رئيس التحرير: عادل صبري 03:19 مساءً | الاثنين 21 مايو 2018 م | 06 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 32° صافية صافية

إعادة تدوير السياسة الخارجية: أمثلة من أميركا ومصر

جميل مطر يكتب

إعادة تدوير السياسة الخارجية: أمثلة من أميركا ومصر

كانت زيارة الرئيس المصري العاصمة الأميركية والتقاؤه الرئيس ترامب فرصة لنا لمراقبة عملية إعادة تدوير السياسة الخارجية.

 

نفترض عادة أن السياسة الخارجية لدول عتيدة يتوارثها الحكام حاكماً بعد آخر، وأن ما يدخلونه عليها لا يتعدّى التجديد أو التغيير الجزئي في جانب أو آخر. درجنا أيضاً على افتراض أن الدول التي تفتقر إلى مؤسسات والدول التي لا يرحل عن مناصبها حكامها إلا بالموت أو الانقلاب العسكري، هذه الدول تتغير سياساتها كلياً مع تغير الحاكم. تثبت تجاربنا المعاصرة أن هذه الافتراضات لا تصدق حتماً أو دوماً. فالسياسة الخارجية للدول العتيدة لا بد أن تتأثر كثيراً أو قليلاً بالتغيرات الجذرية التي تلم بالبيئة الدولية وبالأوضاع الإقليمية وبأوقات الأزمات كالحروب والمجاعات. كذلك فإن السياسة الخارجية لدول مصابة بداء عدم الاستقرار أو بحاكم فرد لا ينتهي حكمه بانتهاء مدد مقررة، لا بد أن تحافظ، رغماً عن تقلبات أمزجة قادتها، على وعي متواصل بمصلحة قومية أو أخرى، مصلحة تحوز على توافق عام من جانب أفراد النخبة الحاكمة وجماعاتها.

 

لقاء واشنطن بين الرئيسين الأميركي والمصري قدم نموذجاً حياً لزعيمين يمثلان الحالتين، حالة نظام عريق بمؤسساته المتخصصة والديموقراطية، وحالة نظام طارئ صنيعة ظروف استثنائية بمؤسساته الرخوة الخاضعة دوماً للتغيير أو المتوقع لها عدم الثبات. المشترك هو تصادف أن القائمين على الحكم في كلتا الحالتين يتمنون ثم يحاولون صنع سياسة خارجية خاصة تحمل بصماتهم، غير عابئين كثيراً أو قليلاً بمقاومة يحتمل أن يواجهونها من مؤسسات قائمة أو من دول حليفة أو قوى خارجية. ذلك هو المشترك في الحالتين، أما المثير فيهما فهو عودة الحكام إلى التزام ما درج عليه السابقون.

 

جميعنا يذكر ولا شك «الكلام الكبير» الذي انفردت به الحملة الانتخابية للرئيس دونالد ترامب. سمعناه يهدد حلفاء أميركا بالانعزال. هدد اليابانيين فقدم رئيس وزرائهم موعد زيارته واشنطن ليكون أول الزوار، وهدد الأوروبيين فنزلت أنغيلا ميركل على واشنطن معبأة بغضب أوروبي عارم لتجبر مبعوثيها إلى مؤتمر ميونيخ على تخفيف لهجة الخطاب السياسي الموجه للحلفاء، وهدد المكسيكيين وغيرهم من شعوب ودول أميركا الوسطى فحظي بكراهية شديدة ونزوح تجارة المنطقة إلى خارج الأميركتين. هدد أيضاً الصينيين بحرب تجارية ضروس تعيد لأميركا سبعين ألف مصنع أغلقتها سياسات حرية التجارة التي مارسها أسلافه وأدت بين ما أدت إلى إغراق أميركا بالمنتجات الصينية وتضخيم ديون أميركا الخارجية، تهديد قابلته حكومة بكين ببرود أقرب إلى السخرية.

 

نذكر أيضاً، وعلى عكس هذه التهديدات والكلام الكبير، إشارات تعاطف ومودة غير معتادة في الخطاب السياسي الأميركي الموجه لروسيا. عشنا شهوراً نراقب حالات فزع في صفوف أعضاء السلطة التشريعية بمجلسيها وفي صالات الأنباء بالصحف الأميركية. شعرنا ونحن على هذا البعد بوقع أشبه بوقع الزلزال في واشنطن، المدينة التي لم تنطق أو يصدر عنها على امتداد قرن كلمة طيبة واحدة عن روسيا. فجأة وجدت موسكو نفسها خلال الحملة الانتخابية الأميركية هدفاً لوابل من إشارات حب ووعود بسنوات ودّ وتعاون.

 

نذكر كذلك كيف أمتع فريق الرئيس دونالد ترامب من ناحية وفريق بنيامين نتانياهو من ناحية أخرى مشاهدي اللقاء الأميركي الإسرائيلي بفاصل متقن من برامج تلفزيون الواقع. كان بالفعل ممتعاً للكثيرين من أنصار إسرائيل في الغرب إلا أنه لم يكن فاصلاً مسلياً للقائمين على أمور الشعوب العربية ومستقبل الفلسطينيين. يومها زال الشك في أن خيراً للفلسطينيين سوف يجنونه على أيدي هذا الزعيم الجديد لأميركا. شاهدنا رئيس وزراء إسرائيل ورئيس الدولة الأعظم في العالم يتصرفان تصرف الشامتين والمغامرين. رأينا نتانياهو يمشي في واشنطن بخيلاء الفاتحين مستفيداً من وجود رجل بجانبه عرف وأجاد خلال حملته الانتخابية الكشف للناس عن عمق كراهيته لشخصين تصادف أن نتانياهو يكرههما بالمقدار نفسه، أحدهما باراك أوباما والثاني هيلاري كلينتون.

 

حكم الرئيس ترامب على كل أسلافه، خصوصاً أوباما، بالعجز والفشل في التعامل مع تطورات الأوضاع في العالم العربي. سورية الراهنة ليست سوى ضحية سياسات أوباما الخارجية. وكذلك العراق الراهن ليس أكثر من ضحية تدخل عسكري وسياسي من أسلافه ومنهم أوباما الديموقراطي وعديد الرؤساء الجمهوريين. كلهم ومعهم حلفاؤهم الغربيون فشلوا في وقف الزحف الإرهابي لأنهم لم يستخدموا القوة المفرطة وبالحزم اللازم.

 

بكلمات أخرى، اعتبر الرئيس ترامب أن التزام حكومات واشنطن قواعد عمل النظام اللبرالي العالمي تسبب في دفع أميركا لممارسة سياسات خارجية باهظة الكلفة تحملتها كاملة أو كان نصيبها الأكبر، كالإنفاق على حماية أنظمة حكم ديموقراطية وتغيير أخرى غير ليبرالية، وكذلك تقديم وبسخاء معونات اقتصادية وعسكرية لأغراض لا تخدم بالضرورة أو فوراً مصلحة مادية لأميركا. دفعها أيضاً التزامها قواعد وعقيدة النظام اللبرالي العالمي إلى تمويل أحلاف عسكرية واستخباراتية عدة بغير ما حاجة ماسة لها. اعتبر أيضاً أن مجمل سياسات أميركا الخارجية، وبالذات تلك التي مورست في عهد أوباما وكلينتون، كانت فاشلة، بل أنها أتت بكوارث، وفي صدارتها كوارث ما يسمى الربيع العربي. أخطأوا جميعاً عندما تعاملوا «ليبرالياً» مع الإرهاب أي بتشجيع رفع معدلات النمو ومحاربة الفقر، وعندما تعاملوا «ليبرالياً» مع الصعود الصيني بتعميق مبادئ حرية التجارة وضم الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وتعاملوا مع الهجرة غير المشروعة ليبرالياً، خصوصاً حين قرروا في برلين وواشنطن تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين.

 

هذا النمط من التعامل «ليبرالياً» مع المشكلات يمثل في نظر ترامب وجماعته اهتماماً مبالغاً فيه بالعقل وإهمالاً للعاطفة. بمعنى آخر أكثر وضوحاً، لقد اهتم الليبراليون بقواعد أخلاقية مثل الحقوق الإنسانية والحريات وسلامة الإجراءات في العلاقات بين الدول ودعم المنظمات الدولية، وخصوصاً الأمم المتحدة، وأهملوا مفاهيم الوطن والعرق والطائفة والعشيرة. خلاصة الرأي الترامبوي أن لا خير يرجى من وراء سياسة خارجية تلتزم القواعد الليبرالية، وهو ما درجت عليه حكومات أميركا بعد الحرب العالمية الثانية.

 

الرأي نفسه تقريباً ينطبق على الصحافة خصوصاً والإعلام عامة. كلاهما كذبة كبرى. يعتقد الرئيس ترامب، وعدد من المحيطين به وعدد كبير من أعضاء اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري، أن أميركا «ظلمت ظلماً تاريخياً» منذ أن اجتمع عليها حلفاؤها يستغلون ثرواتها وكرمها، بعضهم أثرى من ورائها والبعض الآخر عدّل في أولويات إنفاقه بما يحقق له نمواً أسرع. كانت النتيجة هي انهيار البنية التحتية الأميركية واستفحال البطالة وانحدار المكانة وهبوط الثروة والإمكانات. أميركا مظلومة ومغبونة في ظلّ نظام ليبرالي عالمي ظالم. هكذا يرى ترامب النظام الليبرالي العالمي الذي ساد خلال معظم القرن الماضي والتزام أميركا قواعد عمله مسؤولَيْن عن الوضع الراهن لأميركا المنحدرة، وبناء عليه «يتعين استعادة عظمة أميركا»، وبالقوة إن استدعى الأمر.

 

الآن، بعد مرور أكثر من سبعين يوماً تحت حكم الرئيس دونالد ترامب وجماعته المكونة من أفراد متبايني الخلفيات، أستطيع أن أجاهر بأن الرئيس ترامب عاد عن عدد كبير من مواقفه وآرائه في السياسة الخارجية الأميركية وخفف من عزمه وحزمه في قضايا أخرى. ها هو مثلاً يوم كتابة هذه السطور يعود في موقفه من الوضع السوري. كان على امتداد حملته حاداً وقاطعاً في تأكيده أن أميركا لن تتدخل في سورية، بل أنه لم يستبعد تعاوناً مع الرئيس الأسد في مرحلة أو أخرى.

 

أكاد أجزم بأن تغيير الموقف الترامبي من سورية وقع خلال محادثاته مع المبعوثين العربيين، الرئيس السيسي والملك عبدالله ملك الأردن، وكرد فعل لواقعة قصف الضاحية الحلبية باستخدام غازات كيماوية. عادت أميركا إلى التزامها قواعد النظام الليبرالي العالمي حين أطلقت الصواريخ ضد قاعدة عسكرية سورية تشرف عليها بشكل أو بآخر قوات روسية. اختار ترامب أن ينفذ تهديداً أصدره ضد حكام دمشق الرئيس السابق والعدو اللدود له باراك أوباما. كان معه في واشنطن وربما داخل البيت الأبيض أثناء صنع القرار بالتدخل العسكري الرئيس المصري. وفي ظني أنه أحيط علماً، وربما اعترض، بدليل أن الرئيس ترامب أعفاه من مؤتمر صحافي مشترك.

 

إن صدق حدسي وحدس أصدقاء في واشنطن، فهو يؤكد مقولتي عن التزام الحاكم بموقف تفرضه مصلحة قومية، إنه الالتزام الذي يسبق أي التزام آخر. يلتزمون، على رغم تمتعهم بحرية مطلقة في أمور عدة، قواعد في صنع السياسة الخارجية التزم بها أسلافهم عبر العقود وربما العصور، أو قواعد جديدة استقرت في وعي النخبة السياسية ومؤسساتها إن وجدت.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان