رئيس التحرير: عادل صبري 07:57 مساءً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

القـاضى مظـلوماً!!

القـاضى مظـلوماً!!

مقالات مختارة

عبد الناصر سلامة

عبد الناصر سلامة يكتب

القـاضى مظـلوماً!!

نقلا عن المصري اليوم 26 يوليو 2017 18:36

المستشار أنس عمارة، النائب الأول لرئيس محكمة النقض، تقدم بطعن أمام دائرة طلبات رجال القضاء بمحكمة استئناف القاهرة، بسبب استبعاد القرار الجمهورى تعيينه رئيساً لمحكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى، استند المستشار عمارة فى دعواه إلى مخالفة القرار الجمهورى للدستور الذى أقر مبدأ الفصل بين السلطات، وأن تخطيه فى التعيين رغم أقدميته يعد تدخلاً من السلطة التنفيذية بشأن السلطة القضائية، أيضاً المستشار يحيى دكرورى، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، تقدم هو الآخر بتظلم لرئيس الجمهورية بسبب استبعاده من رئاسة مجلس الدولة رغم أحقيته، ومن المنتظر أن يتقدم بطعن أمام القضاء.

 

نحن هنا أمام شخصيتين قضائيتين من الوزن الثقيل، أمام النائب الأول لرئيس محكمة النقض، والنائب الأول لرئيس مجلس الدولة، قيادات القضاء هى التى تتظلم هذه المرة فى سابقة هى الأولى من نوعها، التظلم هنا من رئيس الجمهورية، من أعلى سلطة فى البلاد، لم نسمع منذ عام ١٩٦٩ عن تظلمات قضائية بهذا الشكل، كانت هناك فى ذلك التاريخ ما تسمى مذبحة القضاة، لم تتكرر هذه الأزمة منذ ذلك الحين سوى فى الأعوام الأخيرة، تم فصل عشرات القضاة مؤخراً، لم تفلح تظلماتهم، لم يستطيعوا حتى الالتحاق بنقابة المحامين، هو الإجحاف فى أبشع صوره، الآن امتدت الأزمة للقيادات وإن كانت فى شكل آخر.

 

الشائع أن استبعاد المستشار عمارة من رئاسة محكمة النقض جاء نتيجة علاقة صداقة تجمعه بزميل له فى العمل محسوب على تيار بعينه لا يروق للسلطة التنفيذية، الشائع أيضاً أن استبعاد المستشار دكرورى من رئاسة مجلس الدولة جاء نتيجة إصداره حُكماً بتبعية جزيرتى تيران وصنافير لمصر، حيث كان يرأس الدائرة التى نظرت القضية فى محكمة القضاء الإدارى، وهو الحكم الذى لا يروق للسلطة التنفيذية أيضاً، الشائع فى الوقت نفسه أنه بسبب هذا وذاك تم تعديل قانون الهيئات القضائية ليسمح باختيار غيرهما وإلغاء مبدأ الأقدمية الذى كان معمولاً به من قبل.

 

بالتأكيد لو أن هذين السببين هما سر الأزمة، فنحن نعيش فى شبه دولة ولا خلاف أبداً فى ذلك، بالتالى لا أمل فى طعن الأول، ولا فى تظلم الثانى، أما لو أن الأمر غير ذلك فقد كان حرياً بالسلطة الرسمية التى دأبت على تغيير القانون، ثم بعد ذلك إصدار القرارات المناوئة، إصدار بيان توضيحى يكشف الأسباب الحقيقية، لماذا كان الإصرار على تغيير القانون بآخر مطعون على دستوريته الآن، ولماذا كان الإصرار على تجاوز من لهم الحق بآخرين فى تدخل سافر بحق السلطة القضائية وشؤونها الداخلية.

 

هناك من الوقائع الكثيرة التى نسمعها من كبار رجال القضاء الآن تحديداً بشأن ممارسات مشهودة للرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك حول القضاء ورجال القضاء، كانا ينتصران دائماً للقضاء والقضاة، كانا يقدران للقضاء قدره، ولرجال القضاء قدرهم، وتثبت الوقائع أيضاً أنه لا يجوز بأى حال العناد مع إحدى السلطات أو الهيئات العاملة فى البلاد، ذلك أن الهدف النهائى من عمل هذه وتلك هو الصالح العام للدولة المصرية، هو صالح عام البلاد والعباد، لسنا أبداً أمام صراع سلطات أو صراع أجهزة، وإلا لتراجعنا من مرحلة شبه الدولة إلى مراحل أخرى أكثر تدنياً.

 

لا أعتقد أبداً أن تظلم القاضى أمر طبيعى فى أى مجتمع، كما لا أعتقد أن التظلم من رئيس الجمهورية كذلك، بالتأكيد هى أوضاع نشاز، ذلك أن التظلم يكون أمام القاضى، كما أن الاحتكام فى النهاية يكون أمام الرئيس، أما وقد انقلبت الأوضاع بهذا الشكل، فهو جرس إنذار بأن هناك أمراً ما خطأ، قد تكون هناك أوضاع كثيرة خطأ، إلا أن الأمر حينما يتعلق بالقضاء، أو يمس القضاة، يجب أن ينتفض المجتمع، ذلك أن العدالة أصبحت فى خطر، بمعنى أدق أصبحنا جميعاً فى خطر.

 

المؤكد هو أن قانون الهيئات القضائية الذى تم تعديله سوف يعاد تعديله مرة أخرى يوماً ما ليعود إلى سيرته الأولى، وسوف نتذكر هنا أن دائرة شؤون القضاة بمحكمة النقض قد ألغت ذات يوم جميع القرارات الجمهورية التى صدرت فى مذبحة ٣١ أغسطس عام ١٩٦٩ السابق الإشارة إليها، والتى تضمنت عزل ١٢٨ قاضياً وعادوا جميعاً إلى أعمالهم، المؤكد أيضاً هو أن التاريخ سوف يسجل ما نحن فيه الآن بالسوء فى رسالة إلى الأجيال المقبلة تحمل الكثير من الدلالات، المؤكد أيضاً أننا أصبحنا أمام واقعة تاريخية سوف تدرَّس مستقبلاً لرجال القانون والقضاء باعتبارها نموذجاً صارخاً فى التعدى على السلطة القضائية والتدخل فى شؤون القضاء لأسباب واهية شكلاً ومضموناً.

 

لنا أن نتخيل أن ساحات القضاء بدلاً من أن تتفرغ لقضايا العامة من المضارين والمطحونين، أصبحت فى معظمها، إداريةً كانت أو جنائية أو حتى ابتدائية، تكد وتكدح فى قضايا تصفية حسابات، سواء مع أفراد أو جماعات أو هيئات، فى الوقت الذى كان من المفترض فيه إرساء قواعد العدل والمساواة فى المجتمع عموماً، أما وإن كان رجال القضاء قد افتقدوا هذه القواعد، التى لم يستطيعوا إرساءها فيما بينهم، فكيف لهم تحقيقها بين الناس؟!

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان