رئيس التحرير: عادل صبري 04:41 صباحاً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
كلام فى الفوبيا

مقالات مختارة

عبد الناصر سلامة

عبد الناصر سلامة يكتب

كلام فى الفوبيا

نقلا عن المصري اليوم 29 يوليو 2017 17:29

أصبحت الفوبيا حديث الشارع المصرى هذه الأيام، تحولت إلى دراما أحياناً وكوميديا أحياناً أخرى، تحولت إلى فوبيا بالزيت، وفوبيا بالبصل، وفوبيا بالباشميل، وفوبيا يا دنيا فوبيا، وفوبيا حُبنا، وفوبيا خضرا، وفوبيا ناشفة، إلى آخر ذلك من كثير يتوافق مع الحالة المصرية، التى تنتج دائماً كل ما هو جميل حين الأزمات والتى ما أكثرها الآن!، إلا أن ما هو أكثر إبداعاً أن نجد من يدعو الآخر للاتصال به على الفوبيا، بدلاً من الواتس آب مثلاً، أو الادعاء بأنه يعانى من فوبيا فى إحدى قدميه أو حتى أذنيه، أو ذلك الذى يسأل عن أسعار الفوبيا اليوم فى الأسواق، ثم يتم تتويج كل ذلك بما نسمعه من سب وقذف متبادل للفوبيا، أو حتى الثناء عليها والإشادة بها.

 

المعروف أن الفوبيا حالة مرَضية، مرض نفسى، خوف متواصل من مواقف بمجرد حدوثها أو حتى التفكير فيها، بما يجعل المصاب يعيش حالة شديدة الحساسية والاستياء لعلمه بهذا النقص، لا يمكن أن يكون ذلك هو المقصود من كلام السيد الرئيس حين طالب وسائل الإعلام بخلق حالة من الفوبيا فى المجتمع تجاه ما سماه إسقاط الدولة، لا يمكن أن يكون القصد هو إمراض المجتمع بمرض نفسى، ذلك أن التوجيه كان علناً على الأقل، بالتأكيد خرج هذا اللفظ ضمن الألفاظ التى تخرج هكذا دون ترتيب مسبق، والتى يتداولها الشارع فوراً بالكوميديا والدراما فى آن واحد.

 

وعلى الرغم من أن التوجيه الرئاسى قد تحول إلى حالة خاصة بالشارع المصرى، إلا أنه طرح فى الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة المهمة تؤكد المخاوف من المستقبل، من بينها، أليس هناك فرق بين إسقاط الدولة وإسقاط النظام، وهل هناك من يسعى إلى إسقاط الدولة بالفعل، أم أن هناك خلطاً واضحاً للأوراق، وما هو تعريف إسقاط الدولة، هل يُعد الاحتجاج على رفع الأسعار مثلاً إسقاطا للدولة، هل تعد التظاهرات الرافضة التنازل عن جزيرتى البحر الأحمر إسقاطا للدولة، هل يعد الاعتصام أو حتى العصيان المدنى إسقاطا للدولة، هل يمكن اعتبار تصدى أهالى جزيرة الوراق لبلدوزرات الشرطة إسقاطاً للدولة، هل يمكن اعتبار سلوك الألتراس والوايت نايتس إسقاطا للدولة؟!

 

أعتقد أن أى توجيهات خاصة بتجريم إسقاط الدولة لو أنها تُركت هكذا دون وضوح وتوضيح قد نجد معظم الشعب متهماً بهذه التهمة الغريبة والخطيرة فى الوقت نفسه، مع الأخذ فى الاعتبار أنه لم يثبت على الأقل فى تاريخنا الحديث أن أفراداً أو جماعات قد استهدفت يوماً ما إسقاط الدولة المصرية، حتى وإن وجدنا توصيف الاتهامات فى بعض القضايا يمتد إلى مثل هذه النصوص، ذلك أن المتهم كان بحوزته سكيناً بهدف إسقاط الدولة، أو بضعة جنيهات بهدف إسقاط الدولة، أو يضمر شيئاً ما بداخله بهدف إسقاط الدولة، وجميعها من النصوص المضحكة والمبكية فى آن واحد.

 

خلال السنوات القليلة الماضية، كنا نعيش فوبيا الخوف من الانفلات الأمنى، بعد ذلك عشنا فوبيا الإخوان المسلمين، ثم جاءت فوبيا الاستهداف من العالم كله، مصر مستهدفة، المؤامرات من كل جانب، التمويل الأجنبى، التقسيم إلى دويلات، ثم جاءت فوبيا الخوف من الفقر وانفلات الأسعار وتدهور قيمة العُملة المحلية، وقبل ذلك عشنا فوبيا الدين ورجال الدين والأزهر بصفة خاصة، إلى أن سمعنا ذلك التوجيه المتعلق بفوبيا إسقاط الدولة، بما يشير إلى أن كل أنواع الفوبيا التى مرت بها البلاد فى السابق كانت صناعة محلية إعلامية لا وجود لها على أرض الواقع.

 

ما لم يفطن إليه البعض هو أن مثل هذا الوضع يؤصل لحالة فقدان الثقة فى الخطاب الرسمى والتى أصبحت شائعة الآن، والتى تحولت معها الفوبيا إلى حالة من السخرية، ذلك أنها لم تعد مستساغة، وكان الأجدر البحث عن طرق جديدة أكثر حنكة فى التعامل مع الرأى العام، ويا حبذا لو كان عنوانها الصدق والشفافية بدلا من تلك الفوبيا التى تخثرت وتعفنت وفقدت قيمتها ومصداقيتها بمرور الوقت، لدرجة أنه مع أى ارتفاع جديد للأسعار أو رفع جديد للدعم يبادر البعض بتوقع حدوث كارثة فى الصباح بهدف التغطية على تلك القرارات الجديدة، اعتقاداً أيضاً بأن الكوارث صناعة سابقة التجهيز.

 

إنها الفوبيا المتبادلة، الطريقة نفسها التى يفكر بها النظام أو الأجهزة الأمنية، أصبح المواطن يستخدمها فى تشغيل عقله، لذا فقد أصبح النظام هو الآخر يعيش حالة فوبيا من المواطن، فلم يعد غريباً أن نجد المسؤولين يتراجعون عن تصريحاتهم الوردية بدعوى أنها كانت من دواعى المرحلة، أو القيام ببعض المشروعات غير المجدية بدعوى رفع الروح المعنوية، كل ذلك نتيجة حالة الفوبيا التى يعيشها هذا المسؤول أو ذاك، وهو الأمر الذى كان يجب أن يطرح قضية على قدر كبير من الأهمية تتعلق بإمكانية وجود عقد اجتماعى بين القيادة والمواطن ينطلق من احترام كل منا لعقلية الآخر بدلاً من محاولات نشر الخوف على مدار الساعة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان