رئيس التحرير: عادل صبري 04:54 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

رأس المال الاجتماعي للفرد في مهب الـ «سوشال ميديا»

رأس المال الاجتماعي للفرد في مهب الـ «سوشال ميديا»

مقالات مختارة

مواقع السوشيال ميديا

رأس المال الاجتماعي للفرد في مهب الـ «سوشال ميديا»

منذ مطلع عام 2017، تتواتر التقارير والأرقام عن ظاهرة باتت مكرّسة علميّاً في العوالم الرقميّة، مفادها أنّ الـ «سوشال ميديا» تنشر اليأس والإحباط والكآبة. وصارت أمراً مفروغاً منه، بل أنّ الإعلام بات يفيض ويتوسّع في تتبع أخبارها ومجرياتها.

 

هل وعى الجمهور العربي في شكل كافٍ تلك الوقائع؟ ثمة قلق في القلب والعقل يدفع إلى الاعتقاد بأنه لم يتشرّب تلك المعطيات. وعربيّاً، أين هي المؤسّسات والمنظّمات والجمعيّات التي تجعل همّها تنبيه الجمهور إلى الجوانب الشائكة من التعامل مع التقنيات الرقميّة، من دون أن تكون تخشّباً ثقافيّاً وقصوراً فكريّاً عن العصر ومجرياته؟ ليس المطلوب أبداً القول بنبذ التقنيّات، بل العكس تماماً. هناك حاجة ماسة لتحريض الجمهور العربي على مزيد من الانخراط في التقنيات الحديثة، مع إعطاء جرعات كبيرة من التفكير النقدي فيها، كي تستعمل في ما يخدم الناس ويفيدهم فعليّاً.

 

في المقلب الآخر من صورة اليأس الذي تنشره الـ «سوشال ميديا» في الشاشات التي لا ترتفع عنها العيون، لا يملك متابعو الشأن التقني سوى التشمير عن الأكمام لوضع الإصبع على الجرح، بمعنى التنبيه إلى المصدر الذي يأتي منه كل ذلك اليأس والاحباط. والمفارقة أن المصدر الأشد تفجّراً هو الجمهور ذاته، وانعماسه اللاهي في ممارسات ربما آن لها أن تكفّ وتتوقف.

 

أليست مفارقة كبرى أنّ مقابل اليأس والكآبة والإحباط الذي تثبته الوقائع والأرقام، لا يظهر على صفحات «فايسبوك» و «إنستاغرام» و «واتس آب» سوى الوجه البهيج لحياة الأفراد؟ إذ يبدو كأن الجميع يحرصون في شكل شبه دائم على «اقتطاع» الأجزاء الأشد سعادة من حياتهم كي يعرضوها على الـ «سوشال ميديا»، بل أنّهم يكدّون ويعانون كي يفبركوا مشهداً زائفاً عن سعادتهم، ثم يبثوه عند التواصل مع الآخرين. ولأن الشبكات الاجتماعية صارت من الأسلحة الفتاكة في التسويق الذاتي وإظهار العلامة «التجارية» لشخصيّة الفرد، ساد جو بأن لا يظهر من الذات إلا ما يفترض به أن يُسيّل لعاب الأصدقاء والأقران والزملاء.

 

وبعدوى التقليد، ينتشر ذلك الميل، بل صار معياراً عند الجميع.

لكن، إذا لم نستطع إظهار السعادة القصوى، بالأحرى فبركتها، يؤول الأمر إلى إحباط كبير. وفي مواجهة الآخرين الذين لديهم الكثير من الأصدقاء، والكثير من النشاطات، يشعر الفرد بنقص في رأس ماله الإجتماعي الخاص. وفي الواقع، ربما لا يكون رصيده الاجتماعي بالضرورة سيئاً، إلا بمعنى عدم وصوله إلى الدرجة الزائفة التي تفترضها صفحات التواصل الاجتماعي!

 

ألم السعادة المفبركة يشبه الفقر

 

تأمّل قليلاً في الصور الأكثر انتشاراً على صفحات الشبكات الاجتماعيّة. ألا تطغى عليها المسابح، والمناظر الجميلة، والعطل المثالية والكمال الداخلي والخارجي وغيرها؟ ألا تشي بأفراد كأنهم في صراع نفسي افتراضي، بسبب المزايدة المستمرة في عروض لحظات السعادة؟ لنفكر أيضاً بأن الـ «سوشال ميديا» هي قنوات رائعة للتواصل الاجتماعي، بل فاقت أحلام كبرى في التواصل المباشر بين الناس على امتداد الأرض. لِمَ نعمل على تشويهها بصور لا تعبّر عنّا فعليّاً؟ لمَ ننخرط في ممارسات نجعلها سلاحاً موجّهاً إلى صدورنا ونفسيّاتنا ومناحٍ كثيرة في حياتنا اليوميّة الفعليّة؟

 

وعلميّاً، يتفاقم شعور الفرد بالوحدة بأثر من مشاهدة الكم الهائل من السعادة «يتدفق» فيوضاً عند آخرين. إذ إنّ شعور المرء بالوحدة شأن شخصي جداً، لكنه يعتمد أيضاً على ما يراه في عيشه. يشبه ذلك كثيراً الشعور بالفقر، بمعنى أنه يتضخّم عند التواجد مع الأكثر ثراءً. تعمل تلك القاعدة بالطريقة نفسها بالنسبة إلى الثراء العاطفي. في النتيجة، في مواجهة الأشخاص الذين لديهم كثير من الأصدقاء والموارد والنشاطات والعلاقات، يشعر الفرد بانتقاص من مكانته، وبـ «فقر» في رأس ماله الاجتماعي، على رغم أن واقعه ربما كان مرضيّاً فعليّاً.

 

أليس مهمّاً التفكير في ذلك الفخ الذي تنصبه صور الـ «سوشال ميديا»؟ كيف يمكن لكل الناس تمضية أوقات مديدة في منتجعات ومسابح وأماكن ترفيه فاخرة، داخل البلاد وخارجها؟ أهم يعيشون تلك الحال فعليّاً؟ إذا لم نُدقّق في السؤال والجواب، يغدو ممكناً أن نخرّب نفسيّتنا عبر الوقوع في فخ السؤال الزائف عن كون حياتنا ليست على منوال تلك الصور التي لا يصعب تلمّس أنها مفبركة كي تعطي تلك الهالة الزائفة!

 

وبات الأمر كأننا نحاول أن تكون حياتنا هي أن نعيش حلماً بحياة الآخرين! صحيح أنّ التقاط صور في منتجع رياضي مع مجموعة شباب، يعطي انطباعاً جيداً، لكن لا ننسى أنّ ذلك مفبرك. ولم تحصل الصورة إلا بعد أيام من عصر النفقات وأكل وجبات متقشّفة. ألا يفعل الآخرون ذلك أيضاً؟

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان