رئيس التحرير: عادل صبري 02:39 مساءً | الخميس 20 يوليو 2017 م | 25 شوال 1438 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

عن الأصول النظرية للنزعة النقلية في التراث الثقافي العربي

عن الأصول النظرية للنزعة النقلية في التراث الثقافي العربي

مقالات مختارة

صلاح سالم

صلاح سالم يكتب:

عن الأصول النظرية للنزعة النقلية في التراث الثقافي العربي

تبدو قصة إبليس كما وردت في القرآن الكريم بسيطةً في ظاهرها حيث أمَره الله أن يقع ساجداً لآدم فرفض، وكان ما كان من شأنه.

 

غير أن فكرة هامة تتجاوز هذه النظرة البسيطة قال بها بعض مفسري القرآن، كالطبري، وهي التمييز بين الأمر الإلهي وبين المشيئة الإلهية، فالأمر بطبيعة الحال إما أن يطاع وينفذ وإما أن يُعصى، وللمأمور الخيار في ذلك.

 

أما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات، لأنها بطبيعتها لا ترد. لقد شاء الله وجود أشياء كثيرة، غير أنه أمر عباده بالابتعاد منها كما أمرهم بأشياء ولكنه أرادهم أن يحققوا أشياء أخرى. فقد أمر الله إبليس بالسجود لآدم ولكنه شاء أن يعصي الأمر، ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجداً لوقع ساجداً لتوه، فالأمر والنهي أشياء طارئة وعرضية إذا قيست بسرمدية المشيئة الربانية وقدم الذات الإلهية.

 

الأمر نفسه يمكن تعميمه على قصة هبوط آدم إلى الأرض، فالقرآن يحكي عن خطيئته مع حواء والأكل من الشجرة، بيد أنه لا يؤيد الاعتقاد القائل بأنها خطيئة أزلية/ أصلية تتابع النوع البشري، الذي بات نتيجتَها ذا طبيعة فاسدة مدنسة محكوم عليها بالدونية، بل إن آدم نفسه الذي ارتكب الزلة الشيطانية أصبح أول الأنبياء.

 

وعلى رغم إن الإنسان في الإسلام قد يقع في خطايا عديدة وهو يمارس حياته على الأرض، فإنها خطايا ليست حتمية بأي معنى بل تخضع للمصادفة والإرادة. إنها محض تحدٍّ لقدرتنا على الاختيار، يواجهنا كل يوم، ننجح فيه يوماً ونفشل في آخر، نتيجة ضعف إرادتنا أو قوة شهوتنا في أحيان أخرى. ولكن وقوعنا في الخطيئة لا يعني هلاكنا الأبدي وإنما فقط حاجتنا للتوبة إلى الله. وقد أمرنا الله بالتوبة والاستغفار من الذنوب كبيرها وصغيرها.

 

وإذا مات الإنسان على الإيمان فأمره مفوض إلى ربه في ما اقترفه من المعاصي، إن شاء عذبه بمقدار معصيته وإن شاء عفا عنه لحكمة يعلمها وحده جل شأنه، ولا خلود لمؤمن في العذاب، إنما الخلود الأبدي، وفق ما جاءت به النصوص الشرعية، للكافرين فقط. قال الله تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النساء: 48). وتلقى العقل العربي المسلم هذه القصة بطريقتين مختلفتين، أو وفق فهمين متناقضين، دفع أحدهما في اتجاه توكيد نزعة نقلية/ اتباعية عميقة، فيما دفع الآخر باتجاه نزعة عقلانية تحررية:

 

الفهم الأول حرفي، رأى في هبوط آدم من الجنة إلى الأرض محض عقاب له على خطيئة الأكل من شجرة محرمة، وكأن الله لم يكن ليخلق العالم لولا تلك الخطيئة. ينتج هذا الفهم تصوراً لحركة التاريخ البشري باعتبارها محض نتاج للخطيئة، أو كأنها هي نفسها خطيئة لا يمكن الخلاص منها.

 

ومن ثم يسلك أرباب هذا التصور على أساس أن لا معنى لقيم التقدم والتحرر، فكل حركة على هذا الطريق ليست إلا إمعانا في الخطيئة وولوجاً في الإثم.

 

والفهم الثاني تأويلي يرى في قصة الخلق محض ذريعة لتدشين الوجود البشري، معتبراً هبوط آدم تجسيداً لمشيئة الله، المقررة سلفاً، وليس نتاجاً لخطيئة عارضة. أما نص عصيان آدم لأمر الله فيدرك مغزاه فقط عبر التمييز بين الأمر والمشيئة، فقد خالف آدم أمر الله ظاهرياً فيما أطاع مشيئته جوهرياً، وهو ما ينسجم مع كمال الله وقدرته الكلية التي تُعجز المخلوق عن مخالفتها من الأصل.

 

وبينما يصوغ أرباب الفهم الأول نموذجاً لذات إنسانية مستلبة، تكاد تقترب من العدم، متوهمين أن لا مدخل لتعظيم الحضور الإلهي إلا بتحقير الوجود البشري، على نحو يصبح معه الإنسان عاجزاً، غريباً داخل التاريخ، يصوغ أرباب الفهم الثاني نموذجاً لذات مستخلفة، يملك الإنسان معها وجوداً حقيقياً وإن كان مقيداً ونسبياً أمام الوجود الإلهي المطلق. وهنا يتصور إمكان تحقيق ازدهار بشري برعاية إلهية لإنسان فاعل ينظر إلى التاريخ بإيجابية، ساعياً إلى امتلاك أرقى قيم عصره، بغية تحقيق العمران، باعتباره غاية الله من الوجود البشري.

 

والحق أن هذين الفهمين ظلا قائمين، بالامتداد الرأسي في كل عصور التاريخ الإسلامي، والأفقي إلى شتى الحقول المعرفية من الكلام إلى الفلسفة ومن الحديث إلى الفقه، فطالما كان هناك الجبريون في مقابل القدريين، والأشاعرة في مقابل المعتزلة، والغزالي في مقابل ابن رشد، بل وابن حنبل في مقابل أبي حنيفة.

 

فثمة اتباعيون، هاربون من التاريخ إلى النصوص مقدسين السلف، الأفضل دوماً من الخلف، استناداً إلى فهم صوري لحديث مجروح عقلاً وإن صح سنده عن خيرية القرن الذي عاش فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) قياساً إلى بقية القرون التي تحوز من الخيرية مقداراً أقل بمرور الزمن وتوالى القرون. وثمة مجددون ومبتكرون، واثقون من ذواتهم الإنسانية، قادرون على النهوض بعبء رسالتهم الاستخلافية، وعلى السير بجرأة على طريق المستقبل، مؤمنون بأن العصور والأزمنة تأتي بالجديد الذي لم يكن يتاح للأولين، أنهم مطالبون بإضافة ذلك الجديد إلى جهود السابقين.

 

يؤمن أرباب الفهم الأول، السلفي على وجه العموم، بأن الإنسان ناقص وخطاء، غير قادر على تحرير نفسه. والمفارقة هنا إن هذه الفكرة مسيحية بالأساس، يفترض أن تاريخ الدين التوحيدي قد تجاوزها مع الإسلام، ولكن هؤلاء يتورطون في استدعائها، على رغم أنهم لا يرون في الآخر، مسيحياً كان أو يهودياً، إلا موضعاً للرفض، وربما الكراهية.

 

وفي المقابل، يؤمن أرباب الفهم الثاني، النقدي على وجه الإجمال، بقابلية الإنسان إلى الكمال الأخلاقي، عبر التربية والتعليم والتثقيف، وهى فكرة لم يبلغها العقل الغربي الحديث إلا عبر قطيعة فلسفية مع المفاهيم المسيحية التقليدية حول الإنسان والخطيئة الخلاص، بدءاً من زمن الإصلاح الديني مروراً بالعصر الهيوماني (الإنساني) وصولاً إلى عصر التنوير، حيث كرس جان جاك روسو لهذه الفكرة كتابه الشهير (إميل)، مؤكداً قدرة الإنسان على الترقي عبر التربية، وهي نفسها الفكرة التي أشار إليها المفكر الألماني غوتولد ليسنج، بل أقام عليها معمار فهمه لتاريخ الدين التوحيدي، ومغزى تعاقب رسالاته، وتغاير تعاليمه وفق قدرة الإنسان على التلقي، والتي نمت تاريخياً بفعل ارتقاء العقل البشري ذاته، ومن ثم ينبع التقارب المنطقي بين التيار النقدي في الفكر العربي، وتيارات الفكر الغربي الحديث، حيث الإيمان المشترك بالإنسان وقدرته على التعقل والتحرر، والتأثير الإيجابي في حركة التاريخ.

 

وقد انعكس هذان الفهمان أو تداخلا مع عالم السياسة أيما تداخل، فثمة حكام راقهم التيار الجبري الإتباعي، حاولوا توظيفه تأبيداً لسلطتهم على الناس/ الرعايا باعتبارهم من القاصرين، فاستدعوا رموزه على كافة الأصعدة، إذ لم يكن استدعاء الأمويين مثلاً، الجبريين ومقولاتهم وحصارهم القدريين الأوائل ومقولاتهم صدفة، بل تبريراً لاستبدادهم باعتباره قدر الله الذي يعد التسليم به والخضوع له نوعاً من الإيمان، وهو ما توالى عبر كل العصور في صور وأشكال شتى صاغت ظاهرة فقهاء السلطان، وشعراء الأمير، وصولاً إلى مثقف الدولة العضوي.

 

وفي المقابل ثمة حكام كبار امتلكوا الطموح لترقية مجتمعاتهم، فاستدعوا رموز التيار الإبداعي في شتى المجالات، كالخليفة المأمون مثلاً (198 - 218 هـ) الذي رعى المعتزلة والفقه الحنفي القائل بالرأي، وأنشأ دار الحكمة لترجمة المعارف من كل اللغات الحية، باعتبارها رافداً للحكمة الإنسانية، وطريقاً للتواصل مع الآخرين، وإن كان الأمين، ثم المتوكل قد انقلبا على هذا المشروع الثقافي، باستعادة رموز التيار الاتباعي تهميشاً للنزعة العقلانية في الفكر العربي، وهو الانقلاب الذي لم تبرأ منه الثقافة العربية تماماً حتى اليوم، ولو شهدت في بعض الحقب أو الأنحاء طفرات عقلانية سرعان ما يقل إشعاعها، وميول تحررية، سرعان ما يتقلص امتداده، لتعود سيرتها الأولى على هذا الصعيد أو ذاك، وصولاً إلى الربيع العربي العاصف بنزعات التحرر، والذي استحال خريفاً كئيباً بانفجار براكين المذهبية، وتمدد ألسنة التطرف.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان