رئيس التحرير: عادل صبري 08:41 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ماذا بعد غارة «التوماهوك» الأمريكية على مطار الشعيرات؟

ماذا بعد غارة «التوماهوك» الأمريكية على مطار الشعيرات؟

مقالات مختارة

ماجد كيالي

ماجد كيالي يكتب:

ماذا بعد غارة «التوماهوك» الأمريكية على مطار الشعيرات؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها، بعد أن قصفت الولايات المتحدة مطار الشعيرات السوري، قرب حمص (الخميس الماضي)، بصواريخ «التوماهوك»، وهو المطار الذي انطلقت منه قبل أسبوع طائرة «السوخوي» التي قصفت خان شيخون (قرب إدلب) بغاز السارين، بحسب المعلومات الأميركية، ما تسبب بمصرع عشرات من المدنيين، من بينهم أطفال، في واحد من أقسى وأصعب مشاهد المأساة السورية المليئة بالأوجاع.

 

طبعاً ليس غاز السارين أقل خطورة من قصف البراميل المتفجرة، التي ظلت تتساقط على السوريين من الحوامات، منذ خمسة أعوام، بكثافة شديدة، فتمعن فيهم قتلاً، وفي عمران مدنهم تدميراً، لكنه مثل الكيماوي محظور دولياً، وهو بمثابة سلاح إبادة جماعي، بحسب المعايير الدولية، علماً إن القتل والدمار الأكبر، في الحالة السورية، كانا نتيجة البراميل المتفجّرة التي لم تلقَ الاهتمام اللازم بها في المحافل الدولية!

 

فما الذي أرادته الولايات المتحدة من تلك الضربة المحدودة في المكان والزمان والجدوى؟ هل أرادت مجرد ردع النظام وإلزامه بقواعد صراع معينة؟ أو هل هي عملية تنذر بتحول الولايات المتحدة نحو الانفكاك من سياسات باراك أوباما إلى التدخل المباشر لإسقاط النظام؟ أم أنها أرادت أن تفهم كل الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بأنها هي، فقط، التي تحدد معادلات الصراع والتسوية السوريين؟ ثم هل لهذه العملية ما يتبعها من عمليات؟

 

في الحقيقة، من الصعب أو من المبكّر التكهّن بطبيعة التوجه الذي ستعتمده الإدارة الجديدة إزاء الصراع السوري، بغضّ النظر عن تقييمنا لطبيعة سياساتها واستهدافاتها وادّعاءاتها، خصوصاً على ضوء معرفتنا بتقلّب تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأركان إدارته، ناهيك عن مزاجياته، وطرق عمله، غير المتوقّعة.

 

بيد أن كل ذلك لا يمنع من ملاحظة ثلاث مسائل ظلّت تحكم الاستراتيجية الأميركية في هذا المجال، منذ ستة أعوام: الأولى تفيد بأن الولايات المتحدة تنتهج سياسة إدامة الصراع السوري، وفق معادلة قوامها عدم السماح لطرف بالتغلّب على الطرف الآخر، لا النظام ولا المعارضة، علماً أنها الدولة الوحيدة التي تملك القدرة على فرض إرادتها، بوسائل الضغط العسكري أو السياسي، بشأن وقف القصف ووضع حد لكل الأعمال القتالية، وبشأن فرض ذلك على مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، كما بشأن فرض شكل التسوية لمستقبل سورية، لكنها لم تفعل ذلك.

 

والثانية، تتعلق بدأب الولايات المتحدة على الاستثمار في الصراع السوري باستدراج الأطراف الدولية والإقليمية، التي تناكفها، لاستنزافها في سورية، وإضعافها، ووضعها في مواجهة بعضها، وهذا ينطبق على روسيا وإيران وتركيا، إذ لا يمكن تصور دخول أي من هذه الدول إلى حلبة الصراع السورية من دون موافقة أميركية، ولو ضمنية. الثالثة، وهي الحرص على ضمان أمن إسرائيل سواء على الحدود مع سورية، أو في المجال الإقليمي، وعلى المدى الطويل.

 

وإذا صحّ أن هذه هي المحرّكات التي تشتغل بناء عليها الاستراتيجية الأميركية في الشأن السوري، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل استنفدت هذه الاستراتيجية نفسها؟ أو بكلام آخر: هل أضحت الإدارة الأميركية الجديدة تعتقد أن الاستراتيجية التي كانت معتمدة سابقاً أتت أكلها، وأنه بات من اللازم تغييرها؟

 

واضح أن السؤال مطروح برسم إدارة الرئيس ترامب، أو برسم صانع القرار الأميركي، علماً أن كل الأوضاع والمعطيات، على الأصعدة كافة، تشير إلى أن الصراع السوري طال أكثر مما يجب، وأنه استغل من مختلف الأطراف أكثر من اللازم، وأنه بعد كل ما حصل من كوارث لم يبق شيئاً يمكن تعظيم الاستثمار فيه، لا من قبل الولايات المتحدة ولا من قبل غيرها، وأنه آن الأوان لأخذ الأوضاع نحو سكّة الحل السياسي.

 

ثمة هنا استنتاجان، أولهما، أن لا صلة مباشرة تماماً بين ساكن البيت الأبيض وبين انتهاج هذه الاستراتيجية أو تلك، في السياسة الخارجية، لأن الأمر يتقرر في مراكز صنع السياسات، وبحسب أولويات ومصالح الولايات المتحدة، أي أن الرئيس أوباما كان يمكن أن ينتهج سياسة مغايرة، إثر استنفاد استراتيجيته السابقة، وأن الرئيس ترامب يمكن أن يستمر على استراتيجية سلفه إلى حين تغير الظروف التي تتطلب تغييرها. وثانيتهما، أن تغير السياسة الأميركية إزاء الصراع السوري مرهون بتوصل تلك الإدارة، وصناع القرار في الولايات المتحدة، إلى تلك القناعة، وبمدى استعدادها للعمل من أجل حسم الوضع، منفردة أو بالتعاون مع الأطراف الدولية الأخرى، في مجلس الأمن أو من خارجه، دفعة واحدة أو بالتدريج، فهي أكثر دولة تستطيع ذلك، كما ذكرنا.

 

لا يعني هذا الكلام أن هذه الإدارة لا تملك جديداً، وإنما يعني أنها ربما أتت في اللحظة التي استنقع فيها الصراع السوري، وبعد أن بات الوضع يتطلب ضبط مخاطره، مع علمنا بأن ثمة مراجعة بهذا الخصوص تتركز خصوصاً على تحجيم نفوذ إيران في المنطقة، وهي التي تعتبر من أهم عوامل استمرار الصراع السوري، وهذا تطور في غاية في الأهمية، بعد أن كانت الإدارات السابقة مكّنت نظام «الولي الفقيه» من الهيمنة في المنطقة، من العراق إلى لبنان مروراً بسورية.

 

كما تتمثل هذه المراجعة بقفز الإدارة الأميركية الحالية على أخذ الإذن بشأن أي خطوة عسكرية، لا من الكونغرس الأميركي ولا من مجلس الأمن الدولي، مع تلويح عديد من مسؤوليها بالتهديد بإمكان التحرك منفردة والعمل المباشر في سورية، وحتى عسكرياً، لضبط الصراع، أو لفرض الواقع الذي تريده، في رسالة ذات مغزى لكل الأطراف. وقد يصح القول هنا أيضاً، بأن هذا التحول قد يمهد لخلق مناخات أكثر جدية في مفاوضات جنيف القادمة، أو ربما في شق مسار تفاوضي آخر لا يترك أي مجال لتملص النظام أو لتلاعبات روسيا.

 

وهناك ناحية أخرى لا بد من أخذها في الاعتبار تتعلق بإسرائيل، فهذه بعد أن طنّشت على أدوار إيران في العراق وسورية ولبنان، التي وظّفتها في إضعاف وتقويض البنى الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي، بما يخدم أمنها لعقود، ربما باتت ترى أن هذا الأمر وصل إلى غاياته، وأنه من غير المسموح تمدد هذه الدولة، أو استقواء نفوذها الإقليمي أكثر من ذلك، وهو ما باتت تعبر عنه جهاراً، وعبر ضرباتها المتكررة لأهداف سورية و «حزب الله» في هذا البلد.

 

على أي حال، فإن الضربة الصاروخية أثبتت مجدداً أن نظام الأسد باق فقط بفضل المعادلات الدولية، وخصوصاً بفضل التلكؤ الدولي والدعم الإيراني والروسي، على رغم كل ادعاءاته بالسيطرة وتبجحاته الجوفاء عن السيادة الوطنية.

 

لكن السؤال الآخر الذي يطرحه التطور المتمثل بدخول الولايات المتحدة على خط استهداف النظام عسكرياً، هو: ما الذي بإمكان روسيا عمله في هذا الوضع، سيما بعد أن تكشف محدودية قدرتها على صد مجرد ضربة صاروخية، سيما وأن التحدي، أو الصلف الأميركي بلغ حد إبلاغ روسيا، ومن خلالها النظام طبعاً، بشكل مسبق بموعد الضربة الصاروخية ومكانها؟

 

هكذا، فقد شهدنا أن روسيا بوتين، التي تدّعي أنها تستعيد وضعها كدولة عظمى، قد انكشفت كمجرد دولة من العالم الثالث، باستثناء قوتها العسكرية، المستمدة من أسلحتها المتقادمة، والتي لا تصمد إزاء أي دولة تتفوق عليها تكنولوجياً، بدليل أن شبكات الدفاع الروسية والسورية سكتت تماماً، بل خرجت من الخدمة، إذ اكتفت القوات الروسية بالهروب، أو بتفريغ المطار وتركه مكشوفاً أمام الضربات الصاروخية الأميركية. ولعل ذلك يكشف أيضاً حقيقة تدني موقع روسيا التي تجد نفسها في تنسيق مع إسرائيل، التي تقوم بدورها بضربات ضد أهداف في الأراضي السورية بين فترة وأخرى.

 

على ذلك كله، لا ينبغي التعلق بالأوهام أو العواطف أو الرغبات، فما يجري، أو ما تقوم به الولايات المتحدة أو غيرها، يتعلق برؤيتها الاستراتيجية مكانتَها ومصالحها وأولوياتها فقط، ولا علاقة له بمصالح أو معاناة هذا الشعب أو ذاك، إذ إن الدول لا تشتغل كجمعيات خيرية، مع كل التقدير للحديث عن المعايير الدولية، والقيم الإنسانية، إذ إن كل ذلك تمت التضحية به في المقتلة السورية المستمرة أمام أنظار العالم منذ سنوات.

 

وعلى العموم، فهذه السفيرة الأميركية نيكي هايلي توضح حدود العملية الأميركية، بقولها: «الولايات المتحدة نفذت الضربة العسكرية... وهي مستعدة للقيام بالمزيد، ولكن نأمل ألا يكون ذلك ضرورياً... الأسد لن يستخدم السلاح الكيماوي مجدداً، أبداً، ونحن لن ننتظر منه أن يقوم بذلك مرة أخرى من دون أن يتحمل العواقب... الوقت حان لكي يتحرك المجتمع الدولي ويطلب حلاً سياسياً في سورية» («الحياة» في 8 الشهر الجاري).

 

قصارى القول، نعم ثمة تغير في الموقف الأميركي، ويجب الاستثمار فيه لتخفيف معاناة السوريين لكنه على الأرجح تغير محدود، ولا ينهي الصراع، ولا يضع سورية على سكة الحل السياسي حتى الآن. كان الله في عون السوريين.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان