رئيس التحرير: عادل صبري 12:25 مساءً | الأحد 20 مايو 2018 م | 05 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 32° صافية صافية

«خريف الدبلوماسية المصرية» لا «خريف» المجتمع المصري؟

«خريف الدبلوماسية المصرية» لا «خريف» المجتمع المصري؟

مقالات مختارة

جهاد الزين

«خريف الدبلوماسية المصرية» لا «خريف» المجتمع المصري؟

جهاد الزين 06 مارس 2017 14:14

لرئيس تحرير جريدة "الأهرام" الحالي محمد عبد الهادي علام كتاب نُشِر عام 2010 قبل ثورة ميدان التحرير تحت عنوان: "خريف الدبلوماسية المصرية". هذا الكتاب الذي يشكِّل مادة بحث نقدي لمفاهيم وأداء الدبلوماسية المصرية في عهد الرئيس حسني مبارك ولاسيما في العقد الأخير منها، ساهم، حسب البعض، في إسناد الرئيس عبد الفتاح السيسي مهمة رئاسة تحرير الصحيفة المصرية الكبرى إلى كاتبه الذي عمل أيضا مديرا لمكتب لبنان في الصحيفة.

التقيتُ اخيرا بالسيد علام في بيروت الى عشاء في منزل سفير مصر نزيه النجاري الذي يملك معرفة واسعة في الشأن السوري. وبدل أن أتذكّر السيد علام كزميل عمل في بيروت تذكّرتُ كتابَه، ومن خلال هذا الكتاب المهم، خصوصا في توقيته، تذكّرتُه هو كشخص. وهذا لا يضير السيد علام بشيء لأنني أتمنى أن يتعرّف عليّ الآخرون من خلال كتاب أؤلِّفُهُ وليس من معرفة شخصية إذا كان لا بد من المفاضلة.
الكتاب الذي يذكِّر عنوانُهُ بعنواني كتابين شهيريْن وإن كان موضوع كل منهما مختلفاً وهما "خريف البطريرك" لغابرييل غارسيا ماركيز الذي صدر عام 1975 و"خريف الغضب" لمحمد حسنين هيكل الذي صدر عام 1983.
في المناسبة، كتاب هيكل يعيد تقييم كل عهد الرئيس أنور السادات في "خريف الغضب" والأسباب التي من وجهة نظره أدّت إلى اغتياله ( وهو كتاب ليس أقل إمتاعاً من كتاب غارسيا ماركيز! أقله للقارئ العربي) أما رواية "خريف البطريرك" تتميز شخصية البطريرك الحاكم فيها بعدم معرفته للقراءة!
على أي حال تبيّن لاحقا أن خريف البطريرك المصري حسني مبارك ساهمت فيه أخطاء الديبلوماسية المباركية  التي حسب شرح كتاب محمد عبد الهادي علام قزّمتْ دورَ مصر وحجمها سواء في الخيارات الإقليمية ولاسيما العلاقة مع إسرائيل وبعض دول المنطقة ( ولبنان بينها) أو الدولية وبصورة خاصة نوع الفهم المصري الديبلوماسي للعلاقة مع "الحليف" الأميركي الذي كتب عنه علام في أحد فصول الكتاب أن واشنطن لم تكن حليفا بالصورة التي اعتقدها النظام الأسبق. بل لم تكن حليفا. ويحتل نقد الأداء المصري الرسمي يومها في التوتر السني الشيعي حيزا واسعا لاسيما حيال ما يعتبره تصاعد الدور التركي آنذاك بل هو وضع فصلا خاصاً في الكتاب لما أسماه "استبعاد مصر" من محافل ودوائر تأثير إقليمية ودولية.
الذي جعلني أستذكر كتاب علام أمران وردا صباح أمس الجمعة في الصفحة الأولى من موقع "الأهرام" الإلكتروني: تصريح الرئيس السيسي عن "دعم مصر للجيوش الوطنية لاستعادة الدولة الوطنية" خلال لقائه مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وهو التصريح الذي يدعو فيه "دولاً في المنطقة" للكف عن دعم الإرهاب؟ والأمر الثاني هو افتتاحية رئيس التحرير عبد الهادي علام التي تعرض للوضع الراهن في سيناء تحديدا بعد تفاقم موضوع هجرة مسيحيي العريش إلى الداخل تحت عنوان "تلخيص مصر في أزمة العريش".
لا تحمل الافتتاحية جديدا وإنما تكرر ربطا بات تقليديا في الإعلام المصري بين حالة التطرف الإرهابي في سيناء ومصر وبين دور "الإخوان المسلمين". رغم التكرار الذي يبدو وكأنه خطاب تعبوي للحكومة المصرية فقد بات من الثابت أن هذا الربط صحيح بأشكال مختلفة. إذْ لم تظهر من ممارسة "الإخوان" المصريين السياسية ولاسيما الموجودين في الخارج أية دلائل على عدم تشجيعهم الحالة الإرهابية الصعبة التي تتعرض لها مصر مجتمعا ودولة. لا بل يمكن القول مع ظهور أزمة مسيحيي العريش أن الإرهاب التكفيري لم يعد قاصرا على تهديد وجود الدولة المصرية، وهو أمر فادح وخطير في منطقة انهارت فيها بعض دولها ونجح الجيش المصري مدعوما برأي عام واسع وأكثري في منع هذا الانهيار على الصعيد المصري رغم كل الأثمان والتجاوزات التي حصلت... بل إن سكين الإرهاب باتت تهدد خارطة وديموغرافيا المجتمع نفسه وتنوعَه المسلم المسيحي العريق. وبَصَمات "الإخوان" واضحة في هذا الوضع.
مثل عديدين لستُ متفائلا في ظل هذا الضغط الأمني الهائل المستمر (والمشبوه منذ البداية) على مصر من إمكان  تجاوز سريع لِـ"خريف" الديبلوماسية المصرية رغم تعديلات عديدة في "نَفَسِ" وخيارات هذه الديبلوسية ولاسيما إعادةَ التوازن في العلاقة مع روسيا بينما لا يزال التغيير بطيئاً في دوائر مهمة أخرى بحيث لم تتمكّن مصر بعد من لعب الدور التوازني الذي ينتظره كثيرون في المنطقة. فالشأن الداخلي لا يفرض الانشغال الاستراتيجي فقط بل يولِّد نوعا من العجز في السياسة الخارجية لن يتضاءل هذا العجز إلا بتقدم السلام الداخلي الذي بات يعني استئصال الإرهاب. فكيف ومصر تواجه بمعنى ما حالة استنزاف اقتصادي بنيوية تاريخيا بما فيها الاستنزاف السكاني والخلل الهيكلي في الاقتصاد؟
أما أي "ربيع" ديبلوماسي يمكن للنخب المصرية مستقبلا أن تصنعه أو تحلم بصناعته، فهو جهد لا يقف، في العمق ، عند النخبة السياسية الديبلوماسية المصرية بل يشمل كل النخب الاقتصادية والثقافية والأكاديمية كما تُظهِر كل تجارب الدول الصاعدة أو الطامحة للصعود بل كما يُثبت الماضي المصري نفسه والإمكانيات الضخمة الكامنة في حاضره.

ـــــــــــــــــــ

 

نقلا عن «النهار»

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان