رئيس التحرير: عادل صبري 06:03 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الاختلال في فهم الاحتلال

الاختلال في فهم الاحتلال

مقالات مختارة

عناصر من قوات الاحتلال الإسرائيلي - أرشيف

فاتنة الدجاني تكتب:

الاختلال في فهم الاحتلال

نقلا عن الحياة اللندنية 01 فبراير 2017 10:30

كم مرّة سمعنا من يقول إن القضية الفلسطينية تراجعت ولم تعد قضية العرب الأولى، وإن أوضاع المنطقة تجاوزتها. وكم مرة قرأنا لكتّاب عرب يساوون بين الاحتلال الإسرائيلي وغيره من الاحتلالات حول العالم، أو ناشطين يعتبرون أن إسرائيل أرحم للفلسطينيين من حكّام عرب مستبدين مع شعوبهم.


وإن كانت هذه التعليقات مُحزنة في مدى عجزها عن فهم معنى الاحتلال الإسرائيلي، فالأخطر هو عندما يكون هذا الاختلال متأصّلاً في الفهم الفلسطيني للاحتلال، إن كان على المستوى الرسمي أو الشعبي، كما تبدّى في أداء القيادة في عملية السلام وفي إدارة السلطة الوطنية، أو في المقاومة الشعبية، خصوصاً الاحتجاجات الأسبوعية في بلدات الضفة الغربية، والتي لا تمسّ بنية الاحتلال بمقدار ما هي ردود فعل على ممارساته مثل الاستيطان أو مصادرة الأراضي أو مسار الجدار الفاصل، لكنها تنتهي الى التعايش مع الاحتلال، مثل اللجوء الى محاكمه.


لولا الفهم الرسمي القاصر للاحتلال لما كان اتفاق أوسلو، بالتالي، لما كان اتفاق باريس الاقتصادي المُجحِف، ولما وصلنا الى ما نحن عليه حيث لا أفق سياسياً. حتى الأكثر تفاؤلاً منا باحتمالات السلام والتعايش مضطرٌّ الى التوقف وإعادة الحسابات بعد أكثر من ٢٧ سنة على انطلاق المفاوضات ومسيرة أوسلو.


تستوجب هذه الوقفة إعادة الإمساك بالمفاهيم الأساسية للاحتلال الإسرائيلي. فهل يمكن التعايش أو التطبيع مع كيان هو مشروع كولونيالي استيطاني إحلالي يعمل بدأب على نفي الآخر الفلسطيني والحلول مكانه بعد نهب أرضه؟ بأي معنى إذاً يُمكن فهم تسارع التهويد والاستيطان، خصوصاً في القدس المحتلة، حتى خلال المفاوضات، ثم الإصرار على «يهودية إسرائيل»، ورفض «حق العودة» للفلسطينيين؟ حتى أشد أنصار السلام الإسرائيليين يقف صامتاً أمام مسألة «حق العودة» لأن المعادلة تصبح «أنا أو أنت» في مساحة جغرافية صغيرة هي فلسطين.


وهل يمكن التعايش أو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يمارس كل أشكال العنصرية، ويمارس سياسات تؤدي الى التشظّي اليومي الذي يطاول كل مناحي حياة الفلسطينيين، فيجزّئ الأرض بين الضفة وقطاع غزة والقدس، ثم يقسم الضفة الى مناطق «أ» و «ب» و «ج»، ويضع الحواجز بينها، ويقيِّد حركة المواطنين بل يجعل التنقُّل من منطقة الى أخرى مأساة، ويُصادِر الأرض ويبني المستوطنات، ويهدم البيوت، ويستلحق الاقتصاد، ويعتقل، ويسجن، ويُبعِد، ويمارس كل أشكال التطهير العرقي، ويعمل لمحو الذاكرة الفلسطينية ومعها الوعيين العربي والعالمي بالقضية. احتلال يعيد إنتاج النكبة يومياً وفي شكل منهجي.


كيف يمكن التعايش أو التطبيع مع احتلال هدفه الوحيد إلغاء الفلسطيني؟ مجتمعه عسكري مهجوس بالاحتلال، معظمه يعمل في إدارة الاحتلال، يستوي في ذلك العسكر مع الإنتلجنسيا، فحتى أساتذة الجامعات يشتغلون لإدامة الاحتلال عبر بحوثهم (الاستشراق العسكري) أو بالعمل كضباط أو في الخدمة الاحتياط. فما الاحتلال، وهذه الحال، سوى «صناعة» يعمل فيها أكثر من ثلثي المجتمع الإسرائيلي، موزعاً على السياسة والأمن والإدارة المدنية والرقابة اليومية والمسح الإلكتروني والإعلام...


ولا تقتصر ارتدادات الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين، بل تصيب المنطقة كلها ويصل صداها الى العالم. خِيضَت حروب في الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل، فيما يستمر الاحتضان الدولي لهذا المشروع الاستعماري، وإن كان على استحياء أحياناً. وما وصول أمثال الرئيس دونالد ترامب الى الحكم، أو صعود التنظيمات المتطرفة، مثل «داعش» وأخواته، سوى بعض من هذه الارتدادات المرتبطة بالانحدار الأخلاقي الإنساني عندما يستباح الحق والعدالة ويُسمح بالاستفراد بفلسطين في أكبر عملية احتيال في التاريخ المعاصر... سرقة وطن على مرأى من العالم ومسمعه.


الاحتلال الإسرائيلي لا يشبهه سوى ما حدث للهنود الحمر في أميركا، والنظام العنصري في جنوب أفريقيا. لكنه ينفرد في كونه آخر الاستعمارات الاستيطانية في العالم. وفهمه على هذا الأساس مفتاح أي استراتيجية سليمة لمواجهته. كل ما هو مغاير يُصبح اختلالاً في فهم الاحتلال.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان