رئيس التحرير: عادل صبري 06:48 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

في تهافت «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية

في تهافت «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية

مقالات مختارة

طارق عزيزة

طارق عزيزة يكتب:

في تهافت «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية

الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون السورية والمشاهد المروّعة الواردة منها شكّلت إحراجاً، في ما يبدو، لقادة «المجتمع الدولي» دفعهم إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن لبحث الموقف.

 

وكما في غيرها من جلساته الخاصّة بالمقتلة السورية، انقسم المجلس على نفسه وخيّمت أجواء مشحونة على الجلسة، زاد منها حدّة الخطابات وشيء من تبادل الاتّهامات بين مندوبي الدول الأعضاء.

 

ثلاث دول دائمة العضوية، هي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فشلت في عرض مشروع قرار للتصويت في المجلس، يدين الهجوم ويلمح بقوّة إلى مسؤولية النظام السوري عنه، بعد رفض روسيا وتلويحها باستخدام الفيتو (حق النقض)، إلى جانب اعتبار الصين، وهي من أُولي الفيتو وحماة الأسد أيضاً، أنّ مشروع القرار «غير صالح وليس في مصلحة الشعب السوري».

 

في النهاية لم يسفر الاجتماع «الطارئ» عن شيء سوى إرجاء التصويت، الذي قيل إنّه بغرض المزيد من التفاوض والمشاورات لا سيما بين الخمسة الكبار، وهو ما وصفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ «الفضيحة».

 

كالعادة نفى النظام مسؤوليته عن الهجوم، وقدّم رعاته الروس تفسيراً متهافتاً يحمّل المعارضة المسؤولية عنه، وتقدّموا بمشروع قرار قالوا إنه «مقتضب ويهدف إلى إجراء تحقيق فعلي وليس تحديد المسؤولين قبل معرفة الحقائق»، ليكون بديلاً عن مشروع القرار الفرنسي – البريطاني – الأميركي المشترك، الذي تقول مسودته إن مجلس الأمن «يدين بأشد العبارات استخدام أسلحة كيماوية» في سورية، لا سيما في الهجوم الأخير ويطلب من لجنة التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية العمل لتحديد المسؤولين عنه.

 

كما يطالب مشروع القرار النظام السوري بتسليم المحققين كافة المعلومات المتعلقة بخطط الطيران وأسماء الطيارين والعمليات العسكرية التي كان يقوم بها حين وقع الهجوم، فضلاً عن فتح القواعد العسكرية التي يمكن أن تكون استخدمت لشن الهجوم أمام المحققين، وهدّد مشروع القرار بفرض عقوبات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

 

استبق وزير خارجية النظام وليد المعلم ما قد تحمله الأيام المقبلة من إمكانية فتح تحقيق في شأن الهجوم، وشرع بسفسطته المعهودة يماطل ويسوّف. ففي مؤتمر صحافي عقده في دمشق، شدد على «عدم تسييس التحقيق» مطالباً بانطلاقه من دمشق لا من تركيا، وأن دمشق لديها «أسئلة لا تحصى في شأن هذا الموضوع وعندما تتأكد من حصولها على إجابات مقنعة فسترسل الرد على هذا المقترح».

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما الحاجة إلى كل هذا الجدل والتسويف والتجاذب الديبلوماسي في أروقة مجلس الأمن، طالما أنّه يوجد بالفعل قرار سابق صادر عن المجلس نفسه بالإجماع، تشمل ولايته كل ما له صلة بالأسلحة والمواد والهجمات الكيماوية في سورية. والهجوم الكيماوي الأخير على خان شيخون يفترض أنّه يخضع لأحكام هذا القرار، ولو توافرت الإرادة الدولية الجدّية لذلك، يمكن استناداً إليه الشروع في اتخاذ الإجراءات المناسبة، بدءاً من التحقيق وانتهاءً بمعاقبة الفاعل، الذي تقطع المعطيات والوقائع بأنه طيران الأسد ولا أحد سواه.

 

القرار رقم 2118، أصدره مجلس الأمن الدولي بالإجماع، في 27 أيلول (سبتمبر) 2013، على خلفية التسوية الكيماوية التي تم التوصل إليها في جنيف يوم 14 أيلول 2013 بين روسيا والولايات المتحدة بهدف ضمان القضاء على برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، وذلك في أعقاب الهجمات الكيماوية الأشدّ، التي نفّذتها قوّات الأسد ضدّ غوطتي دمشق الشرقية والغربية، يوم 21 آب (أغسطس) 2013، وراح ضحيتها ما يزيد عن ألف مدني، معظمهم نساء وأطفال.

 

أيّد القرار 2118 قرارَ المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية التابعة للأمم المتحدة، المؤرخ في 27 أيلول 2013، والذي يضع إجراءات خاصة للإسراع بالقضاء على برنامج سورية الكيماوي وإخضاعه لتحقيق صارم، فدعا الحكومة السورية إلى التعاون في شكل كامل مـع منظمـة حظـر الأسلحة الكيماوية والأمم المتحدة، بما في ذلك إفـساح الـسبل أمامهم للوصول فوراً ومن دون قيد إلى أي موقع وإلى كل المواقع ومنحهم الحق في تفتيـشها، في سـياق اضـطلاعهم بمهمـاتهم، وإتاحـة سـبل الوصـول فـوراً ومن دون قيـد إلى الأفـراد الـذين لـدى المنظمة أسباب تدعوها إلى الاعتقاد بأنهم مهمّون لأغراض عملها (المادة 7 من القرار 2118).

 

ولعلّ أهمّ ما تضمّنه القرار ويكسبه فعالية يمكن البناء عليها أنه «في حالة عدم الامتثال سيتم فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة» (المادة 21 من القرار 2118).

 

تفاصيل كهذه تضمنّها مشروع القرار الفرنسي – البريطاني – الأميركي المشترك الذي أغضب موسكو، فكيف وافقت عليها في القرار 2118 وترفضها اليوم؟ ثم ما الذي يدفع بوزير الخارجية الفرنسي، مثلاً، إلى التأكيد أنّ «فرنسا تريد التوصّل إلى قرار» على رغم إقراره بصعوبة الموقف، بدلاً من العمل على تفعيل القرار السابق. وهل بات التقيد بقرار أممي موجود وتنفيذ مضمونه في حاجة إلى قرار جديد يكرّره ويذكّر به، أمّ أنّها إحدى تداولات بورصة المصالح الدولية في سوق الموت السوري، حيث يُدار الوقت وتوظّف المعطيات بهدف الضغط والابتزاز لا أكثر، ضمن جولة جديدة من الكباش السياسي بين روسيا والغرب؟

 

صحيح أنّ ترامب وإدارته صعّدوا من لهجتهم أخيراً، ومنهم من لم يستبعد «احتمال العمل العسكري»، لكنّ من غير الحكمة أخذ هذا الكلام على محمل الجد، فخبرتنا السابقة كسوريين مع «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية، وكيفية تعاطيها مع جرائم نظام البراميل الكيماوي محبطة ولا تبشّر بخير.

 

لم ننس بعد الخطابات النارية الفرنسية والأميركية، صيف 2013، وكيف تبخّرت كل العنتريّات وشُطبت «الضربة العسكرية» عن جدول الأعمال، ما إن توصّلت موسكو وواشنطن إلى الصفقة الكيماوية في جنيف، منتصف أيلول 2013.

 

ليس ثمّة ما يمنع من عقد صفقات مماثلة في مقبل الأيام، وزيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو المقررة الأسبوع المقبل، ربما تضع إطاراً ما لذلك.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان