رئيس التحرير: عادل صبري 02:22 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

دونالد ترامب في مواجهة كيم جونغ أون

دونالد ترامب في مواجهة كيم جونغ أون

مقالات مختارة

حسن نافعة

حسن نافعة يكتب

دونالد ترامب في مواجهة كيم جونغ أون

لا وجه للمقارنة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، فالبلدان يختلفان في كل شيء تقريباً: المساحة، عدد السكان، حجم الثروة والموارد الطبيعية، درجة التقدم العلمي والتقني، مستوى تجهيز وتدريب القوات المسلحة، القدرات الاقتصادية والمالية، وشكل وطبيعة النظام السياسي ومنظومة القيم السائدة ...الخ. لكن هل توجد فروق حقيقية بين السمات الشخصية للقيادة السياسية في البلدين؟ أشك كثيراً، بدليل تطابق سلوكهما في التعامل مع الأزمة التي تفجرت أخيراً بين البلدين.

 

إذ يكفي أن نتفحص ما أدلى به كل من دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأميركية، وكيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، من تصريحات خلال هذه الأزمة، وأن نحلل دلالات لغة الجسد المستخدمة، ليتبين لنا بسهولة أن طريقة اقتراب الرجلين من تلك الأزمة بدت شبه متطابقة وأنهما تصرفا خلال هذه الأزمة وكأنهما وجهان لعملة واحدة. وهذا أمر يثير الاستغراب بالنسبة الى بلدين ينظر إلى أحدهما باعتباره رمزاً للديموقراطية في أعلى مراتبها، بل كنموذج للحكم المؤسسي الرشيد، بينما ينظر الى الآخر كرمز للاستبداد في أبشع صوره، بل كنموذج للحكم الفردي المتحرر من كل قيد أخلاقي أو مؤسسي.

 

لقد شعر العالم بالقلق من لهجة التحدي التي استخدمها كيم جونغ أون في تصريحاته، خصوصاً حين أشار إلى أن «ترامب رجل فاقد للوعي ولا يفهم سوى لغة القوة»، وأيضاً حين راح يؤكد عزمه على إطلاق صواريخ بعيدة المدى في اتجاه جزيرة غوام التي تملك فيها الولايات المتحدة قواعد عسكرية. غير أن شعور العالم بالقلق زاد كثيراً، بل وصل إلى درجة الرعب من لهجة ترامب التصعيدية حين قال إنه سيرد على تهديدات كوريا الشمالية «بنار وغضب لم يرَ لهما العالم مثيلاً من قبل»، وبالأخص حين عاد ليعلن أن رده لم يكن قاسياً بما فيه الكفاية وأن على بيونغيانغ «أن تكون قلقة جداً جداً» إذا فكرت أن تقوم بأي عمل من شأنه أن يلحق الضرر بالولايات المتحدة أو بحلفائها. ولأن وضع ترامب في الصراع هو الأقوى، باعتباره رئيس الدولة التي تملك فعلاً من وسائل التدمير ما يكفي ليس فقط لتحويل كوريا الشمالية إلى كومة من تراب وإنما لتحويل العالم بأسره إلى تلال من الأنقاض، فمن الطبيعي أن تترتب على احتمالات تهوره نتائج لا يمكن مقارنة أبعادها الكارثية بما قد يترتب على احتمالات تهور كيم جونغ أون، خصوصاً أن تهور كلاهما وارد. لكن، كيف ستنتهي الجولة الراهنة من ذلك الصراع الممتد بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؟ أظن أن كيم جونغ أون سيخرج منها «فائزاً بالنقاط»، إذا لجأنا إلى قاموس المصطلحات المستخدمة في حلبة الملاكمة. إذ يبدو أن الزعيم الكوري يملك هامشاً للمناورة أوسع نسبياً مما يملكه الرئيس الأميركي، وذلك للأسباب التالية:

 

1 - طبيعة النظام الدولي الخاص بحظر انتشار السلاح النووي. فهذا النظام غير محكم وغير عادل في الوقت نفسه. هو نظام غير محكم، لأن وجوده لم يحل دون إقدام عدد من الدول التي لم تلزم نفسها به، كالهند وباكستان وإسرائيل، من إنتاج السلاح النووي، بمساعدة من الدول النووية نفسها في كثير من الأحيان، في انتهاك صارخ للالتزامات الواقعة عليها بموجب معاهدة حظر انتشار السلاح النووي لعام 1968. وهو نظام غير عادل، لأنه أفضى إلى تقسيم العالم إلى قسمين: دول يحق لها امتلاك السلاح النووي ودول محرومة منه، في تمييز غير مبرر وغير مقنع. ومن المعروف أنه نظام بني في الأصل على تعهد بأنه موقت بطبيعته ويشكل خطوة أولى على طريق إزالة السلاح النووي من العالم كله في مرحلة لاحقة. ولأن عمره الآن أصبح نصف قرن بالتمام والكمال، فلم يعد يخفى على كل ذي عينين أنه أصبح نظاماً أبدياً، على رغم كل ما ينطوي عليه من ثغرات وعيوب.

 

2 - طبيعة النظام السياسي لكوريا الشمالية. فقد تأسس هذا النظام في البداية، شأنه شأن نظم كثيرة مشابهة نشأت في ظل الحرب الباردة، كنظام سياسي يتبنى النظرية الماركسية التي تستهدف الهيمنة على وسائل الإنتاج وإدارتها لمصلحة الجماهير الكادحة. وعلى رغم سقوط معظم الأنظمة الشيوعية في العالم عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، واندماج ما بقي منها في النظام الاقتصادي العالمي (كما حدث للنظام الصيني على سبيل المثال)، إلا أن نظام كوريا الشمالية بالذات تمكن ليس فقط من البقاء والصمود، ولكن من التحول في الوقت نفسه إلى نظام عائلي وراثي تنتقل فيه السلطة بالدم من الأب إلى الابن، وهو ما حدث حين انتقلت السلطة عام 1994 من كيم إيل سونغ، مؤسس النظام وقائده، إلى ابنه كيم جونغ إيل، ثم من الابن، عقب وفاته عام 2011، إلى الحفيد كيم جونغ أون. وبهذا أصبحت الدولة ونظامها السياسي والأسرة الحاكمة فيها حلقات مترابطة عضوياً، يصعب كسر أي منها إلا بتحطيم السلسلة كلها. ولأن النظام الحاكم في كوريا الشمالية، والذي وصفه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش من قبل بأنه أحد محاور «الشر» في العالم، يدرك يقيناً أن الولايات المتحدة مصممة على تغييره إن آجلاً أم عاجلاً، فقد أصبح على يقين أن السلاح النووي هو ملاذه الأخير للبقاء.

 

بعبارة أخرى يمكن القول إن السلاح النووي لم يعد بالنسبة الى نظام كوريا الشمالية مجرد قضية أمن أو حدود وإنما مسألة وجود. وهو لا يسعى للحصول على السلاح ليهدد به الولايات المتحدة أو تحسباً لصراع مسلح معها، فهذا هو الجنون بعينه، وإنما لحماية وجوده الذي أصبح مرتبطاً عضوياً ببقاء كوريا الشمالية نفسها كدولة مستقلة ذات سيادة.

 

3 - العلاقة مع الصين وروسيا: فالصين، التي انحازت إلى جانب كوريا الشمالية في حرب الخمسينات وأنقذتها من الفناء، قد لا تكون سعيدة بتصرفات القيادة السياسية الحالية أو راضية تماماً عن برنامجها النووي والصاروخي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن نجاح الولايات المتحدة في تغيير النظام الحاكم في كوريا الشمالية سيضع نهاية للدولة هناك وسيمهد الطريق أمام قيام دولة كورية موحدة متحالفة مع الغرب، وهو أمر يستحيل على الصين قبوله لأنه يشكل تهديداً مباشراً لحدودها الجنوبية، خصوصاً في وقت تتهيأ فيه الصين لتبوؤ مكانة القوة العظمى. أما بالنسبة الى روسيا فقد تكون غير راضية عن تصرفات القيادة السياسية الحالية لكوريا الشمالية، وقد تقبل ممارسة بعض الضغوط عليها، لكنها لن تساير الولايات المتحدة أبداً في هدفها الرامي إلى إجبار كوريا الشمالية على وقف برنامجها النووي والصاروخي تماماً، إلا إذا قدمت الولايات المتحدة ثمناً كبيراً في المقابل.

 

لكل هذه الأسباب لن يكون من الصعب على ترامب أن يكتشف بسرعة أن دخوله في مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية سيكلفه ثمناً باهظاً لن يقوى على دفعه، لأن الصين وروسيا لن تسمحا له بذلك، خصوصاً أن مواجهة كهذه، إن وقعت، قد تكون بالسلاح النووي هذه المرة. لذلك لن يمر وقت طويل قبل أن يدرك ترامب أيضاً عدم جدوى المحاولات الرامية لإقناع القيادة في كوريا الشمالية أو لإجبارها على وقف برنامجها النووي والصاروخي، سواء من خلال فرض عقوبات أو ممارسة ضغوط عبر روسيا والصين.

 

كل ما يستطيع ترامب أن يقوم به هو إقناع كوريا الشمالية، عبر وساطة صينية وروسية، بتأجيل تجاربها الصاروخية بعض الوقت، تفادياً لانفجار أزمة جديدة وتحولها إلى صدام مسلح، لكن ذلك لن يكون له سوى معنى واحد وهو فوز كوريا الشمالية في هذه الجولة من جولات الصراع الممتد بين البلدين. ستصبح كوريا الشمالية دولة نووية لا محالة، وسوف يكون على الولايات المتحدة أن تتعامل مع هذه الحقيقة كأحد معطيات «النظام الدولي الجديد».

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان