رئيس التحرير: عادل صبري 02:07 مساءً | السبت 21 يوليو 2018 م | 08 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

أميركا تنسحب من أفغانستان وإيران تتمدد إليها

أميركا تنسحب من أفغانستان وإيران تتمدد إليها

مقالات مختارة

القوات الأمريكية في أفغانستان

كارلوتا غال تكتب

أميركا تنسحب من أفغانستان وإيران تتمدد إليها

«30 دقيقة استغرقها هجوم مئات مقاتلي طالبان انتهى إلى سيطرتهم على الضفة الغربية من فره، الواقعة في المحافظة الأفغانية التي تحمل الاسم نفسه». وهذا الهجوم كان أولى حلقات حصار استمر 3 أسابيع في تشرين الأول (أكتوبر) المنصرم، ولم تدرك قوات الأمن الأفغانية أن الإيرانيين هم وراء هذا الهجوم السريع إلا بعد انقشاع دخان المعارك إثر الاستعانة بسلاح الجو الأميركي. وكان أربعة مغاوير إيرانيين بين القتلى، ورصدت الاستخبارات الأفغانية مآتمهم في إيران. وكثر من مقاتلي طالبان القتلى والجرحى نقلوا إلى إيران المجاورة حيث جندوا، على قول قرويين مسنين. والهجوم كان حلقة من حلقات هجمات في عدد من المدن الأفغانية. وهذه الهجمات هي الأضخم منذ 2001 في سياق سعي طالبان إلى استعادة السلطة والإمساك بها. وهي كذلك جزء من حملة إيرانية متسارعة الوتيرة ومتعاظمة لملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأميركية.

ومع انسحاب أميركا التدريجي من حرب أفغانستان بدأت القوى الإقليمية المتنافسة تستعرض عضلاتها وتعد العدة للتربع محل النفوذ الأميركي. تسعى إيران إلى صوغ مصير البلد هذا على نحو يناسبها وعلى نحو ما تشتهيه. وفي العقد والنصف عقد الأخير، أطاحت أميركا أبرز أعداء إيران على جانبي الحدود: حكومة طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق. واقتنصت إيران الفرص السانحة لبسط نفوذها. فهي تسعى إلى بلوغ حكومة لا تهدد مصالحها السلطة في أفغانستان. لذا، تدعم طهران عدوتها اللدودة السابقة، حركة طالبان، من أجل استمالة ولائها والحؤول دون استقرار البلاد، وعلى طول الحدود المشتركة بين أفغانستان وإيران (500 ميل) على وجه التحديد.

ويماط اللثام، شيئاً فشيئاً، عن تدخل إيران الخفي. فهي تمد مقاتلي طالبان بالسلاح والمال وتدربهم. ووفرت لقادة الحركة هذه ملاذاً آمناً، وتزود شاحناتهم بالوقود. وأقوى فصائل طالبان في إفغانستان هي تلك الإيرانية الولاء، على رغم التاريخ الحافل بالعداء بينهما. ولكن مع توسع عملية «الأطلسي»، بدأ الإيرانيون يدعمون طالبان لاستنزاف الأميركيين ورفع كلفة التدخل وحملهم على الانسحاب. وصارت طهران ترى أن طالبان هي العدو المأمون الجانب، وأنها قوة وكيلة ناجعة.

وينفي سفير إيران في كابول دعم بلاده طالبان، ويقول إن طهران استثمرت 400 مليون دولار لمساعدة أفغانستان على بلوغ مرافئها المطلة على الخليج. ولكن وزارة الخارجية الإيرانية والحرس الثوري هما وجها سياسة واحدة، الأول يبسط نفوذاً اقتصادياً وثقافياً، والثاني يشد عود قوة مخربة. ويقول مسؤولون أفغان أن إيران أرسلت فرق اغتيالات وجواسيس، وتسللت إلى صفوف الشرطة والحكومة، في المحافظات الغربية على وجه التحديد. واكتشف قائد القوات «الأطلسية» في أفغانستان قبل أعوام، ديفيد ريتشاردز، أن طهران جندت مترجمه، العريف دانيال جايمس، البريطاني– الإيراني. وسلط الضوء على علاقات إيران العميقة بطالبان العام الماضي، حين استهدفت طائرة درون سيارة أجرة على طريق صحراوي جنوب غربي باكستان، وقتلت السائق والزبون، قائد طالبان ملا أختر محمد منصور. وهذه الغارة الأميركية هي الأولى في ملاذ طالبان في بالوشستان الباكستانية. وكان الملا منصور في زيارة إلى إيران التقى فيها مسؤولين أمنيين إيرانيين، ومسؤولين روساً. وشبك زعيم طالبان علاقات مع إيران وروسيا هو انعطاف في تحالفات الحركة المتطرفة. فمع إعداد الأميركيين عدة الانسحاب، بدأ الملا منصور يسعى إلى تنويع مصادر تمويل طالبان منذ بلغ سدتها في 2013.

ويرجح مسؤولون أفغان أن طموحاته هي وراء مقتله. فهو كان يسعى إلى الانفتاح على دول كثيرة. وتعود علاقات الملا منصور بالإيرانيين إلى التسعينات، في عهد حكومات طالبان. فمصالح الحركة ومصالح إيران تقاطعت على مفترق الأفيون. فأفغانستان أكبر مصدر للأفيون، وإيران أكبر شرايينه أو قنواته إلى الخارج. ويكافح حرس الحدود الإيرانيين مهربي المخدرات من أفغانستان، ولكن الحرس الثوري وطالبان استفادا من تجارة المخدرات غير الشرعية، ودرجا على فرض رسوم على المهربين. ورمت زيارة الملا منصور إيران إلى تنسيق تكتيكي بينهما. وكانت باكستان تتوق إلى تقاسم الأعباء السياسية والمالية المترتبة على دعم طالبان، فشجعت العلاقات بين الحركة وطهران، يقول حاجي آغا لالاي، مستشار رئاسي ونائب حاكم قندهار. ورمت زيارته (الملا منصور) الأخيرة إيران إلى لقاء مسؤول إيراني بارز، قد يكون المرشد الأعلى علي خامنئي. ولا شك في أنه كان يبحث في زيادة الدعم الإيراني والروسي قبيل وفاته. ويبدو أن اللقاء مع الروس هو الذي قصم ظهر البعير مع باكستان. فهذه رأت أن توسيع علاقاته بلغ مبلغاً يهدد فيها سيطرة باكستان على الحركة. ولكن اغتياله لم يبتر تحالف طالبان مع إيران، فزعيم الحركة الجديد، المولوي هيبة الله آخونزادة، يتواصل معها.

ونفوذ إيران في أفغانستان هو الأكبر في هراة، على مشارف الحدود الإيرانية. ولجأ مليونا أفغاني إلى إيران في الاجتياح السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي. وصار عددهم اليوم ثلاثة ملايين. وتسمى هراة أحياناً «إيران الصغيرة». ولهجة أهالي هراة إيرانية، شأن المدارس والثانويات، والمكتبات. وتتشح النساء بالتشادور الإيراني. والمتاجر مليئة بالحلوى والمنتجات الإيرانية. والمدينة مليئة بالجواسيس الإيرانيين والعملاء السريين وفرق اغتيالات، على قول مسؤولين محليين. فهي كانت، في السنوات الأخيرة، مسرح عمليات اغتيال وخطف. فطهران تسعى في الخفاء إلى ترجيح كفة نزاع القوى المحلية ترجيحاً يغلب مصالحها من طريق الرشاوى والتسلل والعنف.

وتقول الشرطة الأفغانية إنها أوقفت ألفي شخص في عمليات مكافحة الإرهاب في هراة في السنوات الثلاث الأخيرة. وكثر منهم مقاتلون مسلحون ومجرمون يقيمون مع عائلاتهم في إيران، وينتقلون إلى أفغانستان لشن عشرات الهجمات على مسؤولين في الشرطة أو الحكومة. وترمي طهران إلى تقويض الحكومة الأفغانية وقواها الأمنية وعملية أميركا، والسيطرة على أفغانستان من طريق إضعافها وجعلها تعول عليها. ويقول نواب ومسؤولون أمنيون أفغان إن إيران ترشي المسؤولين المحليين ومسؤولي الحكومة المركزية مقابل العمل معها، وتمنح الواحد منهم أسبوعياً 10 إلى 15 شارة دخول (فيزا) إلى إيران لتوزيعها على الأصدقاء والشركاء. «فجارنا الغربي جدي في عمله. ووجدنا سلاحاً ثقيلاً كان ليستخدم في المدينة (لو لم نصادره). وإيران تدعم مجموعات مقاتلة في عشرات المناطق الغربية»، يقول مسؤول في الشرطة الأفغانية في هراة. ويحلم الأفغان بعودة بلادهم المدمرة إلى ثراء عرفته يوم كانت مركز طرق تجارية تعبرها العربات المحملة بالسلع من الصين إلى أوروبا. وإذا غلبت كفة طهران، تمر طريق الحرير الجديدة عبر حدود أفغانستان الغربية إلى إيران. ولكن الهند تشق طريقاً في جنوب غربي أفغانستان للالتفاف على باكستان التي لطالما قيدت حركة السلع الأفغانية. وترمي طهران إلى ربط هذه الطريق على الحدود الإيرانية بشبكة طرق وسكك حديد تفضي إلى ميناء جابهار. «نريد ألا تكون أفغانستان طريقاً برية من غير منفذ بحري»، يقول السفير الإيراني في كابول. ولكن نفوذ طهران الاقتصادي باهظ الثمن. فالمسؤولون الأفغان يقولون إن إيران تدعم طالبان في عرقلة مشاريع تنموية مائية تهدد هيمنتها. وتدور المنافسة الكبرى على المياه. وينظر الأفغان بعين الارتياب إلى تخريب إيران مشاريع سدود وتهديدها إمدادات المياه في البلاد. ومع افتقار أفغانستان إلى شبكة ري، يتعذر عليها منافسة أسعار السلع الإيرانية. وشاغل الناس في محافظة فره، هو مشروع سد في بخش اباد. ومشروع السد هذا يحل مشكلة المياه والطاقة الكهربائية في أفغانستان.

والحق يقال وفاة الملا منصور أطاحت أكثر حلقات طالبان ارتباطاً بإيران، من جهة. ولكنها، من جهة أخرى، شقت صفوف الحركة هذه، وأدت إلى انشقاق كبار المسؤولين فيها، وشرعت الأبواب أمام تدخل آخرين، منهم إيران. وشطر راجح من طالبان يلقي لائمة وفاة الملا منصور على باكستان. وكبار زعماء طالبان غادروا باكستان إلى جنوب أفغانستان حيث يأمل مسؤولون أمنيون في حمل الانشقاق هؤلاء القادة على التقارب من الحكومة.

وتشير المؤشرات اليوم إلى أن إيران وروسيا تريان أن مصلحة مشتركة تجمعهما في أفغانستان، على نحو ما تقاطعت مصالحهما في سورية، ويرجح أن ترسخ طهران، بمساعدة موسكو، الحرب بالوكالة في أفغانستان.

* مراسلة، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 5/8/2017، إعداد منال نحاس

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان