رئيس التحرير: عادل صبري 09:53 مساءً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

صورة الإسلام في مخيال أوروبا القروسطية ... وسائل ودواعٍ

صورة الإسلام في مخيال أوروبا القروسطية ... وسائل ودواعٍ

مقالات مختارة

هشام منوّر

هشام منوّر يكتب:

صورة الإسلام في مخيال أوروبا القروسطية ... وسائل ودواعٍ

الحياة 11 مارس 2017 14:31

استثمر الغرب في العصور الوسطى كل الوسائل الممكنة لتكوين متخيل جمعي يعلي من شأن الذات، ويقدم «الآخر» في أشكال منتقصة شيطانية، محفزة على الإيمان بعدوانيته وشراسته إلى الدرجة التي يصل فيها الاعتقاد بأن مواجهة الإسلام «حرب على الظلام قصد إشاعة الأنوار».

 

 

وسواء أكانت هذه العملية «إيديولوجيا» أم «دعاية» فإن ما أثار الانتباه عند الباحثين، استعمالهم الكبير لقاموس «المتخيل» أو «المخيلة»، أو الصورة النمطية، يضعنا مباشرة في قلب الإشكالية التي تحركنا منذ البداية باعتبار ما للمتخيل من دور حاسم في تشكيل النظرة الغربية القروسطية للإسلام والمسلمين.

 

إذا كانت الحضارات تنتصر كما يزعم فرنان بروديل لأنها تعرف كيف تمارس كراهيتها للآخرين، فهل يصحّ القول حينئذ، بأن التشويه الذي تعرض له الإسلام من طرف الأوروبيين عبّر عن حاجة ضروريّة «للتعويض عن شعورهم بالنقص»؟ بمعنى هل أن التعبئة المسيحية حين قرنت الإسلام بالظلام والمسيحية بالنور، زرعت في الوجدان المسيحي الشعور بضرورة الانتصار على النقص لهزم الظلام الإسلامي؟ مهما كانت قوة الإسلام والمسلمين، فإن المسيحيين من جهتهم ترسّخت لديهم القناعة بتفوقهم بفضل دينهم، ومن ثم فإن الصورة المشوهة عن الإسلام يتعين النظر إليها بأنها «إسقاط للجانب المظلم في الشخصية الأوروبية».

 

التصور المسيحي للإسلام في العصور الوسطى، أو ما يمكن لنا التعبير عنه بالوعي الضدّي بالآخر جاء نتاج الأدبيات التي وضعها رجال الكنيسة، وعلماء الكلام، والمؤرخون، لسبب بسيط وهو أن الرهبان والكهان وموظّفي الكنيسة الكبار هم الذين يدعون امتلاك مفاتيح المعرفة، وبعهدتهم وحدهم تناط تربية المؤمنين بكتاباتهم ودعواتهم.

 

تعرّف أوروبا على الكتابات الدينية والجدليّة المناهضة للإسلام مرّ عبر النموذج البيزنطي بالدرجة الأولى، أي أنه مهما كان دور المسيحيين الشرقيين في التمهيد لعناصر الصورة المسيحية عن الإسلام، فإن الوساطة البيزنطية أعطت لكثير من هذه العناصر بعداً ينشّط المخيلة ويحرّك الوهم أكثر مما يستدعي النظر العقلي الهادئ. والإطار المرجعي لهذه الوساطة البيزنطية تمثله الأعمال التي تركها يوحنا الدمشقي، وكان الإسلام موضوعاً لها.

 

كانت نشأة يوحنا الدمشقي في بيئة عربية بيزنطية وإسلامية، فساهم بقدر مهم في إثراء الجدل الكلامي بين الإسلام والمسيحيّة، وإضفاء نوع من «العقلنة» على نمط المناظرة الذي دار حول قضايا لاهوتية بين علماء الكلام المسلمين وعلماء اللاهوت المسيحيين.

 

يُرجع باحثون عنف الأحكام المتخيلة عن الإسلام إلى طبيعة الشغف الإسلامي وما تولد عنه من إرادة القوة المتطلعة إلى انتزاع مناطق شاسعة من السيطرة المسيحيّة. ولم يمنع احتكاك المسيحيين الشرقيين بتحولات الواقعة الإسلامية ونصوصها التأسيسيّة حرص الوساطة البيزنطية على تنشيط متخيل عدائي للإسلام أفضى إلى تكوين الصور النمطية المؤسسة للوعي واللاوعي المسيحي طيلة الزمن الوسيط.

 

خضعت هذه الصور النمطية إلى تطور خاص، تبعاً لسيرورة المد الإسلامي، ولطبيعة النزاع الذي شهدته المنطقة المتوسطية وما جاورها بين الإسلام والمسيحيّة. ويكاد يجمع الباحثون على أن الإدراكات والصور الأولى التي كونتها المخيلة المسيحية عن الإسلام كانت باهتة وغامضة ولا تستند باستثناء حالات قليلة محددة مثل حالة يوحنا الدمشقي إلى اطّلاع ومعرفة كافية بأصول الإسلام ونصوصه التأسيسيّة.

 

لقد شكل المسلمون بالنسبة إلى الغرب المسيحي خطراً قبل أن يصبحوا مشكلة. وضمن جدلية المد والجزر هذه، والاحتكاك العنيف أحياناً، بدأت الصور المسيحية عن الإسلام تتحدد أكثر، من دون أن يعني ذلك اقترابها أو مطابقتها للوقائع.

 

تندرج الحرب الرمزية والنفسية من خلال الانتقاص من كل مظاهر الواقعة الإسلامية نصوصاً ونبيّاً وحضارة وإنساناً، لإعادة بناء الوعي المسيحي بالذات، في سياق خلق صور قدحيّة للآخر، قصد التعويض عن الفقدان الكبير الذي أحدثه الإسلام في منطقة تعتبرها المسيحية مجالاً حيوياً منذ القديم. ولذلك عملت «الظاهرة الصليبية» بمراحلها المختلفة على تكثيف الصور الأولى التي كونتها المسيحيّة الأوروبية عن الدين المنافس، ونجحت في ذلك إلى أبعد مدى لصدورها عن تأويلات وأخبار مغرضة ضد الواقعة الإسلامية تعكس في شكل ما، ذلك الشعور العميق بما سماه فرنان بروديل الكراهية.

 

نسج الغرب في الزمن الوسيط خطاباً حول الإسلام تداخلت فيه المعلومة المنتزعة من سياقها وواقعها بالخيال المتدفق بالميل المقصود إلى التشويه، وتقديم الإسلام بكل الأشكال المتناقضة مع ماهيته وأصوله. ففي الوقت الذي نجد الإسلام يتأسس على التوحيد قاعدة دينيّة ثابتة، نجد الخطاب المسيحي مراهناً على الترويج لما هو مناقض لهذه القاعدة بالذات، من خلال الادعاء بأن الإسلام ديانة وثنية تدعو إلى التعدد.

 

من المفاهيم التي لعب عليها صناع القرار الديني في الغرب القروسطي إظهار الإسلام على أنه دين شعاره السيف والحرب والقتال، وهي صفات تمثل النقيض المباشر للمسيحيّة، إذ المسلم يتقدم إلى مساحة الإدراك المسيحي الأوروبي باعتباره رجلاً محارباً، شرساً، متوحشاً، يقوم بكل أنواع النهب والتنكيل خالقاً بذلك وراءه تعاسة وشقاء لا يوصفان، فيصبح المسلم ممثلاً لكل التعبيرات العدوانية، يحركه ميل قويّ للقتل حتى أصبحت القوة عنده، عنصراً مؤسساً للديانة الإسلامية وعلامة بديهية على الضلال.

 

عمل رجال الكنيسة المسيحيين على بناء سيرة ذاتية للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) خاصة بهم، لعبت فيها المخيلة دوراً حاسماً في إنتاج الصور واختلاق الأخبار بدمج بعض التفاصيل القريبة من الصحة في قالب متخيل يجعل من التهويل والتضخيم قاعدة له، ومن توليد النفور والرفض غايته. فالنبي عندهم رجل يقول بتعدد النساء وبالتمتع بالحياة معهن ما يخالف العرف المسيحي الداعي إلى الورع والتقشف والتعالي عن اللذات والامتناع عن الزواج، كما نُعت المسلمون بكونهم يمارسون الشذوذ الجنسي، ولا يتورعون في جعل الجنس مسألة حيوية في علاقاتهم ووجودهم، وهذا ما يعبّر عن ضعفهم وعجزهم أمام غرائزهم وأهوائهم.

 

الخطاب المؤسس للنظرة المسيحيّة للإسلام في القرون الوسطى ارتهن بوسائل لشحن المتخيل الجمعي بالصور المضادّة للحقيقة المسيحية، سواء أقدمت هذه الصور في أشكال تشوّه الإسلام كعقيدة، أم كانت صوراً كاريكاتوريّة تصوغها في قالب لا أخلاقي منفّر، لكن تلك الصورة التي انطبعت في مخيال المواطن الأوروبي المسيحي سرعان ما بان زيفها وعدم قدرتها على الصمود أمام التحقيق العلمي، لا سيما بعد تراجع سلطة الكنيسة في الغرب وزيادة الروابط والأواصر بين الشمال الأوروبي والمتوسطي تحديداً، ونظيره الإسلامي الممتد من شرق آسيا إلى غرب أفريقيا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان