رئيس التحرير: عادل صبري 01:07 مساءً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الصين والولايات المتحدة.. المواجهة المحتومة

الصين والولايات المتحدة.. المواجهة المحتومة

مقالات مختارة

بقلم حسن منيمنة

حسن منيمنة يكتب:

الصين والولايات المتحدة.. المواجهة المحتومة

الحياة 23 يوليو 2017 14:29

يشكل كل من "التهديد الإرهابي الإسلامي" والتحرك المريب الروسي تحدياً آنياً للولايات المتحدة في سعيها المرتبك إلى إعادة رسم موقعها في النظام العالمي.

 

ففيما واشنطن متهمة من أطراف عدة بأن مسعاها توسعي استيلائي، فإن الخطاب المدوي لكل من الحكومتين الأميركيتين الحالية والسابقة هو في كيفية الانكفاء والتخلي عن دور شرطي العالم، وإن اختلفت لهجة الخطاب بين الأمس واليوم، إذ كان التعويل على التعاون الدولي والمسؤولية العالمية بالأمس، واليوم هناك ضرب عرض الحائط بما لا يعود على الولايات المتحدة بالفائدة الآنية.

 

لكن التحديين، الإرهابي والروسي لا يتجاوزان إطار التعكير والإرباك. فالمنظمات الإرهابية إن كانت قادرة على بعض الإضرار بالولايات المتحدة، فإن الثمن الذي تدفعه حواضنها، الطوعية والمكرهة، مقابل هذه الإنجازات الواهية، هو الخراب المميت. وروسيا، إذ تسجّل النقاط بفعل التوظيف الفعّال للكفاءات التي لا تزال تملكها، تعاني انحدارا بنيوياً واجتماعياً يقلل احتمالات نجاحها في إدامة هذا التسجيل. أما التحدي الطويل المدى والسائر، في ما يبدو، باتجاه التفاقم فهو الذي تشكله الصين كقوة عظمى ناشئة من شأنها أن تنضج في المستقبل المنظور. ومن حيث النية على الأقل، فاحتواء الصين، أو ضمان عدم الاندفاع المخل بالتوازنات في تقدمها، كان أحد المحركات الأساسية للرؤية السياسية لحكومة أوباما، كما كان في صلب الخطاب التعبوي لترامب.

 

فاقتصاد الصين، وفق بعض المعايير، ينافس اقتصاد الولايات المتحدة على الموقع الأول عالمياً. وإذا كان ثمة تكلّف في هذه المعايير المنتقاة، فالنمو الاقتصادي الصيني، وإن تراجع عمّا كان عليه قبل أعوام، يسير باتجاه احتلال المنصب الأول عالمياً في مرحلة قريبة وفق المعايير الأكثر اعتباراً. لكن الجانب المثير للقلق الاقتصادي أميركياً إزاء الصين هو في رجحان كفة التبادل التجاري بين البلدين لمصلحة الصين في شكل هائل، ما يضاعف المديونية الأميركية للصين، وهي اليوم في مستويات قياسية. ولكن أن يكون جزء مهم من الثروة الصينية سندات وصكوكاً أميركية فهو سيف ذو حدين، يجعل استمرار النفوذ المالي الأميركي حاجة صينية. من هنا، اعتبر بعض المتابعين الشأن الصيني في الولايات المتحدة أن العلاقة بين البلدين على الاختلاف العميق في ثقافتيهما ونظاميهما واقتصاديهما، تجعلهما منظومة واحدة.

 

وقد يكون الأمر كذلك على المستوى النظري والبعد التاريخي. أما في الواقع الآني، وآفاق التطورات المرتقبة في العقود المقبلة، فإن الصين تشكل تحدياً للتفوق والنفوذ الأميركيين بدرجة تتجاوز كلاً من التحديين الإرهابي والروسي. وفيما الامتداد الصيني في الساحات الدولية المختلفة ما زال في مراحل مبكرة، فإن تحقق هذا الامتداد مسألة وقت وحسب. فنمو الصين الاقتصادي يتطلب توسيعاً مستمراً للأسواق، وتراكم الأرصدة في الصين يفتح المجال أمام طموحات استثمارية مختلفة. والقدرة على تصدير الكفاءة والتمويل تجعل من الصين شريكاً مرغوباً في أكثر من موقع.

 

وإذا كانت الصين استعجلت الدخول إلى القارة الأفريقية العقد الماضي، فإن خطواتها أكثر تأنياً واستدامة اليوم في كل من أوروبا وأميركا الجنوبية، إضافة طبعاً إلى الولايات المتحدة ذاتها. وفي حين أن الصين، المعزولة تاريخياً، لا تزال في مرحلة التأسيس لمشروع التواصل مع الثقافات والمجتمعات المختلفة في المناطق البعيدة منها، فإن تنامي الشعور القومي الصيني، لا سيما في بعده الثقافي، يجعل عودتها إلى جوارها، على مستوى الحضور الثقافي كما الاقتصادي والسياسي، مسألة أكثر حزماً واندفاعاً.

 

وهنا بالتحديد تصطدم المصالح الصينية والأميركية.

 

فالولايات المتحدة، حتى في التصورات الانكماشية لدورها العالمي، تحتاج إلى المحافظة على علاقات مميزة، بل رئيسية، مع دول شرق آسيا وجنوب شرقها، وهي الدول التي تعتبرها الصين جوارها القريب.

 

وعلى رغم حديث الرئيس الأميركي السابق عن «التحول إلى آسيا» كتبرير لتخفيض الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط، فإن الأمر كاد يقتصر على المزاعم. في المقابل، فإن رد الفعل الصيني كان مسعًى صارماً لتأكيد النفوذ، لا سيما من خلال بناء قوة بحرية كفيلة بفرض الرأي الصيني في قضايا الجزر المتنازع عليها مع الدول المجاورة لها. والوضع لم يتبدل مع وصول ترامب إلى الرئاسة، بل يبدو كأن الصين تستفيد من المد والجزر في مواقف حكومة ترامب لتعزيز مواقفها، فإذا بدا من واشنطن بعض الليونة، قابلته بكين بالتمدد، وإذا ظهر على اللهجة الأميركية بعض التشدد كان الموقف الصيني متشدداً أيضاً. والنتيجة أن القادر على الرضوخ في منطقة الجوار الصيني، يرضخ، كحال الفيليبين في ظل حكم دوتيرتي، فيما يعمد غير القادر على الرضوخ، من تايوان إلى فيتنام، إلى المناورة، مع الإدراك المتصاعد بأن التعويل على واشنطن لم يعد دائم الصواب.

 

وقد تكون مسألة كوريا الشمالية النموذج الأوضح في شأن تهاوي الموقف الأميركي إزاء الأداء الصيني. فتعويل ترامب على قيام الصين بتنفيس الأزمة المستفحلة لم يكن مبنياً على قراءة للمصلحة الصينية، إذ هذه تقتضي إدارة الأزمة لا تنفيسها، بل على قناعة ذاتية لدى الرئيس الأميركي بأنه بنى علاقة شخصية مع نظيره الصيني تسمح بالاطمئنان إلى أن الرياح ستجري كما تشتهيه السفينة الأميركية.

 

فخيبة الأمل لدى ترامب من أن الصين لم تضغط على كوريا الشمالية ليست عائدة إلى وعود صينية لم تنفذ، بل إلى الاعتماد على أن الترابط بين الولايات المتحدة والصين، مدعوماً باقتناع ترامب بقدرته على الإقناع، ما زال العامل الفصل في سياسة بكين.

 

لا شك في أن العلاقة بين البلدين لا تزال ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الصين، لكن الواقع الذي تتردد الولايات المتحدة في التفاعل معه هو أن هذه الأهمية تتضاءل مع تبدل الموازين بين الجانبين. ثم إن استمرار أهميتها ليس العامل الأوحد في صوغ القرار الصيني. فالرؤية من واشنطن إلى الحال القائمة اليوم هي أن عناصر المواجهة بين الصين والولايات المتحدة قائمة، غير أنها ملجومة بالترابط الاقتصادي بين الدولتين. إلا أن هذه العناصر سائرة إلى ارتفاع، فيما أهمية الترابط تتراجع وإن رويداً. هي إذاً مواجهة أكيدة، وإن بقيت مؤجلة إلى أمد.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان