رئيس التحرير: عادل صبري 10:06 مساءً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

مارتن ماكغينيس: من إرهابي إلى صانع سلام

مارتن ماكغينيس: من إرهابي إلى صانع سلام

مقالات مختارة

مصطفى كركوتى

مصطفى كركوتى يكتب:

مارتن ماكغينيس: من إرهابي إلى صانع سلام

لم يُثِرْ غياب زعيم سياسي مناقشة واسعة عبر الأطلسي بين بريطانيا وإرلندا والولايات المتحدة، مثلما فعل رحيل الجمهوري الكاثوليكي مارتن ماكغينيس، نائب رئيس وزراء إقليم إرلندا الشمالي، الشهر الفائت. واللافت تعدد واختلاف الآراء حول إرث هذا المناضل الفذ (بالنسبة إلى الجمهوريين) أو الإرهابي المجرم (بالنسبة إلى موالي العرش البريطاني).

 

فهـــو في النهاية كان العقل المدبر لمحاولة اغتيــــال رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت ثاتــــشر ورهطٍ من قيادة المحافظين في تفجير فندق «غـــراند» أثناء نومهم على هامش انعقاد مؤتمر حـــزبهم السنوي في بلدة برايتون الساحلية في 1984. وهو أيضاً، باعتباره القائد العسكري لمنظمة «شيـــن فين» السرية، إلى جانب رئيسها جيري آدامـــس، شريـــك مفاوضات السلام مع حكومة توني بلير والـحزب الديموقراطي الاتحادي الموالي للندن.

 

ماكغينيس الذي توفي عن عمرٍ لا يزيد عن 66 عاماً هو الذي أوقف احتفالات الجمهوريين في مدينة ديري إثر وفاة ثاتشر في 2013، على رغم أن الأخيرة كانت مسؤولة عن أكثر الحملات عنفاً وقسوةً ضد «شين فين». كما قدم نموذجاً ناجحاً لزعماء حركات تحرر وطني عدة في العالم الثالث نجحوا في العبور من حرب العصابات إلى فئة رجال دولة مرموقين. الحزن عليه امتد ليشمل أعداءه السابقين وكانت جنازته الأكبر في تاريخ إرلندا الشمالية منذ جنازة العشرة المضربين عن الطعام في 1981، والذين كان ثمانية منهم، بينهم بوبي ساندز، رفاق ماكغينيس في قيادة الجيش الجمهوري الإرلندي، الذراع العسكرية لـ «شن فين».

 

قد يكون سن الـ66 عمراً يافعاً لزعيم سياسي يلقى حتفـــه، ولكنه مناسب لعضو في الجيش الجمهوري. المتطـــوعون الذين قاتلوا لعقود ثلاثة على الأقل لطرد البريطانيين من إرلندا الشمالية، كان يُقال لهم عند الالتحاق بهذا التنظيم إن نهايتكم واحدة من اثنتين: إما الاعتقال المؤبد في سجن «ميز» السيئ الصيت، أو الدفن في الجناح الجمهوري من مقبرة «ميلتاون» في بلفاست. لم ينتهِ ماكغينيس في أي من الخيارين ولكنه عاش حتى يصل إلى مرحلة تستقبله فيها ملكة بريطانيا ويتشارك في السلطة لاحقاً مع خصمه اللدود الزعيم البروتستانتي الراحل إيان بايزلي أشد أعداء الجيش الجمهوري. بعد توقيع اتفاق السلام، سألتُه في لقاء مع صحافيين حول شعوره تجاه القسيس بايزلي، فقال إنها «اللحظة الأكثر درامية» في حياته، لا سيما وأنه كان يضع الخطط في السابق حول «أفضل السبل للقضاء عليه».

 

إنه إرث الحرب والسلام لزعيمٍ التحق بالجيش الجمهوري في 1970 وهو في العشرين، وسرعان ما أصبح من أبرز قادة ذاك التنظيم السري. اعتقل مرة واحدة في 1973 لحيازة أسلحة وأمضى في السجن عاماً فقط ليصبح القائد العسكري للتنظيم في 1978 حيث وصل العنف في عهده ضد الوجود العسكري البريطاني الى ذروته. في آب (أغسطس) 1979 اغتالت منظمة الجيش الجمهوري القائد العسكري البريطاني لورد مونتباتن، عم الأمير فيليب زوج الملكة اليزابيت وآخر قائد عسكري بريطاني في الهند، مع اثنين من أفراد الأسرة المالكة. في اليوم ذاته اغتالت عناصر من الجيش الجمهوري 18 جندياً بريطانياً في فخٍّ نُصِبَ لهم في مقاطعة كاونتي داون في الإقليم الإرلندي.

 

على رغم ادعاء ماكغينيس بخلو جسده «من أي عظام طائفية»، وصل الجيش الجمهوري في عهده، بين 1970 و1994 إلى ذروة التــوحش الطائفي. وتميز هذا التنظيم عن أي تنظيم أوروبي مماثل بعمله الإرهابي منذ لحظة نشاطه العسكــري في 1969 إلى أن صمت السلاح في 1998 إثر توقيع «اتفاق الجمعة العظيمة» بإشراف مباشر من الرئيس بيل كلينتون. وماكغينيس كان يمثل إلى جانب جيري آدامس الجيش الجمهوري في المفاوضات السرية المتقطعة مع مختلف الحكومات البريطانية منذ 1972 من دون أن يتوقف عن التخطيط للعمل العسكري المستمر ضد أهداف بريطانية مختلفة في إرلندا وخارجها.

 

في 1989 أدرك هـــو وآدامس أن لا حل عسكرياً لمشكـــلة إرلندا الشمالية وقبلا البحث عن حل آخر في إطار بقاء الإقليم ضمن المملكة المتحدة، كما أدركــــت الحكومة البريطانية أنها لا تستطيع إلحاق الهـــزيمة بالجيش الجمهوري. في هذه اللحظة يُقال إن ماكغينيس بعث رسالة إلى الحكومة البريطانية (على رغـــم عدم إقراره بذلك) مفادها بأن «الأزمة انتهت ونريد أن نسعى معكم إلى وضع نهاية للحرب».

 

حكومة جون ميجور المحافظة حينئذ ردت في 1990 بأنه ليس لديها أي خطة استراتيجية أو اقتصادية تدفعها نحو الاحتفاظ الدائم بإرلندا الشمالية، ما دفع حزب «شن فين» للبدء بالترويج لفكرة أن النصر يمكن أن يتحقق بالسبل السلمية. وكان لهذا التطور المهم وقعه العميق على الجمهوريين عموماً حيث منح آدامس وماكغينيس الشرعية اللازمة للسعي نحو التسوية مع لندن. وفي 1993 صدر «إعلان داوننغ ستريت» بتوقيع حكومتي بريطانيا وإرلندا وقبولهما مبدأ حق تقرير المصير للشعب الإرلندي، شماله وجنوبه، ما أعطى عملية السلام زخماً حيوياً ضَمَنَ لها الاستمرار حتى النهاية.

 

نفوذ ماكغينيس في قيادة الجيش الجمهوري منحه موقعاً متميزاً كي يقود المرحلة الانتقالية، وسمعته الخرافية كقائد عسكري هو الأكثر تطرفاً في أوساط التنظيم جعلته قادراً على جرّ المقاتلين وراءه في أي اتجاه شاء أن يسلكه. وقد أدى ذلك بالفعل إلى تحول ماكغينيس من ذاك المقاتل الشرس إلى سياسي يصنع السلام، إذ أصبح بالفعل يشكل طوال عقد التسعينات مفتاح أي تسوية مقبلة، وتم التعبير عن ذلك بإعلان الجيش الجمهوري عن وقفٍ لإطلاق النار في 1994. في نيسان (ابريل) 1998 جاء اتفاق الجمعة العظيمة التي اعتبرت آنذاك أهم تسوية سلمية في العالم لأنها وضعت أسساً ناجحة لاتفاق المشاركة في إدارة شؤون إرلندا الشمالية ذاتياً مع أعداء الأمس، وتأسيس مجلس تمثيلي يشارك جميع سكان الإقليم في انتخاب أعضائه لأول مرة في تاريخه. حدد الاتفاق إطار السلام ووضعت نهاية تامة لسلطة الجناح العسكري لشن فين. ولعب ماكغينيس الدور المركزي في الوصول إلى الاتفاق لأنه كانت لديه دائماً القدرة على الاستمرار في الحرب لو شاء ذلك.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان