رئيس التحرير: عادل صبري 04:51 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الأسرة المصرية: من دولة الشريعة إلى الدولة الحديثة

الأسرة المصرية: من دولة الشريعة إلى الدولة الحديثة

مقالات مختارة

أسرة مصرية – أرشيف

هشام فهمي يكتب:

الأسرة المصرية: من دولة الشريعة إلى الدولة الحديثة

نقلا عن إضاءات 26 أبريل 2017 10:16

في العام 1899م قدَّم الشيخ محمد عبده تقريره حول «إصلاح المحاكم الشرعية»، وفي هذا التقرير نجده قائلاً:

لكن، ما الحال إذا ما عُرف أن هذا التصور عن «الإصلاح» كان تصورًا جديدًا تمامًا على التقاليد الإسلامية؟.

 

لماذا الإصلاح؟

يرى «دايفيد سكوت» أن السؤال، أي سؤال، يحمل مجموعة من الافتراضات هي التي تجلعه ممكنًا أصلاً، ثم وبناءً على هذه الافتراضات المتضمنة في السؤال تكون الإجابة.

 

ولعل من أكبر الأسئلة التي شغلت العقل الإسلامي بشكل خاص في القرن التاسع عشر كان سؤال: النهضة، أو «لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟». هذا السؤال يحمل افتراضات ضمنية تُصوِّر وجود خطّ طوليّ زمني شغل فيه الغربُ موقع الصدارة، بينما وقف المسلمون متأخرين جدًا؛ الأمر الذي يستدعي بالضرورة أن تكون الإجابة عن مثل هذا السؤال وافتراضاته بالبحث في أسباب «تقدم الغرب» ومحاولة محاكاتها بطريقة ما، حتى وإن لم تكن محاكاة تامة.

 

ولكن هناك ما هو أعمق في مقاربة سكوت للسؤال، فقد نتساءل: ما الدافعُ الذي يجعل من يتساءَل يقبل تلك الافتراضات على أنها مسلّمات منذ البداية؟، هل هي مجرد السلبية أو الجهل من طرف طارح السؤال؟. يُقدم «طلال أسد» جوابًا هامًا على هذه الأسئلة؛ إذ يرى أن وجود سلطة تمارِس الاضطهاد يستدعي وجود مقاومة تحاول صد إستراتيجية تلك السلطة المضطهدة، فإذا ما كانت القوة التي مارست السلطة وفرضت افتراضاتها عن العالم كمسلّمات في مصر في القرن التاسع عشر هي سلطة «الحداثة»، فإن المصريين أنفسهم ليسوا مجرد مستقبلين سلبيين في هذه اللعبة؛ وإنما، وفقًا لطلال أسد، أعاد المصريون تأويل افتراضات الحداثة التي قدّمها الغربُ.

 

وبما أن الشريعة الإسلامية مثّلت القلب النابض للمجتمع المصري قبل عهود الاحتلال وتأسيس «مصر الحديثة»، فستكون هي المحل للعبة السلطة والمقاومة المُشار إليها؛ بحيث يحاول الغرب وأشياعه فرض افتراضاته فيها، وسيحاول المصريون تأويل هذه الافتراضات كفعل من أفعال المقاومة.

 

إن أي عملية تسعى لإنشاء «فكر» قانوني جديد وفقًا لمتطلبات الحداثة يجب عليها أن تبدأ بترسيخ مركزية الدولة عن طريق عدد من الممارسات والمؤسسات، لعل أهمها البوليس والسجن، أو بمعنى أعم، لإنشاء فكر قانوني جديد في مجتمع ما، تقوم الحداثة بإنشاء منظومة عقابية تضمن لها انفراد الدولة بالحقل القانوني تمامًا.

 

ولذلك، فقد عمدت سلطات الاحتلال إلى إرساء مؤسسات عقابية في مصر، ثم استكمل محمد علي إنشاء هذه المؤسسات لتدعيم مركزية الدولة، لا في التخطيط فقط، وإنما مركزيتها في فرض القانون بشكل عام.

 

وفي ظل هذه الممارسات العقابية، وجد المصريون أنفسهم أمام مشهد جديد تمامًا عليهم، ويرى طلال أسد أن الناس حين يواجهون مشهدًا جديدًا يُمثل لهم صدمة، فإنهم يكونون في حالة من عدم التيقن والاضطراب قد تدفعهم لقبول مصطلحات وافتراضات جديدة، ومحاولة ربطها بتصوراتهم التقليدية؛ في محاولة منهم لإيجاد نقطة ثبات في هذا المشهد المضطرب.

 

فإجمالاً، ما جعل «المصلحين الأوائل»، بل ومعظم المصريين، يقبلون افتراضات الحداثة هو الصدمة التي نتجت عن التحولات الاجتماعية الكبرى التي أرساها المحتل واستكملها إلى حد كبير محمد علي. ووفقًا لما تقدم، فلم يكن قبول المصلحين الأوائل بهذه الافتراضات قبولاً أعمى، بل كان قبولاً يحاول مجاراة الحدث لمقاومته، حتى وإن فشل مسعاهم بعد ذلك.

 

من الشريعة إلى قانون الأسرة

وفقًا لهذه الخلفية يُجادل طلال أسد أن ما حدث للشريعة الإسلامية في مصر ليس حصرها في المجال الخاص، وعزلها عن المجال العام، بل ما حدث هو تحويل الشريعة إلى معايير قانونية، مرتبط بها عقاب دنيوي، تُحافظ عليها الدولة المركزية الحديثة.

 

فالدولة الحديثة تسعى لضبط كل مناحي الحياة بالقانون نظرًا لعدة أسباب، لعل أهمها هو أن تلك الدولة وليدة العلمانية التي جاهدت لإقناع الكافة بأنهم أحرار تمامًا، وأنهم ذوو استقلال عن غيرهم، وينشأ عن هذا واقع يتميز بعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الأشخاص؛ مما يجعل الحياة الحديثة حياةً محاطة بالشك والريبة من جهة، وحياةً يتصرف فيها الأشخاص بشكل غير مقيد بأي ضابط من جهة أخرى؛ الأمر الذي يجعل من تدخل القانون لضبط مثل تلك الحياة أمرًا واجبًا.

 

وبهذا، فإن إرساء سلطة الدولة الحديثة في مصر استلزم وجود قانون وضعي يضبط كل مناحي الحياة الإنسانية.

 

كذلك، فإنه وفقًا لميشيل فوكو، فإن المشروع الذي تتجه صوبه الدولة الحديثة هو «السكان». فتلك الدولة تحاول عد السكان، وتقويم سلوكاتهم لكي يخدموا مشروعها الأكبر وهو الاقتصاد السياسي؛ فتسعى تلك الدولة إلى الاستثمار في سكانها والحرص على معدل حيواتهم، ومعدل نموهم بهدف زيادة قدرتها الاقتصادية.

 

ووفقًا لهذا، تبرز «الأسرة» على أنها مجال يجب أن تتدخل فيه الدولة بالقانون لكي تُهيئ الأفراد منذ سني تنشئتهم الأولى لقبول افتراضات العلمانية من جهة، ولإرساء مبادئ الضبط والعقاب من جهة أخرى.

 

ويبرز هنا تقرير الإمام محمد عبده حول «إصلاح المحاكم الشرعية»، والذي به ابتدأ المقال. ففي هذا التقرير تظهر عدة أشياء جديرة بالملاحظة: أولاً، يرى محمد عبده أن وظيفة المحاكم الشرعية الرئيسية تتمثل في التدخل بين المرء وزوجه، وبين الأب وابنه، وبين الوصي والموصى به، وبين الإخوة؛ فالقضاة في تلك المحاكم له كل الحق في النظر بكل شيء، حتى وإن كان شديد الخصوصية.

 

ويُذكرنا طلال أسد في تعليقه على هذا التقرير أن قانون الشريعة الصادر عام 1897م أكد على علنية المحاكم؛ مما يعني أن القضاة سينظرون في الأمور شديدة الخصوصية بشكل علني، وهو الأمر الذي تريده الدولة الحديثة في الأخير؛ فهي تسعى لجعل كل «سكانها» مكشوفين بحيث يُمكن إدارتهم قانونيًا وعقابيًا.

 

وعلى الرغم من أن محمد عبده حاول ضمان استقلال هذه المحاكم عن الدولة، إلا أن صيغتها كانت هي البذرة الأولى التي ستقوم الدولة المصرية بعد ذلك بتنميتها وضمها لآلتها.

 

ثانيًا، وفقًا للمقولة الافتتاحية لهذا المقال نجد أن محمد عبده يُرسي الأمة كافة على «الأسرة»، ثم يُعطي هذه المحاكم السلطة في تقويم تلك الأسر، وهو أمر آخر شديد الصلة بالتصور الحديث عن ممارسة السلطة في الدولة؛ لسبب سيذكر بعد قليل. أخيرًا، نرى في النص استخدامًا لكلمتيْ «الأسرة» و«العائلات».

 

إن هاتين الكلمتين لهما ترجمتان لكلمة Family الإنكليزية. ويُمكن النظر إلى هذا التوتر على أنه انعكاس لتوتر بين نظامين، فكلمة «العائلة» تعني العائلة الممتدة والتي تتطلب عملية إنجاب عدد كبير من الأبناء والأحفاد، أما كلمة «الأسرة» فهي تشير إلى الأقارب من جهة الأب فقط.

 

وبهذا التعريف الأخير اهتمت الدولة الحديثة؛ فالدولة الحديثة تسعى لإيجاد «أسرة»، لا بمعنى أنها تسعى لترسيخ وجود أقارب من جهة الأب، وإنما بمعنى أنها تسعى لإيجاد عدد صغير من الأقارب يمكنها التحكم فيه.

 

بين العائلة والأسرة

إن تقرير محمد عبده لا ينظر إلى «العائلات»، وإنما ينظر إلى «الأسرة الحديثة» بشكل متضمن، فالخلفية التي أتى على أساسها التقرير توضحها «جوديث تاكر» على أنها خلفية القرن التاسع عشر الاجتماعية في مصر، والتي شهدت تدخلاً مستمرًا من الدولة في محاولة منها لفرض التجنيد الإجباري والحجر الصحي؛ مما ترتّب عليه قطع الصلات بين أفراد العائلة الممتدة، وبدأ أفراد تلك العائلات في محاولة لضمان استقرار «الأسرة» المكونة من الأب والأم والأبناء. فممارسات الدولة المصرية آنذاك أرست بيئة اجتماعية مكونة من «أُسَرٍ»، ثم جاء محمد عبده بتقريره محاولاً الاستجابة لهذا الواقع الجديد.

 

وقد مهَّد هذا كله، بالإضافة إلى كثرة البعثات وكثرة نسبة المتعلمين في الخارج والمتأثرين بأوروبا، إلى ظهور مشكلة جديدة؛ مشكلة «المرأة المسلمة»، وأول من تزعّم هذه المشكلة بشكل واضح هو قاسم أمين. ويشير طلال أسد، ومعه ليلى أحمد، إلى أن قاسم أمين حين طالب بتحرير المرأة المسلمة، فإنه في حقيقة الأمر ما قام إلا بمحاولة تطبيق الصورة المثالية للأسرة الغربية في المجتمع المصري؛ إذ رأى أمين أن الزواج المثالي قائم حصريًا على الحب المتبادل بين اثنين فقط دون تدخّل أي طرف ثالث، وقد دفَعَه هذا التصوّر إلى «احتقار» العائلات المصرية الممتدة من جهة، وإلى رفض تعدّد الزوجات بشكل صارخ من جهة أخرى؛ لأن كليهما يعنيان غياب مفهوم الأسرة المكونة من فردين فقط.

 

ثم طالب قاسم أمين الدولة بتحريم تعدّد الزوجات. بعبارة أخرى، سعى قاسم أمين إلى إيصال الأسرة المصرية إلى منتهاها المنتظر والذي بدأ مع ممارسات الدولة المصرية في القرن التاسع عشر، ووجد صداه في تقرير محمد عبده.

 

إن تحول العائلة المصرية الممتدة إلى أسرة صغيرة يحمل وراءه تاريخًا طويلاً سعت فيه الدولة المصرية الحديثة إلى الاستئثار بالحكم وبفرض القانون، وسعى فيه المصلحون الإسلاميون الأوائل إلى محاولة صدّ هذا الاسئثار عن طريق منح المحاكم سُلطة مستقلة، لكنهم فشلوا لتبنيهم افتراضات الدولة دون تمحيص؛ وقد سعى أخيرًا «دعاة التحرير» إلى إيصال الدولة لمبتغاها!.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان