رئيس التحرير: عادل صبري 02:35 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

قرن على مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى

قرن على مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى

مقالات مختارة

الحرب العالمية الأولى - أرشيف

برونو كابانْ يكتب:

قرن على مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى

الحرب العالمية الأولى مَعْلم انعطاف في تاريخ الولايات المتحدة. ففي المضمار الاقتصادي والمالي، بوأت الصادرات والقروض التي قدمتها الحكومة إلى الدول الحليفة الولايات المتحدة المكانة الأولى في العالم.

 

وفي ميدان الديبلوماسية، تنازعت العلاقات الدولية غداة الحرب عقيدتان هما البلشفية (السوفياتية) والويلسونية (نسبة إلى الرئيس الأميركي يومها، وودرو ويلسون).

 

وشهدت العلاقات الدولية الانعطاف الأقوى في حرب 1914-1918، فأوْلت الولايات المتحدة دوراً بارزاً وراجحاً. وبينما قصر مذهب (أو مبدأ) مونرو، في 1823، العمليات الحربية الأميركية على كوبا وبورتوريكو (1898)، أي على نطاق جغرافي قريب، شنت قواتها حرباً على جبهة تبعد 10 آلاف كلم عن سواحلها، في الفيليبين إبان الحرب الأسبانية- الأميركية (1898-1902)، وفي غوام وهاواي. وهذه الحرب وثقت ولادة الإمبريالية الأميركية.

 

وكانت هذه الحرب ذريعة أعلت مكانة واشنطن الرمزية، ومسرح اختبار ميداني وعملي، معاً. فالجنرال بيرشينغ، على سبيل المثل، وهو قاد الحملة الأميركية العسكرية التي نُقلت إلى أوروبا منذ حزيران (يونيو) 1917، سبق أن تولى مهمات قيادية كبيرة في حروب كوبا والفيليبين والمكسيك (1916-1917، الحرب على بونشو فيللا). وفي هذه الحرب، استعمل الجيش الأميركي، أول مرة، شاحنات تموين. وجدد الاستعمال في فرنسا، بعد أشهر قليلة على اختبارها في المكسيك.

 

واختارت واشنطن، في 1914، حين اندلاع النزاع بأوروبا، التزام الحياد بين المعسكرين. فهي أمة مهاجرين يتحدرون من بلدان المعسكرين، الحلفاء والمحور، على حد سواء. وحرصت إدارة الرئيس ويلسون على رعاية شكل من أشكال الوحدة الوطنية. وكانت الدولة الأميركية الشمالية تفتقر إلى العدة العسكرية التي يحتاج إليها تدخل وازن على المسرح الأوروبي.

 

ففي 1917 كان عديد الجيش المحترف يناهز 127 ألف جندي، وهو عديد الجيش البلجيكي في 1917. ويعد الحرس الوطني، ومعظمه يرابط على حدود المكسيك، 181 ألف رجل. والرأي العام الأميركي لم يجنح إلى الحرب في صف الحلفاء، إلا تدريجاً وعلى وقع الحوادث الدولية.

 

ففي 1915، نشر تقرير برايس بلندن، وتناول «الفظائع الألمانية» المرتكبة في 1914 (ببلجيكا وشمال فرنسا). فكان للشهادات التي أذاعها تقرير الديبلوماسي الأميركي ولجنته وقع عميق.

 

وصادف نشر التقرير، في 7 أيار (مايو)، غرق سفينة «لوزيتانيا» بقصف غواصة ألمانية في عرض البحر قبالة إرلندا، وبين المسافرين 128 مواطناً أميركياً قضوا في الواقعة المأسوية. وتردت صورة ألمانيا مع المجازر التي ارتكبها حليفها العثماني في السكان الأرمن، ثم مع إغراق القصف الألماني سفية «سوسِّكس» في أثناء اجتيازها بحر المانش في 24/3/1916. وتعهد الألمان إلى الولايات المتحدة، غداة غرق «سوسِّكس»، بألا يتعمدوا قصف سفن تقل مسافرين مدنيين.

 

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1916 جدد الناخبون للرئيس ويلسون الولاية. وكان شعار الحركة: «جنَّبنا الحرب». ولكن ألمانيا استأنفت استفزازاتها وأعمالها العدوانية. فاقترحت على المكسيك عقد حلف عسكري مناوئ لواشنطن، وذاع خبر البرقية الألمانية (برقية زيمرمان) في 16 كانون الثاني (يناير) 1917، وعجَّل انفجار أزمة ديبلوماسية.

 

وفي 30 من الشهر أعلن الألمان استئنافهم الحرب البحرية من غير قيد. وأتبعوا الإعلان بمهاجمة سفن أميركية من غير إنذار، أسفرت عن غرق 70 بحاراً يخدمون على متن سفينة سياحية كبيرة. وفي ألمانيا، كان الفريق الداعي إلى الحرب البحرية على يقين من أن هذه الحرب هي السبيل الوحيد إلى التغلب على الحلفاء اقتصادياً قبل انخراط الولايات المتحدة المحتمل في الحرب.

 

وبادر الرئيس ويلسون إلى قطع العلاقات الديبلوماسية بألمانيا في 3/2/1917. وفي 19/3، أغرقت غواصات ألمانية 3 سفن أميركية «سيتي أوف ممفيس»، و «إيلينوي» و «فيجيلانسيا». فاقتنع ويلسون في اليوم التالي بأن لا مناص من التدخل الأميركي.

 

وأقر الكونغرس الأميركي، في 6 نيسان (أبريل)، التدخل بـ373 صوتاً، وعارضه 50. ومع دخول واشنطن الحرب أعلنت الإدارة عن إنشاء جيش ممن يستدعون إلى الخدمة العسكرية، في 18 أيار (مايو). فسجل 10 ملايين متقدم للخدمة، سنهم بين الـ21 سنة والـ31. وبلغ عدد المسجلين في الشهر الثامن من 1918، 24 مليوناً سنهم فوق الـ18 سنة وأقل من 45 سنة. وأعفي من الخدمة القتالية المتزوجون الذين يعيلون أسرهم، وعمال الصناعات الحربية، والراهبات، و20 في المئة من المتذرعين بداعي الضمير.

 

وأعفي واحد من 3 مجندين لأسباب صحية. ورسا عدد من استوفوا شروط الخدمة على 6.5 مليون جندي، كان 4.8 مليون منهم يقاتلون في وقت واحد. وكانت فرنسا، على سبيل المقارنة، عبأت 3.8 مليون جندي في صيف 1914، وبلغ عدد من حملوا السلاح طوال الحرب نحو 8 ملايين.

 

وشهد المجتمع الأميركي في 1917-1918 تحولات قوية الشبه بتلك التي شهدتها مجتمعات أخرى شاركت في الحرب، مثل رواح المجندين وتنظيم الأسرة بناءً على رواحه، تعبئة اليد العاملة تلبية لحاجات الحرب، تولي النساء العمل في المصانع الكبيرة وذات الأجور العالية وحصولهن بعد الحرب (في 18/8/1920) على حق الاقتراع، تقييد الحريات العامة ورعاية تعبئة ثقافية محمومة عامة.

 

واختبرت الحرب تماسك مجتمع يتألف من جماعات عرقية ومصادر وطنية متفرقة. فبين من دعوا إلى القتال 500 ألف أميركي شاب هم من مهاجري الجيل الأول، نصفهم لا يتقن الإنكليزية ويحول دون التدريب العسكري السريع. وبعض الجماعات مشكوك في ولائها لقضية الحلفاء، مثل الأميركيين المتحدرين من أصول إرلندية تكن عداء للإنكليز. والأميركيون من أصول ألمانية، وبلغ عددهم 2.5 مليون عند منعطف القرن العشرين، جمعوا في باب «أعداء الأمة».

 

وامتحنت الحرب التماسك الوطني الأميركي قبل انخراط الولايات الرسمي في الأعمال العسكرية. فمنذ 1914، سارت تظاهرات حاشدة نددت بالجماعة الألمانية في معظم مدن الوسط الغربي. وفي أنحاء البلاد، وفي حي مدينة كولومبوس (ولاية أوهايو)، بدلت أسماء الشوارع الألمانية: شيلير وجرمانيا وكازير وبسمارك بأسماء وايتيير وستيوارت ولير ولانسينغ، تباعاً.

 

ودخول الحرب فاقم التوترات العرقية وغذاها. وزعم أميركيون كثر أن تعبئة السود الأميركيين غير مجدية، وقد تهدد الانخراط الأميركي. وسرت، منذ 1915، شائعة زعمت أن السود في تكساس تحالفوا مع المهاجرين المكسيكيين على إعداد اجتياح للولايات المتحدة تسانده ألمانيا! وفي أثناء سنتي الحرب، اندلعت أعمال عنف عرقية في 2 و3/7/1917، خلفت اضطرابات شبت في مدينة إيست سانت لويس بإيلينوي حوالى مئة ضحية.

 

وغداة شهر ونصف الشهر على الحادثة، اعتدى جنود سود، من فوج المشاة الرابع والعشرين، على شرطة هيوستن، وعلى بعض السكان البيض، رداً على توقيف الشرطة واحداً منهم. فأحيل 156 مشاغباً على المحكمة العرفية، ودين 19 منهم بالإعدام شنقاً. وحرّض شغب هيوستون «أنصار تفوق العرق الأبيض» ودعاة المساواة في الحقوق المدنية.

 

والجنود الأميركيون الذين أنزلتهم سفن النقل البحرية على الأراضي الفرنسية كتبوا إلى أهلهم رسائل قلما تفصح عن رأيهم في الحرب أو في أهدافها. ووصفوا فرنسا بـ «البلد القديم» و «المثقل بالتاريخ»، حيث معظم النساء يرتدين اللون الأسود. ومعظمهم حسبوا، شأن قائد الحملة الجنرال بيرشينغ نفسه، أن الحرب قد تدوم إلى 1920 أو 1919 على أقرب تقويم.

 

وأقامت القوات الأميركية في معسكرات تدريب قبل الانتقال إلى الجبهة. وأثار الأمر حفيظة الجنود الفرنسيين الذين أملوا في انخراط القوات الصديقة وغير المرهقة في القتال سريعاً.

 

وخالط الحفيظة إعجاب بفتوة الجنود وإقدامهم. وأكبر الجنود الأفريقيين الأميركيين مجتمعاً لا يزاول الفصل العرقي، وهم ما لبثوا أن نقلوا من تشكيلات المساندة والدعم إلى الوحدات المقاتلة.

وحين أقر الكونغرس دخول الحرب كانت ألمانيا في سباق مع الوقت. فقبل نهاية حربها على الجبهة الروسية، نقلت بعض قواتها إلى الجبهة تمهيداً لشن هجوم ضخم وحاسم يؤدي إلى فض الجبهة قبل أن تتمكن القوات الأميركية من التدخل والقتال.

 

وفي صباح 21/3/1918 هاجمت قوات ميكاييل الألمانية موقعاً بين مدينة أراس ونهر الواز. وتقدمت على نحو خاطف بلغ 15 كلم في اليوم الواحد. وتباطأت سرعة التقدم مع نضوب الإمداد بالرجال والعتاد والمدفعية، وبدأ هجوم الحلفاء المضاد في حزيران (يونيو) 1918. ومنذ تموز (يوليو)، أنزل الأميركيون في الشهر الواحد، في المرافئ الفرنسية، 250 ألف جندي.

 

وفي أول تموز انقلب ميزان العدد: حشود الحلفاء 4 ملايين وألفا جندي، بينهم 785 ألف أميركي. وبعد ثلاثة أشهر من أول تموز بلغ عدد القوات الأميركية مليوناً و850 ألفاً، وفاقوا المليونين حين إعلان الهدنة.

 

ومنذ دخولهم الحرب اشترط الأميركيون على الحلفاء الاحتفاظ باستقلال قيادتهم العسكرية. ولهذا الشرط بُعد سياسي يتيح للولايات المتحد إعطاء الصدارة لانتصاراتها، والمشاركة في مفاوضات السلام وإسماع رأيها.

 

وجاهر فرنسيون من جميع الأوساط بتحفظهم عن مساهمة الأميركيين في النصر، ونددوا باستعجال جنودهم العودة إلى بلادهم. وفي 28 حزيران (يونيو) 1918، يوم توقيع معاهدة فرساي، اندلعت اضطرابات في شوارع مدينة بريست، وهتف سكان المدينة البحرية: «انتهت الحرب أيها الأميركيون! ارحلوا حالاً!». ولاحظ المؤرخون مواطن ضعف في الدور الأميركي أبرزها افتقار القيادة إلى التنسيق، وإلمام سطحي بالميدان وبعمل المدفعية والمشاة.

 

ولا تنكر شجاعة جنودهم في معارك بوابيلو (6/1918) وسان ميشال (9-10/1918) والهجوم على جبهة موز- أرغون. ولا شك في أن المساهمة الأميركية كانت نفسية وعسكرية معاً في النصر النهائي.

 

* أستاذ كرسي دونالد وماري في أوهايو ستايت يونيفرسيتي، عن «ليستوار» الفرنسية، 4/2017، إعداد م. ن.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان