رئيس التحرير: عادل صبري 05:17 صباحاً | الاثنين 16 يوليو 2018 م | 03 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الاشتباك مع واقع مضطرب

الاشتباك مع واقع مضطرب

مقالات مختارة

محمد نور فرحات

محمد نور فرحات يكتب:

الاشتباك مع واقع مضطرب

المصري اليوم 03 مارس 2017 10:47

أتابع حديث الذكريات. بعد عودتى من مهمتى العلمية بأمريكا عام ١٩٨٣ أكملت أبحاثى للترقية إلى درجة أستاذ. وتناولت بالدراسة الوثائقية النظم القانونية والقضائية التى كانت نافذة فى مصر قبل التحديث القانونى بالرجوع إلى سجلات المحاكم الشرعية المودعة فى الشهر العقارى برمسيس، والتى أشار إليها شفيق شحاتة، وعمل عليها استانفورد شو وغيره من الباحثين.

 

قابلت القائم على أمر مصلحة الشهر العقارى. لم يكن يدرى أنه يجلس فوق كنز أثرى بالغ القيمة يؤرخ بدقة لتاريخ مصر الاجتماعى والقضائى لقرون ثلاثة. ظن أننى أرغب فى الحصول على صور من حكم قضائى، وطلب خطابا ممهورا من جهة العمل. غادرت مكتبه محبطا فلحق بى أحد قدامى الموظفين ونصحنى بأن أنزل إلى البدروم حيث يقوم الحاج عبدالمجيد على حفظ السجلات ويعرف خباياها.

 

وجدته رجلا مسنا يجلس مختفيا خلف مكتبه المهشم وسط ركام من السجلات المتراصة فوق الأرفف المتربة. سألنى عن المادة التى أريدها من السجلات بالضبط: حدود أم تعازير أم معاملات أم وثائق زواج وطلاق أم حجج للمواريث والوقف. أخبرنى بأسماء كل من توافدوا عليه من الباحثين الأجانب والمصريين وموضوعات بحوثهم.


فى مصر علينا أن نأخذ الحكمة الإدارية من فقراء وعجائز صغار الموظفين، وألا نطمئن إلى الكبار المسترخين فى حجراتهم المكيفة.


والحديث بالحديث يذكر. حدث بعد ذلك بعقود أن فقدت شهادة معاملتى العسكرية من ملف خدمتى. وهى مطلوبة لترشحى فى مجلس الشعب. طلبت استخراج بدل فاقد. لم يتم العثور على السجل التجنيدى لدفعتى، التى ترجع لعصر ما قبل الأسرات. لم ينقذنى إلا شيخ عجوز يعمل فى إدارة التجنيد. أتى بالسجل من ركام لا يعرف له الجن مكانا. اسمى فى السجل المهترئ كان قد طمس وتآكل بفعل القوارض. ولكن تم حل المشكلة بفضل حنكة عجائز البيروقراطية العباقرة.


فى الإدارة المصرية كل شىء قابل للحل. وفى نفس الوقت لا شىء قابل للحل. موظفو الروزنامة (دار الوثائق) فى العصر العثمانى كانوا يكتبون بخط يسمى خط (القرمة)، لا يقرؤه غيرهم، حفاظا على سر الإدارة. نفس منهج كهنة الرومان حيث كانوا يحتفظون بقوانين المدينة سرا فى صدورهم إلى أن ثار عليهم العامة.


أهلتنى أبحاثى للترقية بإجماع اللجنة مع اعتراض عضو واحد كنت قد عزفت عن إلزام الطلاب بشراء كتابه. جمعت أبحاثى لاحقا فى كتابى: (التاريخ الاجتماعى للقانون فى مصر الحديثة).


كنت أنشر مقالا أسبوعيا فى مجلة المصور بقدر كبير من الحرية. فى أوائل حكم مبارك كان الجميع يراهنون على نزاهته وانفتاحه السياسى. كان إفراجه عن الساسة الذين اعتقلهم السادات واستقبالهم فورا بقصره سببا فى إشاعة التفاؤل. ظن الجميع أن مرحلة شعارات السادات عن الديمقراطية ذات الأنياب، و(مفرمة) المعارضة، والانفتاح (السداح مداح)، وأن (من يريد أن يكسب فليكسب بشرط أن يدفع الضرائب)، ظنوا أن هذا كله انتهى وأننا مقبلون على عصر جديد من العدل والتسامح. كتبت مقالا (للمصور) بعنوان (الرئيس والمعارضة وجماعات المصالح).

 

كنت من السذاجة لأتصور أنه من الممكن إقناع الرئيس بالانحياز للمعارضة الوطنية بعيدا عن جماعات المصالح التى توحشت فى عصر السادات. ( السياسة لا يصنعها الاقتناع بل المصلحة وموازين القوى). أعطى المسؤولون بالمجلة المقال لمحرر مخضرم لضبط الصياغة، فتحول على يديه إلى ألغاز غير مفهومة وعبارات مرصوصة لا تعنى شيئا ويبدو أن هذا كان عين المراد.


راقتنى يوما فكرة المقابلة بين القانون الفعلى والقانون الرسمى. كانت الفكرة ضمن شواغلنا فى جامعة كاليفورنيا- بركلى، ودفعتنى للانضمام للجمعية الدولية للقانون الشعبى فى أمستردام.


ارتأيت بحسن نية أن أصوغ مواد القانون الفعلى بسلسلة مقالات ساخرة. مثلا: الدستور ينص على أن الموطنين لدى القانون سواء لا تفرقة بينهم بسبب الدين أو الجنس أو العرق. لكن المادة كما تطبق فعلا فى الواقع هى: المصريون لدى القانون سواء، ولا يحول ذلك دون التمييز بينهم بسبب الجنس أو القرابة أو الدين أو العرق أو المكانة الاقتصادية. الدستور ينص على حرية الرأى والتعبير. والدولة المصرية حريصة على ألا تنتج هذه الحرية معارضة منظمة تهدد مصالح جماعة الحكم أو سلطة الثروة والدين. والأمثلة على التعارض بين القانونين الرسمى والفعلى أكثر من أن تحصى وذكرت العديد منها فى مقالى.


حين نشرت هذا المقال كان الرئيس يجرى عملية جراحية دقيقة فى ألمانيا. هاتفنى مسؤول فى المجلة وطلب منى التوقف عن الكتابة فى هذا الأمر، لأنه تلقى مهاتفة من رئيس الديوان أخبره فيها بانزعاج الرئيس انزعاجا شديدا مما كتبت.


فى مناسبة أخرى اتصل بى صحفى بالمجلة كان يعد موضوعا بعنوان (لماذا لا نرد الاعتبار للرئيس السادات؟). قال لى إن المعارضة تأخذ على السادات زيارته لإسرائيل وإبرامه معاهدة السلام بعد أن هبط عليه إلهام من السماء وهو يحلق فى الطائرة عائدا من رومانيا. قال لى: الآن وبعد سنوات، يجرى كثير من القادة العرب اتصالات علنية بإسرائيل. إذن فقد كان السادات على حق. فلماذا لا نرد له اعتباره؟


كان ردى أننا بهذا نضع الحصان أمام العربة. لولا زيارة السادات لإسرائيل لما جرؤ عليها الحكام العرب. السؤال التالى من الصحفى: ماذا كان بوسع السادات أن يفعل؟ قلت: كان عليه أن ينفذ الخطة (جرانيت ٢)، التى وضعها عبدالناصر قبل وفاته وتتطلب التقدم والاستيلاء على الممرات فى ظل غطاء دفاعى وجوى. لو حدث ذلك لما توالت التداعيات السياسية اللاحقة التى انتهت بكامب ديفيد.


فوجئت مساء بالرئيس مبارك يهاتفنى ويسألنى عن مصدر معلوماتى. قلت له: إنها من كتابات القادة سعد الدين الشاذلى ومحمد فوزى عن حرب أكتوبر. قال لى: إنهما لا يحبان السادات. تساءلت بين نفسى: هل نتعرف على تاريخنا من المحبين أو الكارهين؟ وأين التوثيق الموضوعى لتاريخ الصراع العربى- الإسرائيلى. ناشدته أن يؤلف لجنة للتوثيق (للعلم: وثائق مكتبة الإسكندرية عن الحرب مستمدة من الأرشيف الإسرائيلى). علمت بعد ذلك أن مبارك نفسه كان رئيسا لمثل هذه اللجنة التى لم تفعل شيئا. التاريخ محفوظ فى صدور الزعماء يجرى تغييره بتغير الأنظمة.


انتقدت فى مقالاتى أطروحات تيار الإسلام السياسى. كانت طلقات النيران تدوى فى مصر مع صيحات تطبيق الشريعة. وجرى اغتيال رفعت المحجوب وفرج وفودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ والكثيرين. بعد اغتيال فرج فودة حوكم قاتله الذى لم يقرأ له كلمة. استدعت المحكمة أحد علماء الأزهر (المستنيرين) للشهادة. كان شيخنا قد كتب كتابا عن ضرورة عرض الأحاديث النبوية على القرآن الكريم والحقيقة التاريخية والواقع العلمى قبل الأخذ بها. الشيخ (المستنير) يعلم أن حديث (من بدل دينه فاقتلوه) حديث آحاد وأنه يتعارض مع آيات فى القرآن الكريم. ومع ذلك شهد أمام المحكمة بأن فرج فودة مرتد يستحق القتل. نصر أبوزيد أيضا حُكم بردته فآثر الهجرة.


انتقدت هذه الشهادات والأحكام. كثير من الفقهاء لا يقرون بحد الردة ويرون أن الأصل فى الإسلام حرية الفكر وأن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ولكن الكتب التى يروج لها شيوخ الفتنة ترى غير ذلك.


نشرت كتابا بعنوان (المجتمع والشريعة والقانون) عن تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان تسبب فى الطعن فى إيمانى. جرت المقابلة بين التطرف الدينى والتطرف العلمانى باعتبار أن التعصب رد فعل على الدعوة للعقل.


باختصار: اقتناعى الراسخ أن تجديد الفكر الدينى (وليس مجرد الخطاب) رهن بالتمييز بين الثابت من أحكام العقائد والعبادات، المتغير من أحكام المعاملات التى تخضع لنسبية الظروف فى إطار مقاصد الشريعة.


نوقشت بالأزهر فى الأربعينيات رسالة عن (تعليل الأحكام) بالمعنى السابق. نشرت كتابا لاحقا بعنوان (البحث عن العقل) استشهدت فيه بآراء صاحب (رسالة تعليل الأحكام). نشر الشيخ صاحب الرسالة (بعد أربعين عاما من رسالته) كتيبا صغيرا عدل فيه عن آرائه وهاجمنى بقوة. مشكلة الفقهاء المحدثين أمران: احتكار العلم الدينى وإضفاء حصانة فكرية على ما يرون، والتردد بين التجديد والتقليد. التجديد المطلوب هو فى منهج الفكر وليس فى انتقاء النصوص. علينا إعادة النظر فى مناهج الاستدلال فى الفقه الإسلامى.


كان نفر من المثقفين يتصدون بشجاعة لدعاوى التطرف، وكانت الدولة تعقد الصفقات مع جماعة الإخوان والسلفيين من مشايخ غيبة العقل ونشر الفتنة. وها نحن ندفع الثمن وسنظل مادام هذا نهجنا.


وللحديث بقية..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان