للمعرفة. ذاك أنّ العالم الطبيعيّ يستحيل فهمه إلاّ عبر صفات الله وقدراته. وفي هذا تبدّى التأثّر الكبير بالصوفيّة، خصوصاً أفكار ابن عربي حيث خلق الله العالم والإنسان مرآةً تنعكس عليها صفاته وقدراته.

 

واختلفت طرق نورسي عن مثيلتها التي بشّر بها معاصروه الإسلاميّون خارج تركيّا. فهو عمل من ضمن الإطار الثقافيّ الضيّق للكماليّة، مستعيداً استخدام المرجعيّة الإسلاميّة التي أراد عبرها إعادة دمقرطة المجتمع في موازاة استبعاد السياسة.

 

سيرة التلميذ

بعد موت نورسي، بقيت أفكاره مرتكزات لعقيدة عبّرت عنها حركة غولن، أبرز ما تفرّع عن تشقّق النورسيّة.

 

لقد ولد غولن في 1938 في قرية كوروتشوك، من أرضروم، المحافظة والتي لا تبعد كثيراً عن الحدود الشرقيّة لتركيّا مع إيران وأرمينيا وجورجيا. والموقع هذا جعلها استراتيجيّةً ذات تاريخ عسكريّ مديد يمتدّ إلى الحرب مع روسيا إبّان الحرب الأولى، وهو ما يتذكّره أقارب غولن المسنّون.

 

وبفعل مكان الولادة وزمانها، ترافقت طفولته مع سيادة التعليم التقليديّ. فهو حفظ القرآن طفلاً، وبعد أربع سنوات من التعليم الابتدائيّ نُقل إلى تكيّة صوفيّة تخرّج منها إماماً في 1958. هناك درس على شيوخ النقشبنديّة التي انتسب إليها والده، كما على شيوخ قادريّين، وبمغادرته التكيّة تابع دراسته الصوفيّة كما درس الفقه.

 

بعد الإمامة في جوامع محليّة، انتهى به المطاف، في 1965، في أزمير، فتولّى إدارة المدرسة القرآنيّة التابعة للمسجد، وبقي حتّى 1999. وهو من دون أن يعرف نورسي، تأثّر بتعاليمه و «رسالته».

 

لكنّ الحياة في مركز مدينيّ كأزمير، في الشطر الغربيّ من تركيّا، شديدة الاختلاف عنها في أرضروم الريفيّة المحافظة. وهو لم يستهوه مناخها الليبراليّ نسبيّاً. لكنّه بدأ، أواخر الستينات، يكسب الأتباع بنتيجة عظاته في مقاهٍ شعبيّة راح يرتادها، وبدا مهتمّاً بأن يُظهر لجمهوره، من تلامذة وتجّار صغار وأصحاب مشاريع متواضعة، كيف يتلاءم الورع مع مهنهم وتفوّقهم فيها. وفي إنجاحه، ساهمت كاريزميّته كما تُظهرها خطبه، واستخدامه تركيّةً قديمة مهدّدة بالانقراض، مزجها بعاطفيّة كادت تُبكيه أحياناً.

 

حينذاك بدأ غولن ينشئ مخيّمات صيفيّة في إزمير للطلاّب، اتّسمت بنظام صارم. أمّا تعاليمها فاستُلهمت من رؤيته عن تعليم «جيل ذهبيّ» حيث معرفتا العلوم الحديثة والإسلام.

 

وفي السبعينات جعلت جماعته تتمدّد إلى خارج إزمير، مُقيمةً، في مدن أخرى، مخيّمات صيفيّة ومقدّمةً خدماتها.

 

التحوّل الثمانينيّ

على أنّ الثمانينات هي ما غيّر الحياة الوطنيّة، فاتّسعت نشاطات الحركة ابتداء بانقلاب كنعان إفرين في 1980 والدستور الجديد في 1982. فهذان دشّنا اللبرلة الاقتصاديّة في ظلّ رئاسة المؤمن تورغوت أوزال للحكومة، ثمّ للجمهوريّة. هكذا شرعت العلمانيّة تتراجع أمام قوى دينيّة، بعد عقد حادّ من الاستقطاب العنفيّ بين اليمين واليسار.

 

ففي محاولته الاحتواء، قرن إفرين القمع بمبدأ «التركيب التركيّ– الإسلاميّ». وتبعاً لربط اليسار بالتهديد السوفياتيّ لدولة أطلسيّة، فتح ذاك «التركيب» طريقاً للإسلام ليعاود الظهور العامّ، وللاعتراف به قوّةً موحِّدة لمجتمع منقسم.

 

أنصار غولن أفادتهم الأوضاع الجديدة فمدّوا شبكة مدارسهم الخاصّة إلى سائر المدن. كذلك استثمروا في البيزنس والإعلام فصارت مصالحهما لاحقاً جزءاً معتبراً من الثروة الماليّة والثقافيّة للحركة. وفي التسعينات توسّعت الحركة ومشاريعها إلى الخارج، خصوصاً في التعليم، وبالأخصّ في دول آسيا الوسطى الإسلاميّة الحديثة الاستقلال عن موسكو. هناك راهنوا على أسواق جديدة بعد الانهيار السوفياتيّ. وهذا ما واكبه تنسيق مع الدولة التركيّة التي سعت، في ظلّ أوزال ثمّ تانسو تشيلر، إلى بناء روابط ثقافيّة وعلاقات ديبلوماسيّة وتجاريّة مع تلك البلدان والشعوب. هكذا ما كادت تنتهي التسعينات حتّى كانت شبكة المدارس والمصالح الغولنيّة تشمل 80 بلداً.

 

إلى الولايات المتّحدة

لا تُفهم سيرة الغولنيّة من دون انعقاد الليبراليّة الاقتصاديّة على العولمة. فخلال الثمانينات والتسعينات دعم غولن جيلٌ جديد من رجال الأعمال الأناضوليّين المؤمنين والناجحين كأصحاب معامل ومُصدّرين. هؤلاء «النمور الأناضوليّون» جاؤوا من بيئات محافظة في مدن متوسطة الحجم كقيسارية وأضنة، وعوّلوا على الظروف الاقتصاديّة الجديدة لينضمّوا إلى نخبة المال. ففي 1990 تأسّست «رابطة الصناعيّين ورجال الأعمال المستقلّين» (موسياد) لمجموعةٍ منهم تكون بديلاً مؤمناً عن «توسياد» الكماليّة التي أُسّست في 1971. وهؤلاء اهتمّوا بتوثيق العلاقات التجاريّة مع بلدان مسلمة في الخليج والشرق الأوسط. ولاحقاً، في 2005، أقام الغولنيّون منهم رابطتهم الخاصّة «كونفيدراليّة رجال الأعمال والصناعيّين في تركيّا» (تُسكون).

 

وجزئيّاً كتتويج لتحوّلات الثمانينات، شهدت التسعينات صعود «حزب الرفاه» الإسلاميّ بقيادة نجم الدين إربكان، والذي تسنّم رئاسة الحكومة خلال 1996-1997، لكنّه أزيح نتيجةً لما سمّي «انقلاباً ما بعد حداثيّ» «لاستعادة المبادئ العلمانيّة».

 

ولم يعلن غولن دعمه الصريح لإربكان، مختاراً إبقاء مسافة عن إسلامه السياسيّ تشبه مسافة نورسي عن مندريس. لكنْ في المناخ العابق بالعداء للإسلاميّين بعد 1997، وجد غولن نفسه مستهدفاً. وإذ صدرت بحقّه مذكّرة توقيف، غادر في 1999 إلى الولايات المتحدة.

وشهد العقد التالي على مغادرته إتمام توسّعه المعولم والنموّ المتسارع لنشاطه في أميركا نفسها. ولئن بقيت تركيّا مركزيّة في العمل والاهتمام، صارت حصّة ملحوظة من المصالح تتركّز في الولايات المتحدة، بما فيها عدد من مؤسّسات «الحوار»، خصوصاً منتدى الرومي (تيّمناً بالصوفيّ الكبير للقرن الثالث عشر) في واشنطن العاصمة ومعهد هيوستون ونحو من 150 مدرسة.

 

غموض الحركة

على أنّ غولن، الناشط الاجتماعيّ ورجل الأعمال، يبقى أساساً مدرّساً وواعظاً يحمل تأويله للتقليد السنّيّ البصمات القويّة للصوفيّة الأناضوليّة. وهو أصدر أربعة كتب تتناول الموضوعات الصوفيّة، مع تركيز ملحوظ على مفهوم الحبّ، حبّ الله ورغبة الاتّحاد به. والاهتمام هذا إنّما يندرج في السياق الذي صدر عنه، حيث الصوفيّة المكوّن الأساس للإسلام الأناضوليّ منذ العهود العثمانيّة.

 

مع هذا أقام غولن، مثل نورسي، مسافة ملحوظة عن الصوفيّة بوصفها نظاماً وتنظيماً. ولذا شدّد أتباعه على عدم اتّباع أي نظام صوفيّ بدليل غياب الممارسات الطقسيّة عن الحركة، بما فيها ما يحفّ بالانتساب والترسيم الواضح للعضويّة.

 

فالحركة لا تصنّف نفسها كذلك، مكتفية بأنّها «خدمة»، ذاك المصطلح الذي رادف اسمها واشتُقّ طابعه الغيريّ من مفهوم الحبّ. كذلك يلفّ الغموض دور غولن فيها. فهو لا يُقدّم كرئيس لحركة مراتبيّة، بل كمصدر «إلهام» لشبكة رخوة من متطوّعين غيريّين.

 

والحال أنّ غموض الحركة خفّ قليلاً مع انفجار الخصومة بينها وبين «حزب العدالة والتنمية» أواخر 2013. لكنْ يبقى مستحيلاً معرفة عدد أفرادها، علماً بوجود تقدير تقريبيّ يرسمهم، في تركيا، بما بين نصف مليون ومليونين. والغموض ناجم جزئيّاً عن غياب معيار رسميّ للانتساب، لكنْ أيضاً لأنّ مساهمة الأفراد تتّخذ أشكالاً متعدّدة ومتفاوتة تعكس تعدّد نسب الولاء وتفاوتها.

 

فالحركة تنطوي على درجات عدّة من الالتزام يشوبها بعض الغموض: غولن و «أريستقراطيّة» الحركة في المركز، يحيطهم، مع مسافة ملحوظة، «الأصدقاء»، و «المتعاطفون»، ثمّ «المستهلكون غير العارفين».

 

القلب يحتلّه غولن والأتباع المكرّسون، وكلّهم رجال، بعضهم يقيم معه في بنسلفانيا ويتلقّى مباشرة توجيهاته، لكنّ أغلبهم تتوزّع بهم الأمكنة. هؤلاء تلامذة ملتزمون ومستهلكون مباشرون لتعاليمه، إما عبر الصلة الشخصيّة أو عبر مسافة يردمها الإعلام المطبوع والرقميّ. وهم عادةً يعملون أو يدرّسون في مؤسّساته ويكرّسون حياتهم لنشرها كما يعيشونها وفق تعاليمه. وهم بالطبع يستظهرون التقوى في حياتهم وملبسهم. وفيما تلبس نساؤهم لباس «التستّر» الذي يفضّله المحافظون المدينيّون الأتراك، فإنهم يحرصون على ارتداء القمصان المرتّبة وربطات العنق. أمّا علاقاتهم البينيّة فجدّيّة ورصينة، بينما تقتصر الصلة بالنساء على التحيّة والحدّ الأدنى من الاحتكاك.

 

وإذ يبدي أفراد النواة التزاماً قويّاً بمبدأ «الحوار» مع الآخرين، يشمل المتعاطفون والأصدقاء رجال أعمال من خلفيّات دينيّة يدعمون الحركة ماليّاً، وأفراداً متنوّعين يحضرون نشاطاتها بانتظام أو بتقطّع، خصوصاً اللقاءات المسمّاة «صُحبة» (تبادل الحديث)، حيث تُدرس كتب غولن وخطبه، فضلاً عن «رسالة» نورسي والقرآن. أما الشريحة الأكبر والأبعد عن المركز فمستهلكو منتجات المؤسّسات الغولنيّة، وبعضهم قد لا يكون غولنيّاً. هؤلاء يشملون قرّاء ومشاهدين لموادّ عدّة رقميّة وبصريّة ومطبوعة، وزبائن لمصارفهم وشركاتهم، ومرضى في وحداتهم الصحّيّة، وأهل أبناءٍ يدرسون في مدارسهم. ولئن كانت أكثريّة هؤلاء داخل تركيّا على بيّنة من المصدر الغولنيّ لما تستهلكه، فهذا ما لا يصحّ بالضرورة خارجها.

 

لكنْ بين تلك الوظائف الكثيرة المؤدّاة، يحتلّ التعليم أهميّة فائقة عند غولن الذي يعتبره «مقدّساً»، أو وفقاً لدعوته مؤيّديه: «ابنوا مدارس لا مساجد». لهذا يصرف أفراد الجهاز القياديّ فترة من الزمن كأساتذة في مدارس الحركة، وكثيرون يقدّمون تبرّعات هي نسب مئويّة ثابتة من معاشاتهم، وحرصاً على إنماء اللحمة الداخليّة، تسهر الحركة على العلاقات الاجتماعيّة والمناسبات التي يتواصل فيها ناشطوها في القارّات الخمس.

 

علم ودين

كمثل نورسي، ركّز غولن على تحصيل النفوذ على الحياة السياسيّة عبر مداخل غير سياسيّة. وهو فعل هذا بنجاح باهر. فحتّى نشوب الأزمة مع «العدالة والتنمية»، حيث بدأ يُفصل عدد من الغولنيّين من مواقع التأثير، فإنّهم تمثّلوا بقوّة في الشرطة والقضاء والإعلام فضلاً عن القطاع الاقتصاديّ، وخصوصاً في التعليم.

 

وكما أنّ التعليم روح النشاط الغولنيّ، فالعلوم روح التعليم. أمّا الغرض، وتبعاً لتعويل إسلاميّ قديم على العلوم، فإتاحة المجال للمسلمين «كي يتنافسوا مع الغربيّين». ذاك أنّ العلوم إنّما خربتها الكنيسة في الحقبة الحديثة برعايتها ظهور العلمانيّة وتطوّرها في أوروبا. وبدوره، فما نجم من فصل بين الحيّزين إنّما ربط العلم بالإلحاد، علماً بعدم وجود تناقض، وفقاً لغولن، بين الطرق الدينيّة والعلميّة في المعرفة.

 

لقد بدأ التحدّي الجدّيّ للعلمانيّة أواخر الثمانينات، بعد تمرين أوّليّ عرفته الخمسينات المندريسيّة. وبسبب الانفراجات الثمانينيّة، تجرّأ غولن أكثر ممّا تجرّأ نورسي الذي كانت قضيّته «الحفاظ» على الإيمان. وتبدّى الفارق في مدى الاشتباك مع «الفكر الماديّ» كما في مطالبة الأتباع، لا بالانخراط في العالم الحديث فحسب، بل بالمبادرة إلى تشكيله، مع ما يعنيه هذا من بلوغهم مناصب رفيعة ومؤثّرة.

 

وعلى العموم تميّزت المدارس الغولنيّة في تركيّا، والتي بلغ عددها الـ500، بمستوياتها الممتازة في الموادّ العلميّة، مستقطبة أبناء عائلات مؤمنة من غير أن يقتصر الأمر عليها. كذلك استفادت شبكة مدارسه من توسّع سوق التعليم الخاصّ في العقد الماضي، مع انتشار المداخيل المتوسّطة والتقديمات الرسميّة لمشاريع خاصّة في تركيّا كما في بلدان أخرى حاولت تضييق فجوتها التعليميّة.

 

والراهن أنّ مدارس غولن وجامعاته الخاصّة لا يوجد علناً ما يربط بينها، أو يشير إلى وحدة مصدرها وعلاقتها بحركته. أمّا معدلاّت النجاح المرتفعة لطلاّبها فتؤهّلهم دخول سوق العمل وإحراز فرص ترقٍّ لا تتوفّر لكثيرين. ولئن عُرفت مدارس غولن بتركيزها على العلوم والرياضيّات، فالبديهيّ أنّ التعليم العلميّ الحديث ملمَح أساسيّ من ملامح العولمة الراهنة، وشرط مسبق للمساهمة الناجحة في اقتصاد المعرفة المعقلن.

 

ومنذ أوائل التسعينات يشارك تلامذته في المباريات المدرسيّة الدوليّة المعروفة بـ «أولمبيّات العلوم» حيث يتنافس تلامذة متفوّقون من أنحاء العالم. أمّا أساتذة جامعاته الأتراك فتخرّجت نسبة مرتفعة منهم، بشهادة دكتوراه، من بعض أفضل الجامعات الغربيّة، كما حُرّر توظيفهم من انتسابهم للغولنيّة أو عدمه.

 

لكنّ الاهتمام بالعلوم لا يعني القبول بها كلّها. فأكثر ما ترفضه الغولنيّة نظريّة التطوّر التي يصعب الالتفاف على إلحاديّتها. فالداروينيّة، عند غولن، ليست علماً بل أداة للإلحاد تتزيّا بالعلم لمكافحة الإيمان.

 

ولئن كان هذا الموقف مألوفاً إسلاميّاً، ففي تركيّا زادته الكماليّة حدّة. ذاك أنّ أتاتورك تشدّد في أخذه بالعلم التطوّريّ واعتباره جزءاً أساسيّاً من برنامجه الراديكاليّ للإصلاح.

 

وأيضاً إلى الثمانينات ترقى الحملة هذه. ففي أواسط ذاك العقد ظهرت موادّ مترجمة إلى التركيّة عن الخَلق أصدرها «معهد البحوث المتعلّقة بالخَلق» في الولايات المتّحدة. هنا ارتفع صوت الغولنيّة كما ارتفعت أصوات أخرى تندّد بالداروينيّة، بعضها استعراضيّ وتلفزيونيّ وتجاريّ ممزوج باللاساميّة، كالذي مثّله عدنان أُكتار الذي كتب باسم مستعار هو هارون يحيى. وبالطبع يتوازى تدريس العلوم مع دروس الأخلاق التي تطاول المظهر والملبس واختلاط الجنسين غير المحمود، فمثلاً، يدرس التلامذة في الصفّ التاسع (14-15 سنة) قصّة يوسف وزليخة للتشديد على العفّة.

 

على أنّ تصوير الغولنيّين اهتمامهم بالتعليم كجزء من مصالحة العلم والإسلام يبقى مبالغة. فالأهم أنّ تدريس العلوم يوفّر وسطاً ثميناً للحركة، من خلاله تتصيّد المنتسبين وتؤثّر في جيل جديد من الورعاء.

 

«الحوار» والقوميّة

وكمثل «العلم»، يحظى «الحوار» بتكريم بالغ. فـ «مؤسّسة الصحافيّين والكتّاب» هي المؤسّسة الغولنيّة الوحيدة التي يتولّى فيها غولن شخصيّاً الرئاسة الفخريّة «تعبيراً منه عن الإيمان بالحوار». وهنا أيضاً ينبع منطقه من نورسي الذي اهتمّ بالمسائل البينيّة للأديان، خصوصاً تلك الإسلاميّة المسيحيّة التي توفّر أرضيّة أصلب للإيمان في مواجهة الإلحاد.

 

لقد انخرط غولن منذ الثمانينات في هذه «الحوارات»، وفي 1996 «حاور» بطريرك الروم الأرثوذكس بارثولوميو وحاخام تركيا الأكبر ديفيد أسيو، وفي 1998 زار البابا يوحنا بولس الثاني. وبانتقاله إلى أميركا زاد اهتمامه بالحوار، فأنشأ منتدى الرومي الذي غدا أكبر وأنشط هذا الصنف من المنتديات في الولايات المتّحدة.

 

وغالباً ما يترافق ذلك مع توكيد على الثقافة التركيّة يشي بقوميّة الحركة الغولنيّة واهتمامها بنشر «القوّة الناعمة» لبلدها. فهذه المعاهد تنقل بعض معالم الثقافة التركيّة، لا سيّما صوفيّة الرومي، وتنظّم رحلات إلى تركيّا وتعرّف بفولكلورها وتدير برامج لتعليم لغتها، في ظلّ عناوين الحبّ والتفاهم والمرونة والتسامح.

 

لقد تعدّدت هذه المعاهد في أميركا وأوروبا وبقية العالم، خصوصاً أنّ 11/9 ضاعفت الطلب على «صورة أخرى للإسلام»، أقلّه في الولايات المتّحدة، بغرض «بناء سلام كونيّ». أمّا في تركيّا نفسها، فكانت جلسات «الحوار» تنعقد في بعض أفخم فنادقها.

 

لكن فضيحة هذه الحواريّة عدم اكتراثها بالحوار مع الأتراك «الآخرين»، كالأكراد والعلويّين، باستثناء بادرة رمزيّة لم تعمّر طويلاً لإقامة صلوات مشتركة بين السنّة والعلويّين. ولئن أثار هذا التجاهل اتّهامات بـ «التتريك» و «التسنين»، بقي ملحوظاً تجاهل النطاق الإسلاميّ الأعرض، أكان قوميّاً كالعرب، أم مذهبيّاً كالشيعة.

 

أميركا... أميركا

وقد يكون من أغرب سمات الغولنيّة صلتها بالولايات المتّحدة. لقد أقام غولن منذ 1999 في بنسلفانيا، قريباً من التجمّعين التركيّين الكبيرين في بوسطن ونيويورك، وغير بعيد عن العاصمة. وإذ قدّمت واشنطن تسهيلات بارزة لأتباعه في إقامتهم وتنقّلهم وتأشيراتهم، فقد بادلها تنازلات «براغماتيّة» ملحوظة. فغولن، حامل «البطاقة الخضراء» منذ 2008، والمعجب بعلمانيّة أميركا مقارنة بالعلمانيّات الأوروبيّة، اهتمّ بتعرّف أتباعه إلى أوجه من الثقافة المحافظة والإنجيليّة الأميركيّة، وهناك نسبة عالية من أساتذة جامعاته في تركيا وسواها أميركيّون. وعموماً، فالغولنيّون لا يكنّون مشاعر ودّ مشابهة حيال أوروبا. فأميركا، كما يقولون، مرحِّبة في إقامة المدارس والشركات، وبسبب أهميّتها وحسن استقبالها، ينبغي ألاّ يُترك تقديم صورة الإسلام فيها للباكستانيّين والعرب. فوق هذا، فالحركة هناك، على عكس أوروبا وخصوصاً ألمانيا، لا تواجه منافسة أتراك إسلاميّين، كما لا توجد في أميركا صورة سابقة عن الأتراك كما في ألمانيا.

 

وعلى مستوى آخر، استثنى غولن كتاباته التي قد تثير حساسيّات «مسيحيّة» أو غربيّة (الخلق والتطوّر) من الترجمة إلى الإنكليزيّة، وغيّر مفهومه لـ «الحوار» من الدين، بما يثيره من إشكالات معتقديّة، إلى الثقافة. كذلك شاعت نظريّات، قد يكون بعضها تآمريّاً، عن علاقة تربطه بوكالة الاستخبارات المركزيّة.

 

زاد من ذلك أنّ للحركة عشرات المدارس في 25 ولاية أميركيّة، لكنْ على عكس مدارسها الأخرى، فالأميركيّة منها ليست خاصّة، بل يحظى معظمها بتمويل رسميّ، وإن جعلها هذا تستقطب طلاّباً أفقر وذوي مروحة إثنيّة أوسع.

 

ويعمل «اللامألوف» على مضاعفة التعجّب: فالرجل المنفيّ اختياريّاً، يبثّ توجيهاته الروحيّة لشبكة عابرة للحدود بنيت على مدى 30 سنة، فتنتقل تعاليمه، عبر وسائط عدّة وبعديد اللغات، إلى سائر أرجاء المعمورة.

 

يزيد في غموض «رجل بنسلفانيا» تلك العزلة التي تكتنف إقامته هناك، والتي يقول أتباعه إنّ أوضاعه الصحّيّة أملتها عليه. فهو زاهد ومنزوٍ لا يستخدم إلاّ غرفة واحدة من مساحة الأرض البالغة 11 هكتاراً التي يقيم فيها بعض أقرب مقرّبيه، وكلّهم رجال، كما يقيمون مكاتبهم. وهذا التناقض بين تقشّف حياته وثراء حركته بقي دائماً موضوعاً للتكهّن في أمر «المعلّم المحترم».

 

ومن مَلاحق «ثقافة السرّيّة»، أنّ غولن لم يتزوّج لأنّه «كرَّس نفسه للتعبّد»، وهو لا يظهر علناً إلاّ لتوجيه خطبته الأسبوعيّة مساء كلّ ثلثاء.

 

ثمّ هناك غموض الحركة في وظائفها وهرميّتها ممّا يبدو ملائماً لعملها في «المنطقة الرماديّة» بين الدوائر السياسيّة والمدنيّة والاقتصاديّة، ما يجعلها كياناً فريداً في دراسة سياسات الإسلام الحديثة.

 

المحنة...

لقد محض غولن تأييده لـ «العدالة والتنمية» مثلما محضه قبلاً لإربكان، ومثلما محضه نورسي لمندريس. وعلى مدى عقد أفادت الحركة من هذه العلاقة توسيعاً لشبكتها وتغلغلاً في مؤسّسات الدولة. لكنّها، كمقابل، قدّمت خدمات للسلطة كان بعضها قذراً، كاختلاق «قضيّة أرغنكون» في 2008 للإساءة إلى الجيش وإضعاف غير الإسلاميّين عموماً.

 

على أنّه منذ أواخر 2013 انفجرت العلاقة، إثر زعم الحركة اكتشاف فساد تورّط فيه بعض قادة «العدالة والتنمية» بمن فيهم نجل رجب طيّب أردوغان، ثمّ أردوغان ذاته. هكذا انقضّت عليها السلطة مفكّكة مواقعها ومؤسّساتها في الدولة والمجتمع، بما فيها صحيفة «زمان» و «بنك آسيا»، ليغدو العداء دمويّاً بعد المحاولة الانقلابيّة، الصيف الماضي، حيث اتّهمت السلطة غولن بالوقوف وراءها. والمعركة، كما هو معروف، دائرة حول الاتّهام، قمعاً شرساً وتسريحاً اعتباطيّاً ومطالبات لأميركا بتسليمه.

 

والحال أنّ التعايش المديد بين مؤسّسة أخطبوطيّة كالغولنيّة وسلطة متغوّلة كالأردوغانيّة كان ليكون الاستثناء. فكيف حين نضيف، في الخلفيّة، اختلاف التقليد الصوفيّ عن التقليد الإخوانيّ، علماً بالخصوصيّة التركيّة للتقليدين، وكذلك الخلاف حول سياسات في مقدّمها التعاطي مع إسرائيل خلال 2008-2010. فقد انحاز غولن إلى توجّهات أقلّ حدّة من التي اعتمدها أردوغان. ذاك أنّ إسلاميّة الأخير، بسبب موقفها من السياسة وموقعها في السلطة، أشدّ اقتحاميّة واستقلاليّة، فيما لا يمنح غولن السياسة إلاّ الأهميّة التي تتيحها لتوسيع مشاريعه وتعزيز القوميّة التركيّة. فهو أكثر تصلّباً من أردوغان مع الأكراد، وموصوف بكراهيّتهم، فيما العالم العربيّ وفلسطين لا يرد لهما أيّ ذكر في سيرته أو سيرة حركته.

 

وقد يقال، بقليل من المخاطرة، إنّ أردوغان إنّما يسعى إلى استعادة القوّة الماديّة للسلطنة، بينما يسعى غولن إلى استعادة قوّتها الروحيّة والثقافيّة. وما يجري اليوم في تركيّا هو، بمعنى ما، حرب بين استعادات مستحيلة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان