رئيس التحرير: عادل صبري 07:12 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أحببت حذاءك يا رجل!

أحببت حذاءك يا رجل!

مقالات مختارة

ترامب خلال لقاء الرئيس السيسي

حسن حنفي يكتب:

أحببت حذاءك يا رجل!

نقلا عن المصري اليوم 29 يونيو 2017 14:20

عبارة قالها الرئيس الأمريكى الجديد لتحية الرئيس المصرى وهو فى طابور الرؤساء العرب الذين يحييهم الرئيس الأمريكى فى الرياض التى يزورها لأول مرة قبل القاهرة.

 

فالميزان قد مال ناحية السعودية والخليج بعيدا عن الغرب العربى والشام بعد أن كانت مصر ميزان التعادل فى الوطن العربى. فمصر مثل باقى الدول العربية لا أكثر إن لم يكن أقل. فليس لديها المليارات التى عقدت بها السعودية الصفقات التجارية بما فى ذلك السلاح مع الجانب الأمريكى. فإيران على الضفة الأخرى من الخليج. وأمريكا فى عصر الرئيس الجديد يعتبرها عدوه الأول.

 

وفى علم نفس اللغة تكشف اللغة عن البناء النفسى للمتكلم وعن تصوره للعالم. وقد تم تطبيق ذلك على خطابات كثير من الرؤساء. وبالتالى تكشف هذه العبارة التى قالها الرئيس الأمريكى مستقبلاً الرئيس المصرى عن ثلاثة أشياء: أولاً، بدأت العبارة بضمير المتكلم أى البداية بالأنا وليس بالآخر، مما يدل على الاستكبار والغرور.

 

ولم يبدأ بالآخر، موضوع التحية. ثانياً، «أحببت» أى أن السياسة ليست موضوعا بل مجرد محبة أو كراهية، مثل محبة إسرائيل وكراهية إيران. ظاهر العبارة محبة وصداقة، وباطنها إقلال وتصغير طبقا لقسمة اللفظ أو العبارة إلى ظاهر وباطن كما يفعل الصوفية. والحذاء أقل ما فى الإنسان. الجزء الأسفل منه، القدم، الملتصق بالأرض وعدم نظافتها، وليس الرأس المتطلع إلى السماء وصفائها. وهو فى الأمثلة الشعبية صورة سيئة للقذف فيقال «مخك كالجزمة».

 

وقد اشتهر خروتشوف، رئيس الاتحاد السوفيتى السابق، عندما كان فى عصر القوة والتحدى بوضع حذائه على المنضدة متهكما على الولايات المتحدة التى كانت فى قمة العداوة له. لم يرَ الرئيس الأمريكى فى الرئيس المصرى الأهرامات وأبا الهول ومعبد الكرنك والقلعة والأزهر والحسين والسد العالى ونجيب محفوظ وكل ما أبدعته مصر الحديثة أو الشجاعة فى عقد معاهدة سلام مع إسرائيل قبل أن تنسحب من جميع الأراضى العربية المحتلة، الضفة الغربية والجولان إلى حدود الرابع من يونيو 1967. ثالثا، حرف النداء «يا» وكأن المنادى مجهول. وهو غير ضمير المخاطب «الكاف» فى «فخامتك» الذى يدل على الاحترام حتى وإن كان مبالغا فيه.

 

والأخطر فى العبارة كلها «رجل» man وكأن المنادى عليه مجهول، مجرد رجل بدلا من أن يقول «أيها الرئيس». فقد أعطى لقب «رئيس» لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية ومناداته باسمه فى «الرئيس عباس» ولم يناد رئيس جمهورية مصر العربية وترتيب جيشها الحادى عشر من حيث القوة على مستوى جيوش العالم. وبتحليل علم نفس الإشارة، جلس الرئيس الأمريكى بطريقة الأستاذ والمعلم وباقى الرؤساء المستقبلين أمامه كالتلاميذ الذين يسمعون ما يقوله الأستاذ بتشبيك اليدين وضم الركبتين. يكفيهم فخرا أن الرئيس الأمريكى يستقبلهم وهم فى بلدهم.

 

فى حين كان يُلقب الرئيس الأمريكى بفخامتك، وعظمتك، وسيادتك. وهناك صورة شهيرة للملك فاروق جالسا وحوله الرؤساء العرب وقوفا وقبل أن يصبح عبدالناصر زعيما للأمة العربية، وأحد رواد القومية العربية.

 

فبعد ربط الإسلام بالإرهاب يتم احتضان الإسلام من جديد فى الناتو العربى الإسلامى الأمريكى الإسرائيلى. ويحقق حلم رئيس وزراء إسرائيل بزيارة الرياض.

 

وتنتهى عقبة الإسلام المانع من السلام والمقاوم للاحتلال كما فعل بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق مع القاهرة. والدوحة على استعداد لمواصلة السلام السياسى بعد السلام الاقتصادى الحادث الآن. وهو حلف تتشابه أنظمته فى الاستبداد.

 

ولا يؤيد ثورات الشعوب من أجل الديمقراطية. فهو حلف فى صالح الأنظمة الحاكمة، وليس فى صالح الشعوب المغلوب على أمرها. هو حلف يستبعد مؤقتا سوريا والعراق والمغرب العربى كله لأن هذه الأطراف فى الوطن العربى لا تمثل طوقا أو حزاما لخنق طهران كالسعودية والخليج.

 

ومصر مستعدة لعمل أى شىء لحل أزمتها الاقتصادية، ومعاونتها فى القضاء على الإرهاب. فالحل أمنى من الخارج وليس سياسيا من الداخل. هدف الحلف الجديد هو تحويل العداء من إسرائيل التى تحتل الأراضى العربية إلى إيران.

 

وتنتهى أسطورة مصر التاريخية بأنها أم العرب، ومركز ثقلهم. ومع ذلك يتم التنسيق بين روسيا وأمريكا وتركيا وإيران لحل القضية السورية مع استبعاد مصر، حليفتها التقليدية فى النصر والهزيمة وفى الفكر القومى.

 

رأى الرئيس الأمريكى كما تكشف عبارته للرئيس المصرى «أحببت حذاءك يا رجل» عن أنه لا يعرف تاريخ مصر. فهى لا تنام حتى تستيقظ. ولا تستيقظ حتى تنام. هى دورة تاريخية قد تقصر وقد تطول. وقد علقت وكالات الأنباء على هذه العبارة بأنها نكتة سخيفة من رئيس أكثر سخفا. لم يتعلم بعد ما هى الدبلوماسية.

 

أتى من البورصة إلى الكونجرس. عقله ولسانه فى البورصة، وجسده فى الكونجرس. والعرب هم الأسهم التى يضارب فيها. والمضارب فى البورصة قد يكسب وقد يخسر. والأسهم قد تفيق تطالب بالاستقلال. فلا يمتلكها أحد. فإذا خسر فقد ضاعت مضاربته. وإذا كسب وفلت المكسب من بين يده فقد ضاع كل شىء.

 

وهذا جزاء من يكبر نفسه مع الكبار، ويستصغر غيره مع الصغار. وأن نفس الحذاء الذى يثير محبة الناظر إليه هو نفس الحذاء الذى يضرب «الشلوت» إذا ما اتضح فى وجه المعجبين. وهو نفس الحذاء الذى عبر القناة فى أكتوبر 1973. والموجة التى ترتفع إلى السماء هى نفس الموجة التى تهبط إلى الأرض.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان