رئيس التحرير: عادل صبري 07:18 صباحاً | الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م | 05 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

السلطوية والإرهاب وسوسيولوجيا الوجود المشترك

السلطوية والإرهاب وسوسيولوجيا الوجود المشترك

مقالات مختارة

تفجير كنيسة طنطا

السلطوية والإرهاب وسوسيولوجيا الوجود المشترك

طارق أبو العينين 26 أبريل 2017 17:08

هناك سؤال يطرح نفسه بقوة في مصر عقب موجة الإرهاب التي شهدتها البلاد أخيراً متمثلة في تفجيرين انتحاريين استهدفا كنيستين في طنطا والإسكندرية، ثم إذاعة «داعش سيناء» فيديو يكشف فيه قنص جنود مصريين، وهو: لماذا تفشل دائماً المواجهة الأمنية وحدها في مكافحة الإرهاب والقضاء عليه؟ فمصر شهدت منذ مطلع الثمانينات وحتى نهاية التسعينات موجة إرهابية عاتية انحسرت بقيام الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد بمراجعة فكرية داخل السجون برعاية أجهزة الأمن تكللت بمبادرة لوقف العنف، ظنَّ معها كثيرون أن الإرهاب الأصولي انتهى إلى الأبد.

لكن عودة الإرهاب في مصر بتلك القوة والعنف تعني أن الدولة قد أحرزت انتصاراً موقتاً على المستوى الأمني بينما أخفقت تماماً على المستوى الفكري، فعاد الإرهاب ليطل برأسه من جديد. ولهذا الإخفاق على مستوى معركة الأفكار أسبابه التي تتعلق أولاً بتكلس وجمود السياق السياسي والمجتمعي الذي يدور فيه الصراع بين السلطة والإرهاب. وتتعلق ثانياً بالحقائق والمعتقدات الوجودية التي ينطلق منها كلا الطرفين في السياق ذاته.

ووفق ما أشار منظر علم إجتماع المعرفة الهنغاري كارل مانهايم في كتابه «الأيديولوجيا واليوتوبيا»، فإنه في العالم المضطرب فقط حين تُخلق قيم جديدة وتدمر قيم قديمة، يمكن أن يذهب الصراع بين فكرتين إلى الحد الذي يسعى فيه كل الخصوم ليس فقط إلى إبادة المواقف والمعتقدات لدى بعضهم بعضاً بل إلى إبادة القواعد الفكرية ذاتها التي تستند إليها تلك القناعات والمواقف، ولكن مع بقاء الظرف السياسي والمجتمعي على حالته.

وفي ظل قوتين تحركهما الحقائق الوجودية نفسها، نكون بصدد عصبة في مواجهة عصبة وفق وصف مانهايم. ولذلك يمكن الجزم بأن فشل السلطة المؤكد في استثمار ثورة شبابية فريدة كثورة يناير التي جمعت بين الحداثة على مستوى القيم والمطالب وبين ما بعد الحداثة على مستوى توظيف التكنولوجيا لتحريك الجماهير، يصب بكل تأكيد في اتجاه خلق البيئة الملائمة لنمو الإرهاب فكرياً وذلك لتضاؤل فرص استئصاله في ظل عملية إعادة إنتاج السياق السياسي والمجتمعي نفسه لنظام مبارك بل وإعادة وجوهه إلى صدارة المشهد واعتبار أن تلك العملية هي في حد ذاتها الضمانة الوحيدة الممكنة لاستئصال الإرهاب. وتلك مفارقة تاريخية ومعرفية عجيبة تحدث الآن في مصر برعاية الدولة وتأييده. هذا في ما يتعلق أولاً بجمود السياق السياسي.

أما في ما يتعلق ثانياً بحقائق ومعتقدات الوجود، فإن الأصوليات الدينية والشموليات السلطوية التي تعتمد على الرؤية الأمنية لتفسير ما يحدث حولها من أحداث، يجمعهما ما يطلق عليه سيغموند فرويد «الليبيدو»، أي الطاقة الحيوية والعاطفية المحركة التي تؤطر تنظيماً أو كياناً جماهيرياً من خلال توحيد دوافعه للفعل وإيجاد روابط وجدانية وعاطفية بين أفراده وجماهيره. ويعتقد فرويد في كتابه «علم نفس الجماهير» بأن جماعات المؤمنين والمؤسسات الأمنية والنظامية يشكلون جمهورين اصطناعيين يقوم تلاحمهما على إكراه خارجي يمنع أي تعديل في بنيتهما، كما يقوم على أسطورة الحضور المرئي أو غير المرئي لزعيم يحب جميع أعضاء الجماعة حباً متعادلاً.

وهو ما يعني أن أي سلطة إذا أرادت القضاء على الإرهاب فإنه ينبغي عليها أولاً الإستجابة للمتغيرات السياسية والمجتمعية حولها والتعاطي معها بمرونة. كما ينبغي عليها ثانياً أن تفتح الأفق السياسي لمعالجات فكرية حقيقية تقود وتوجه الأدوات الأمنية ولا تنفيها. وهذان المطلبان لا يمكن أن يتحققا في مصر من دون مصالحة بين الدولة والثورة أو بمعنى أدق بين السلطة والشباب. فتلك هي الضمانة الوحيدة لكسر الإطار السياسي المتكلس الذي أفرز سوسيولوجيا الوجود المشترك بين السلطوية والإرهاب، وذلك من خلال تعميق مسار الديموقراطية وتأكيد مجمل الحقوق والحريات المترتبة عليه. ولكن الاعتماد على الحلول الأمنية والقوانين الاستثنائية كقانون الطوارئ كأدوات وحيدة لمواجهة الإرهاب مع إعادة إنتاج الثورة المضادة بقيمها ورموزها ستؤدي في النهاية إلى توسيع إطار سياسي منغلق ومتكلس يعضد سوسيولوجيا الوجود المشترك للسلطوية والإرهاب.

ــــــــــــــــ

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان