رئيس التحرير: عادل صبري 06:31 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

التاريخ الذي لم ينتهِ: فوكوياما والانحطاط السياسي

التاريخ الذي لم ينتهِ: فوكوياما والانحطاط السياسي

مقالات مختارة

الفيلسوف الأميركي «فرانسيس فوكوياما»

عمرو مقلد يكتب:

التاريخ الذي لم ينتهِ: فوكوياما والانحطاط السياسي

إضاءات 04 مارس 2017 11:06

إذا فالتاريخ لم ينتهِ بعد!
مازلت أذكر تلك الضجة التي أحدثها كتاب (نهاية التاريخ وخاتم البشر) في التسعينيات عندما صدرت الترجمة العربية، كان خلاصة الطرح أن الرأسمالية والليبرالية الغربية هي نهاية التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبشرية، وأن هذا أفضل ما تستطيع أن تصل إليه البشرية، ربما كان سبب الضجة هو قوة الطرح وربما عجرفته، لكن أظن أن القلق الحقيقي الذي تسبب فيه الكتاب هو الوضع العالمي والعربي في ذلك الوقت. 


لقد زال الاتحاد السوفيتي العدو الأول لأمريكا وللغرب واستتب الأمر لأمريكا لتكون القطب الوحيد في هذا العالم، كان الكاتب يعلن عن لحظة انتصار وسيادة لم تتحقق في التاريخ من قبل. في نفس الوقت كان العالم العربي يترنح من صدمة حرب الخليج وهزيمة صدام حسين والبداية الحقيقية لتحلل النظام السياسي العربي في شكله الحديث. كل هذا جعل لكتاب فوكوياما الأثر الكبير في النقاشات السياسية التي امتدت بعد صدوره لعقد كامل.


لا يمكن قراءة كتاب فوكوياما الجديد بمعزل عن كتاب نهاية التاريخ، الكتاب الجديد صدر في جزأين بعنوانين مختلفين؛ الأول عام 2011 (أصول النظام السياسي)، والثاني عام 2014 (النظام السياسي والانحطاط السياسي)، وصدرت ترجمته العربية عن منتدى العلاقات العربية والدولية العام الماضي.


ما أريد أن أستعرضه هنا ليس مراجعة للكتاب، فلقد تكفل بذلك أحد الأصدقاء على الأقل بالنسبة للجزء الأول، لكن ما أهدف إليه هو مناقشة بعض الأفكار التي يطرحها فوكوياما وخلق حالة جدل بينها وبين آراء الأستاذ الدكتور حامد ربيع التي في رأيي تمثل ردًا أو نقاشًا للكثير مما يطرحه فوكوياما بالرغم من أنها سابقة على الكتاب بعقود.

الانحطاط
عندما تتذكر ما سرده فوكوياما في كتاب نهاية التاريخ وتقرأ فهرس كتابه أصول النظام السياسي تتعجب؛ إذا كنا نمضي للأمام وننتظر نهاية التاريخ فما الذي يجعلنا نعود للوراء ونستدعي الماضي!


في الجزء الأول يتحدث عن تاريخ النظام السياسي من حقبة ما قبل الإنسان (من منطلق نظرية التطور) حتى الثورة الفرنسية. بعد أن تستعرض الفهرس وتقرأ المقدمة يبدو فوكوياما وكأنه يصنع سلفية مؤسساتية، ينبش في التاريخ بحثًا عما يثبت به إيمانه بالحضارة الأمريكية ونظامها الاقتصادي والسياسي والأهم من ذلك مؤسساتها.


فوكوياما يظهر وكأنه مرتبك أو متناقض، فهو يصر على إيمانه بالديمقراطية وأن الحضارة الأمريكية – كما يسميها – ليست في طريقها للأفول، ولكن في موضوع آخر يبدو مدافعًا مترددًا ومتشككًا في مدى فعالية المنظومة / المؤسسات القائمة وإلى متى تستمر. يؤكد الدكتور مجاب الإمام أحد مترجمي الكتاب (من الواضح أنه مكتوب بصيغة دفاعية).


أظن أنه يجب التوقف هنا الاستطراد قليلا لقراءة موقف الإنسان عندما يشعر بقرب الانحطاط أو يشعر بالخطر أو بخطأ أفكاره وتصوراته بعد أن اطمئن إليها واستقرت في نفسه وتحرك بها. 


يتحول الإنسان الذي يعيش في قمة الحضارة هنا إلى ما يشبه حالة الشخص الذي يعيش في بلد من بلاد العالم الثالث حيث يستدعي أو يلوي عنق التاريخ ليبني لأفكاره أصلًا حتى يطمئن قلبه أنها (باقية وتتمدد) كما بقيت أصولها عبر القرون الماضية. 


لقد تحول فوكوياما إلى (سلفي) بالمعنى السلبي. لكن هذه المقاربة لا يجب أن تخدعنا ونتصور أن حالة الخوف من الاقتراب من الانحطاط مثلها مثل من يعيش في أمة مهزومة وتعاني. ذلك أن فوكوياما يتحدث من منطلق الدولة التي ينتمي إليها والتي تخشى المستقبل ومازالت قادرة على الفعل، بل هو نفسه شارك في صياغة السياسات التي كانت تحاول أمريكا تطبيقها في أفغانستان والعراق.

 

التاريخ

يبني فوكوياما مفهومه للنظام السياسي على ثلاثة أعمدة رئيسية: الدولة وحكم القانون والمحاسبة (عن طريق برلمان منتخب)، وهو هنا لا يتحدث عن الشكل الديمقراطي لكنه يتحدث عن نظام سياسي وليس مجرد إجراءات قد تكون موجودة فلا توجد مؤسسات فتكون دولة فاشلة أو دولة قوية دون مؤسسات فتكون ديكتاتورية. يفتتح الفصل الأول لتأصيل فكرة النظام السياسي بحديثه عن الصين، ورغم أنها ليست أول الحضارات مثل الفراعنة كما يقول إلا أنها أول نظام سياسي يعتمد فكرة الولاء للدولة / النظام / القانون على حساب العلاقات القبلية والقرابة وهذا ما يؤهلها أن تكون أول نظام سياسي عرفه التاريخ في رأيه حيث يقوم على حكم القانون وليست على دولة أبوية!


يهتم فوكوياما بالعلاقات القبلية ويجعلها محور حديثة حول أسباب انهيار الدول ويجعل من تحول العلاقات داخل الدولة إلى علاقات تقوم على الكفاءة والولاء للمؤسسات هو سبب مهم لنشأة نظام سياسي قوي ولكن عندما يكون النظام أبويا (Patrimonial) فهنا تكون دولة قوية / ديكتاتورية بلا مؤسسات وتحمل أسبابًا داخلية للانهيار. 


يقر فوكوياما في حديثه عن الانحاط السياسي أنه يحدث عندما يتحول النظام الديمقراطي إلى العلاقات الأبوية وهو ما يراه يحدث في أمريكا الآن من خلال وجود مجموعات المصالح التي تمنع صدور قرارات لمصلحتها! يقر فوكوياما أن هناك أزمة داخل النظام الأمريكي الآن وأن المؤسسات أصبحت عاجزة عن حل المشاكل، لكن بالطبع ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض كاتب لعلاقة مجموعات المصالح (Lobbyists) بالدولة، جون اهرنبرغ في كتابه عن المجتمع المدني سرد آراء كثيرة بعضها يعود إلى الخمسينيات؛ أن الديمقراطية لا تضمن عدالة كاملة ولا تضمن مقاومة شبكات مصالح تدفع التصويت لصالحها وتحرك الانتخابات لما يخدم ثرواتها.

 

هنا تبرز نقطة مهمة أن هناك تركيزًا أساسيًا في الكتاب على العوامل الداخلية للانحطاط مع ذكر قليل بسيط أو منعدم للعوامل الخارجية، وهو ما انتقده الدكتور الأحمري في تعليقه على الكتاب خاصة فيما يخص النقاش حول عوامل انهيار الدولة العثمانية. 


ظني أن المسألة ليس غفلة أو إهمالًا من الكاتب ولكن ما يدفعه لذلك هو رؤيته للواقع الأمريكي ورغبته في البحث عن حل لمؤسساته من خلال نقاش تجارب الآخرين، أمريكا لا تواجه خطرًا عسكريًا مباشرًا على أراضيها، لكنها تواجه أزمة مؤسسات وأزمة ديمقراطية فهي بالتالي مشكلة داخلية وأثر أعداء الخارج بسيط جدا، هذه الرؤية – في ظني – كانت المدخل لعرض تجارب الدول الآخرى.


الانحطاط يؤدي للاستعمار ولكن – الآن – من يطرق الباب هو الانحطاط وليس العدو الذي لايزال بعيدًا (حتى داعش لا تعتبر في رأيه خطرًا حقيقيًا)[6]، ولعل هذه الفكرة تذكرنا بطرح مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار. أهمية هذه القراءة أنها تبين إقرار أحد الداعمين والمشكلين للسياسة الأمريكية في العقدين الماضيين أن الديمقراطية / المؤسسات الأمريكية في خطر حقيقي الآن.


القانون
يوضح الدكتور حامد ربيع أن النظرية السياسية قسمين: قيم وممارسة ويرى أن الممارسة كانت دائما تأتي على حساب نظرية القيم السياسية، كما يرى أن المدرسة الأمريكية في السياسة لا تمتلك فلسفة واضحة وهي تعتمد على الممارسة / السلوك، وإن كان لديها قيم فليست سوى قيم ديماجوجية.

لا يكف فوكوياما عن تكرار كلمة المؤسسات أو حكم القانون أو المحاسبة ويسرد دائما المشاكل الإجرائية أو السياسية التي تواجه الدول دون الحديث عن أي أفكار أو أيديولوجيات أو حتى المجتمع.


هذا الاهتمام بالناحية الإجرائية وإغفال القيم / الأفكار والناس جعلته ينظر إلى دور الكنيسة في تأسيس حكم القانون من ناحية إجرائية فقط! وأن الإصرار على وحدة القانون الذي كانت تطبقه الكنيسة هو ما استلهمه الغرب لاحقا وما استلهمته الكنيسة من الرومان من قبل، في المقابل يجعل من غياب مؤسسات مثل الكنيسة عن المجتمعات العربية واستمرار العلاقات القبلية سببًا لغياب فكرة حكم القانون.


المثير للدهشة هنا أنه يقلب الأمور ويجعل ما هو خطأ إيجابيًا وما كان طبيعي وسوي سلبيًا.

 

يوضح الدكتور حامد ربيع أن الحضارة الرومانية كانت تطبق القوانين على أهل روما فقط وأنها كانت تختصهم بتلك القوانين بل أن مفاهيم مثل الحرية والسيادة عندما يتم تداولها فكانوا يعنون بها الرومان فقط وعندما جاءت الكنيسة وتلبست بالدولة أصبحت هي الأخرى دعوة عنصرية أقرب للقومية وضيقت واسعا، كما أكد لوجوف أيضا (المؤرخ الفرنسي) نفس الطرح فيما يخص الكنيسة. ظهر أثر ذلك لاحقا عندما تأسست الدولة الحديثة التي تشكلت على أساس العنصر القومي وهو الذي لا يجد فوكوياما غضاضة في تأكيده؛ أن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ إلا على أساس دولة قومية.

 

مسألة حكم القانون تبدو هنا مسألة جدلية وأقرب للتعنت وفرض إرادة الدولة والتي لم يطبقها المجتمع الإسلامي، وكان غالبا يقبل تعدد المذاهب وأحكامها ورفض حتى الخلفاء المتجبرين تطبيق ما دعا إليه ابن المقفع عن وحدة القوانين. يطبق الدكتور حامد ربيع نفس الفكرة حتى على مفهوم الأقليات بين االدولة القومية والتراث السياسي للمسلمين حيث أنها أقليات سياسية في عصر الدولة الحديثة لكن المسلمين كانوا يتعاملون معها على أنها أقليات دينية تدير أمورها بنفسها، بل واستفاض في بحث؛ هل الحريات التي نالتها الأقليات الدينية كانت أحد أسباب قوتها وتوغلها حتى ساهمت في ضعف الدولة الإسلامية!


المؤسسات والقيم
خصص فوكوياما فصلين في المجلد الأول عن المماليك والعثمانيين وفصل عن زوال القبلية وبدء عهد العبودية في تاريخ الدولة الإسلامية وفصل عن الربيع العربي في المجلد الثاني. ولعل السؤال الذي يمكن أن نطرحه؛ لماذا تحدث عن المماليك والعثمانيين مع لمحة سريعة عن العباسيين؟ لماذا لم يتحدث عن الدولة الإسلامية في أوج عصورها الأولى من الخلفاء الراشدين وحتى العصر العباسي الأول؟


الإجابة تبدو واضحة من خلال سياق الكتاب، الحديث هنا عن المؤسسات والدولة التي لا تعتمد القرابة وكان ظهور ذلك مع العصر المملوكي ثم كان أوج الأمر في عصر الدولة العثمانية، والغرب أحيانا يبدو في تعامله مع الدولة العثمانية يتأرجح بين إعجاب مكتوم بتلك الدولة القوية والغضب والنقمة عليهم لأنهم هزموهم واقتحموا بلادهم حتى فيينا. 


والتركيز على الدولة العثمانية قد يكون له علاقة بالإعجاب الآخر للدولة الرومانية، العثمانيون كانوا يعتمدون منطقًا مشابهًا للرومان فالحق والقوة عندهم صنوان والفكر والوظيفة عناصر تأتي في المرتبة الثانية لتبرر وليس لتفسر. ولعل إغفال ذكر المراحل الإسلامية الأولى ليس فقط لاعتمادها القبلية كما يذكر ولكن لأن تأريخ مؤسسات الدولة هو ما كان يعنيه، فهو لا يتهم بالجانب القيمي في النظرية السياسية والتي هي أساس التراث السياسي الإسلامي الذي يجعل الوظيفة الحضارية هي الأهم وإقرار مفهوم الأمة والجماعة وهذا بعيد عما يطرحه. 


نقطة أخرى؛ المراجع التي يلجأ إليها في حديثه عن المماليك والعثمانيين هي مراجع واهية وضعيفة وترجمتها عن العربية خاطئة (كما نوه المترجم أكثر من مرة) ومن مستشرقين أكثرهم يحمل عداء للمسلمين عامة أو للعثمانيين بشكل خاص.


الربيع العربي والديمقراطية
خلال حديثه عن الربيع العربي يعكس فوكوياما ارتباك السياسة الأمريكية فيما بعد 2013 والتي ظهرت في اضطراب شديد وفقدانها الثقة في إجراءاتها السابقة ومراجعة سياستها عن التدخل المباشر، يظهر ذلك أيضا في مقدمة الجزء الثاني حين يفتتح فوكوياما بالحديث عن ليبيا وغياب الدولة هناك، وحديثه عن ليبيا يعبر عن نفس سياقه في الحديث عن ضرورة وجود مؤسسات تضبط الأمور وهو ما يغيب في ليبيا وبالرغم من خطورة الوضع في مصر أو اليمن لكن كليهما مازال به نظام أو بقايا نظام يمكن أن يضبط الأمور. 

 

واهتزاز الثقة في سياسات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط ظهرت في تراجعه – قليلا – في الجزء الثاني عن فكرة ازدراء التقاليد المحلية التي تعيق تطبيق الديمقراطية ويقر بغياب الفهم الحقيقي لظروف كل دولة وأنها يجب أن تطبق النظام بالشكل الذي يناسبها، وهو هنا – في ظني – لا يتراجع عن فكرة التدخل الأمريكي بقدر ما هو يريد أن يضبط التدخل الأمريكي في المنطقة بما يوافق المصالح الأمريكية، وقد أقر سياسة الضربات الجوية ويرى أن وجود داعش نفسه يمكن التعامل معه.


خلال حديث فوكوياما عن الديمقراطية يبدو أكثر اهتماما بفرض إرادة الدولة عن الحريات، وهو هنا يستشعر أزمة الواقع الأمريكي وأن الديمقراطية والليبرالية لا تعني الحرية الفردية فقط التي قد تسمح لمجموعات المصالح بفرض رأيها ولكنها تُعنى أيضا فرض إرادة القانون /المؤسسات / الدولة لتحقيق مصالح الناس في رأيه، وهو يتعرض للفترة التقدمية في التاريخ الأمريكي عندما ضبطت الحكومة التجارة والاحتكار بحزمة كبيرة من القوانين في بداية القرن العشرين (Progressive Era). 


يبدو هنا فوكوياما وكأنه يتحول تدريجيا إلى سلطوي، ولو أخذتنا العاطفة في التحليل لأمكن الاستطراد في التعجب من مشاعر الهوف التي يصاب بها الإنسان إذا تبدلت الظروف والأحوال ولو بشكل بسيط وحتى لو كنت تنتمي لأقوى دولة في العالم.


استعرضت هنا بعض الأفكار العامة في الكتاب بجزأيه ولم أهتم بإيراد مقتطفات من الكتاب لأن ما كان يعنيني السياق العام للطرح. وفي كل الأحوال مهما اختلفنا مع أطروحات الكاتب فالجزأين سفرين عظيمين ومحتويات الفصول شيقة ومهمة، تتناول في عرض واسع تجارب دول كثيرة في العالم في حقب مختلفة من وجهة نظر أحد أهم منظري السياسة الأمريكية وأحسب أن الكتاب مهم للباحثين الشباب – خاصة – فهو يصلح كمرجع يمكن الرجوع إليه في معرفة تاريخ النظم السياسية. 


أما الأهمية الأكبر للكتاب فهي تبيان المأزق الذي تشعر به النخب السياسية في أمريكا، ويقر بذلك شخص كان أو لايزال داعمًا ومؤسسًا لأفكار المحافظين الجدد ويرى في مقال نشر له مؤخرا أن ترامب مشكلة كبيرة ستواجهها المؤسسات ولكنه سيكون أيضا إختبارًا لمدى صلابتها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان