رئيس التحرير: عادل صبري 03:36 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

سياسات ما بعد الحقيقة

سياسات ما بعد الحقيقة

مقالات مختارة

محمد الحدّاد

محمد الحدّاد يكتب:

سياسات ما بعد الحقيقة

كنّا استقبلنا السنة الحالية بخبر ربما بدا هامشياً، هو قرار معجم أكسفورد الشهير أن يدرج في طبعته لسنة 2017 كلمة «ما بعد الحقيقة» ضمن المفردات اللغوية المعترف بها رسمياً، وقد عرّف هذا التعبير الوافد بكونه يدلّ على الأوضاع التي لا يتأثر فيها الرأي العام بالأحداث الموضوعية بمقدار ما يتأثّر بالخطابات القائمة على الانفعال والعاطفة والتقييمات الشخصية.

 

ويعلم الجميع أنّ هذا المعجم يعتمد منذ عقود طويلة منهجية صارمة في انتقاء الكلمات المضافة، منها تنامي استعمالاتها لدى الكتّاب (في حالة «ما بعد الحقيقة» بلغت نسبة تطوّر الاستعمال 2000 بالمئة!) وتواترها لمدّة لا تقلّ عن العشر سنوات.

 

الغريب أنّ «إجازة» استعمال الكلمة لغوياً بدا كأنه أعطى الإشارة لشرعنة مضمونها، فلم يحدث في التاريخ السياسي أن تراجعت إلى الحدّ الذي نراه اليوم المعطيات الموضوعية على حساب التعامل الانفعالي مع الأحداث. صحيح أنّ التاريخ لم يخل أبدا من الكذب السياسي والتلاعب بالعقول، وكان لذلك دوما تبعات خطيرة وغير أخلاقية، لكنّ الملاحظ اليوم ابتذال الظاهرة وتحولها إلى حدث معتاد.

 

ثمة ثقافة «لا حقيقة» تحوّلت من حالات استثنائية إلى طريقة تعامل يومي في مختلف المجالات، وليست السياسة إلاّ جزءاً منها. لم يعد الأمر مرتبطاً بأناس أشرار بل بالإنسان اليومي المجبر على أن يكون له رأي من دون القدرة على تمحيص المعطيات ولو بالحدّ الأدنى الذي يحقّق له الاقتناع الشخصي، فضلا عن بلوغ الحقيقة.

 

هل شبكات التواصل الاجتماعي هي المسؤولة عن هذا الوضع؟ قد يكون في هذا الافتراض شيء من التجنّي، لكنّ هذه الشبكات تساهم في نشر الظاهرة وتعميمها.

 

فالكمية المهولة من الأخبار المتداولة عبرها لا تخضع لرقابة قانونية ولا أخلاقية ولا مهنية، والآلاف من البشر لم يعودوا يقرأون الصحف وإنما يستمدّون «الأخبار» من تلك الشبكات.

 

ثمة أزمة حقيقية في العالم لا يبدو أنها في طريقها إلى الحلّ. فمعيار التمحيص أصبح واحداً بين أخبار النجوم والرياضة وتلك المتصلة بصحة الإنسان وسلامته والأخرى المتعلقة بالسياسة والاقتصاد، كلها ضعيفة في صدقيتها وقوية في انتشارها.

 

لقد ظنّ البعض أنّ ظاهرة «ما بعد الحقيقة» محصورة في السياسة الأميركية، إذ ينظر عادة إلى جزء كبير من الناخبين الأميركيين على أنه غير مسيّس وغير مهتمّ بتفاصيل ما يحدث في العالم، فيمكن لزعماء مثل بوش الابن أو دونالد ترامب أن يستولوا على مشاعره بخطاباتهم الانفعالية.

 

لكن الواقع يشهد يوماً بعد يوم أنّ المسألة أشمل من ذلك، وأنّ السبق الأميركي قد يكون راجعاً إلى السبق في انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، والنتيجة ستكون ذاتها إذا تشابهت الأسباب.

 

وعليه، ليس المعجم الانكليزي وحده المعني بانتقاء هذه الكلمة الجديدة، وليس من المستبعد في السنة القادمة أن نشهد مثلاً معجمي لاروس وروبير الفرنسيين يقرّران أيضاً إدراجها، إثر ما يحصل حالياً مع الحملة الانتخابية الفرنسية. فللمرة الأولى لم يترشّح رئيس للدورة الثانية لأنّ الانطباع الحاصل لدى الرأي العام أنه فاشل، مع أنه موضوعياً ليس أكثر فشلاً من سابقه ساركوزي الذي تمتع بعهدين انتخابييـــن.

 

الفارق أنّ فرنسوا هولاند أراد أن يوظّف الانفعالات الناتجة عن الإرهاب لمصلحته فلم ينجح، فقضايا الإرهاب لم تعد تثير الاهتمام ذاته، مقارنة بعهد سابقه.

 

مشكلة هولاند لم تكن حينئذ النجاح أو الفشل في الأداء السياسي بل سوء اختياره لموجة الانفعالات التي اختار ركوبها. على الضفة الأخرى، أي اليمين، يواجه فرنسوا فيون حملة غير مسبوقة بسبب توظيف زوجته في البرلمان وتسديد صديق له ثمن بدلاته، مع أنّ الجميع يعلم أنّ هذه الممارسات شائعة، ثم ما قيمة هذا الاتهام مقارنة باتهام ساركوزي سابقاً بتلقي تمويلات لحملته الانتخابية من العقيد القذافي، واتهامه بإعطاء الأوامر لقتله سنة 2011 قبراً للحقيقة؟ الاتهام الثاني يبدو أهم بكثير من الناحية الموضوعية، لكنّ الأوّل هو الأكثر إثارة لانفعال المواطن العادي لأنه ملموس ويتعارض مع قيم معاشه اليومي، بينما الأول أكثر تجريداً وارتباطاً بعوالم السياسة المغلقة (من يعرف كيف يحصل السياسيون على تمويلات حملاتهم الانتخابية؟).

 

«ما بعد الحقيقة» ليس مرادفاً للكذب وإنما يرادف استعمال حقيقة جزئية لحجب حقاـــئق أخرى أكثر أهمية وخطــــراً، وذلك بتــوظيف ما تثيره الأولى من شحنات انفعالية قوية على الرأي العام. وحسن استعمال هذه الآلية أصبح محدّداً للنجاح السياسي ومن لا يتقن قواعد اللعبة يكون مصيره الخيبة.

 

المعاجم العربية لا تعتمد قواعد مضبوطة في انتقاء الكلمات، فلا يمكن التنبّؤ متى ستحلّ هذه المفردة في معاجمنا، بيد أنّ ثقافة «ما بعد الحقيقة» تؤجّج لدينا نظريات المؤامرة بأصنافها، فيظنّ كلّ شخص أنه قد كشف المستور من خلال معطيات لا يمكن له أن يتأكّد من صدقيتها، ويصبح التحليل السياسي مهنة مبتذلة تمارس ببضاعة ذهنية لا تتجاوز في قيمتها ثمن كوب قهوة في مطعم شعبي يوفّر الانترنت بالمجان.

 

من الطبيعي أن نشعر بالخشية من مستقبل ما ستكون عليه السياسة بعد خمس أو عشر سنوات، في عالمنا وفي العوالم الأخرى. لقد كانت في السابق مرتبطة باعتناق أيديولوجيا معينة واعتبارها الحقيقة، ثم أصبحت في مرحلة لاحقة مرتبطة بنقد الأيديولوجيا. والحقيقة أنّ بين المرحلتين، على تعارضهما، رباطاً متيناً: فهي في الحالين تعلّق بالحقيقة وكشف للزيف. أما ما يحدث اليوم فهو شديد الاختلاف بما أنه يغيّب إشكالية الحقيقة من الأصل، فلا يبقي إلاّ تحقيق المراد بحسن استعمال عالم الانفعالات الذي قتل عالم الحقيقة.

 

يكفي أن يضع شخص صورته على الفايسبوك ليثير اهتمام المئات، بينما نشر مقال استغرق ساعات من الجهد والبحث لن يلفت انتباه كثيرين. ويكفي أن يحدث سياسي ضجة حول مسائل جزئية تثير الانفعالات كي يصبح مشهوراً، بينما تقديم برنامج انتخابي عميق سيبدو مملاًّ وغير مثير. هذا الوضع من ذاك، وكلاهما دليل على أننا دخلنا عالم «ما بعد الحقيقة» وأصبح ثقافتنا السائدة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان