رئيس التحرير: عادل صبري 01:07 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

أزمة «الإخوان المسلمين» بين الدراسة والخرافة

أزمة «الإخوان المسلمين» بين الدراسة والخرافة

مقالات مختارة

وحيد عبدالمجيد

وحيد عبدالمجيد يكتب

أزمة «الإخوان المسلمين» بين الدراسة والخرافة

كان حقل دراسات «الإسلام السياسي» من أكثر الحقول تقدماً في البحوث الاجتماعية في مصر حتى نهاية العقد الماضي. ظهر آنذاك باحثون متخصصون عملوا بجدية، وأصدروا أعمالاً يرقى بعضها إلى مرتبة المراجع الأساسية في الموضوع.

ومع أن الباحثين الذين قدموا هذه الإسهامات يختلفون مع توجهات «الإخوان» ومنهجهم، التزم كثيرون منهم الموضوعية التي يتطلبها البحث الرصين، ولا تتقدم المعرفة بغيابها.

هذا التراث المعرفي بات مهدداً الآن، في أجواء سياسية تفرض حالة لا تقبل أي نقاش موضوعي حول «الإخوان»، مع أن الحاجة إلى نقاش كهذا صارت أقوى من أي وقت مضى. فالاتجاه السائد في الجدل العام حول كل ما يتعلق بهذه الجماعة ينزع إلى اجترار خطاب شديد التبسيط يخدم الميل إلى شيطنتها بدل تحليل خياراتها وممارساتها والتفاعلات الجديدة داخلها وهي تحت ضغط غير مسبوق في تاريخها.

ولا تقتصر هذه الحالة على معظم الأوساط السياسية ووسائل الإعلام، بل امتدت إلى دوائر أكاديمية وبحثية كان لبعضها دور معتبر في تطوير دراسات «الإسلام السياسي»، فأصبح «التقرير الأمني» بديل التحليل العلمي. لذلك يحفل المجال العام بكلام يُقال عنه إنه تحليلات أو معلومات، وما هو من هذه أو تلك في شيء.

وفي ظل عزوف باحثين متخصصين، أو إيثارهم السلامة، ومحاولة بعضهم مسايرة الأجواء التي لا تحترم علماً أو معرفة، أصبح التخصص في هجاء «الإخوان» بديل التخصص في دراستهم. وصار بعض ما يُزعم أنه «حقائق» جديدة أقرب إلى خرافات يأباها العقل، ويبدو الخطاب المعتمد عليها وجهاً آخر لخطاب «الإخوان» الأسطوري الاختزالي المحكوم بضيق أفق سياسي وعقائدي.

كما بات عدد من المنشقين عن الجماعة والمفصولين منها قبل ثورة 2011 هم «الخبراء» المعتمدين. ولبس الواحد منهم لباس العالم بكل ما حدث داخل جماعة مشهورة بأن تنظيمها بُني على أساس احتكار حلقة ضيقة في قيادتها المعلومات، بدعوى أن ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال حان وقت قوله، وليس كل ما حان وقت قوله يُقال لأي أحد.

لذا تتضاءل إمكانات فهم ما يحدث في الجماعة منذ وصمها رسمياً بالإرهاب صيف 2013 من دون تمييز بين من يحرضون عليها وغيرهم. وعندما توصم جماعة بالإرهاب فجأة، بعد 85 عاماً على تأسيسها، يتطلب الأمر محاولة تثبيت صورتها الجديدة هذه بـ «أثر رجعي»، ما يدفع إلى محاولات عشوائية لإعادة كتابة تاريخها لكي يتسق مع هذه الصورة. وفي ظروف كهذه، لا تبقى حاجة إلى دراسات علمية وتحليلات منهجية، ويزداد الميل للاعتماد على تقارير تُعد لغرض التوظيف السياسي، وتتضمن ما يدخل بعضه في نطاق الخرافة.

وترتبط الخرافة الأساس هنا بإفراط في التفكير الرغــبوي Wishful Thinking، وتفريط بتراث معرفي مفيد، اعتقاداً بأن المعركة ضد «الإخوان» ستنتهي بالقضاء التام عليهم و «تبخرهم»، فيصبحون أثراً بعد عين.

وانتشرت مثل هذه الخرافة منتصف الخمسينات، حين بدأت المعركة السابقة ضد «الإخوان». ومع أن الجماعة اصطدمت بقطاع واسع في المجتمع هذه المرة، وليس بالسلطة فقط، فهي ليست مجرد تنظيم يضم عدداً كبيراً من الأعضاء بل شبكة واسعة تتكون من حلقات تحيط قلب هذا التنظيم. وتفيد بيانات رسمية مهمة أصدرتها «لجنة حصر أموال الإخوان» في الأشهر الأخيرة بأنها تحفظت على أكثر من ألف وخمسمئة جمعية «إخوانية» تعمل في مجالات الخدمة والرعاية الاجتماعية، ويملك بعضها مستشفيات ومراكز طبية بين كبيرة ومتوسطة، فضلاً عن مئات الشركات والمتاجر والمدارس. وتوفّر بيانات من هذا النوع فرصة لدراسات جادة عن الفئات الاجتماعية التي تلقت خدمات على مدى ثلاثة عقود عبر جمعيات «الإخوان» التي كان كثر من القائمين عليها مدربين على استخدامها في بناء الحلقات المحيطة بالتنظيم بدرجاتها المختلفة.

الحالة السائدة لا تتيح مجالاً لدراسات جادة سعياً إلى فهم ما آلت إليه الجماعة اليوم بعد قرابة أربع سنوات على بدء «محنتها» الثالثة التي تختلف جوهرياً عن سابقتيها، كونها تأتي بعد فشل تجربتها في السلطة. ويتطلب هذا الفهم دراسة ثلاث مسائل محورية على الأقل. الأولى المعركة التي مُنيت فيها بهزيمة قاصمة شلت حركتها بعد إلقاء القبض على آلاف من قادتها وكوادرها، وهروب آخرين إلى الخارج، ولجوء معظم أعضائها إلى الكمون خوفاً من الملاحقة. وثانيتها أثر هذا الكمون في المحافظة على الجسم الأساسي للتنظيم بعد خسارته قطاعات مهمة من قاعدته الشعبية التي كانت تشمل أربع دوائر محيطة به (المساندون في شكل مباشر، والمتعاطفون من بُعد، والمستفيدون من الخدمات، والباحثون عن بديل). وتشمل دراسة هذه المسألة تقدير الأوضاع الراهنة في الدوائر الثلاث الأولى، بعدما فقدت الرابعة مبرر وجودها.

وثمة مسألة ثالثة عن أثر الانشقاق الذي حدث في التنظيم، وأدى إلى خروج مجموعات تبدو صغيرة ولكنها مؤثرة وتضم نخبة من المتمرسين في العمل العام. ويفرض ذلك البحث في طبيعة الخلاف بين قيادة التنظيم التي ما زالت تحظى بولاء معظم أعضائه الكامنين، والمجموعات المنشقة، بخاصة بعد اتجاه بعضها إلى مراجعات أُعلنت مقدماتها مؤخراً تحت عنوان «تقييمات ما قبل الرؤية»، وتضمنت نقداً جزئياً لممارسات الجماعة قبل الثورة وبعدها.

وهذا فضلاً عن السؤال القديم-الجديد عن كيفية التعامل مع معضلة «الإخوان» والإسلام السياسي في المستقبل، بدءاً باستبعاد خرافة تؤدي إلى الاعتقاد بأن الجماعة ما زالت كتلة مصمتة، لكي تتسنى دراسة التفاعلات الجارية داخلها، وسيناريوات تطورها، سعياً إلى إجراء فرز منهجي للاتجاهات التي تفيد مؤشرات أولية بوجود تمايزات بينها، وهي الاتجاه المستعد لمراجعة تجربتها المؤلمة على أسس جديدة كلياً، وليس على طريقة «تقييمات ما قبل الرؤية»، والاتجاه الذي تدفعه نزعة الانتقام وحالة المظلومية إلى العنف المسلح، والاتجاه الذي يفضل التوصل إلى صفقة سياسية تتيح لهم بداية جديدة على طريقة سيزيف.

وليس هذا إلا بعض ما يتعين بحثه علمياً في الحالة الإخوانية الراهنة بعيداً عن الخرافات والأساطير التي يستخف مُروّجوها بالعقل، ويغفلون عن إلحاقها الضرر بمعركتهم ضد جماعة تعود مأساتها الراهنة إلى عوامل من أهمها العقل الخرافي الذي يوجهها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان