رئيس التحرير: عادل صبري 12:51 صباحاً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

أهلًا بك في سوريا ستان!

أهلًا بك في سوريا ستان!

مقالات مختارة

الأحياء المحاصرة في شرق حلب

أهلًا بك في سوريا ستان!

إضاءات 08 ديسمبر 2016 09:23

لا شك أن محاولة قراءة الأحداث في أتون اندلاعها، وبينما المواقف تتبدل بين يوم وليلة، هو نوع من المغامرة غير المحسوبة، غير أنه لا غنى عنها لمن يريد الإسهام في إعادة تشكيل بعض الوقائع، أو على الأقل استخلاص بعض دروسها العاجلة.

 

ولا شك أن المحرقة السورية التي أوشكت أن تتخطى أعوامًا ستة، وخلَّفت وراءها حتى الآن مئات آلاف القتلى والجرحى والأسرى، وملايين المشردين واللاجئين، هي أم المعارك الدائرة الآن في الشرق الأوسط، ولا نبالغ إن قلنا العالم. فهنا خرائط المنطقة وتوازنات الدنيا يُعاد ترسيمها باللحم والدم وأنقاض البيوت. وليس من الرجم بالغيب استشفاف أن القادم يبدو أقسى وأشد وبيلًا، وأبعد تأثيرًا.

 

كيف وصلنا إلى المشهد السوري الحالي؟

 

تحولت – أو حُوِّلَت – انتفاضة الشعب السوري إلى حرب أهلية طاحنة فحرب إقليمية بالوكالة ودون إعلان، ثم بالاشتراك العلنيّ المباشر، وعلى بعد مرمى حجر – إن لم يكن قد بدأت بالفعل – من أن تكون حربًا عالمية جديدة.

 

الآن، قوى المعارضة المسلحة ضد حلف إيران وروسيا والأسد في أصعب حالاتها منذ تسلحت الانتفاضة السورية نتيجة القمع الوحشي للبدايات السلمية. فتضارب أيدولوجيات وأولويات ومصالح ورعاة مختلف الفصائل لا يخفى على القريب والبعيد، وأهدر الكثير من ماء وجه الثورة ودماءها في احترابات فصائلية مشينة. وبدأ منحنى التراجع في الانحدار مع الزخم المتزايد لداعش منذ ٢٠١٣، واستيلاؤها على المزيد والمزيد من الأراضي والأنصار على حساب الطرفيْن المتحاربيْن خاصة المعارضة المسلحة، حتى وصلت رقعة سيطرة التنظيم في ٢٠١٤  إلى أكثر من ثلث مساحة سوريا، خاصة في الغرب المواجه للعراق، وفي الوسط، والشمال، والشمال الشرقي.

 

ثم جاء التدخل الروسي المباشر منذ أواسط ٢٠١٥ فقلب الموازين على الأرض كثيرًا، بعد أن طالت حالة التعادل بين الطرفين، مع عجز الحليف الإيراني، وتابعه اللبناني حزب الله، وآلاف المتطوعين من شيعة العراق وآسيا الوسطى… إلخ في تقديم الدعم المباشر وغير المباشر الكافي لإمالة كفة بشار وحسم معركته.

 

وهكذا وصلنا إلى آخر عام ٢٠١٦ وآخر المعاقل الرئيسية للمعارضة في شمال شرق سوريا تحت القصف الوحشي اليومي خاصة حلب الشرقية التي تكاد تكونُ سُوِّيَت بالتراب، وإدلب وجوارهما. وحلفاء المعارضة السورية في حالة بين الذهول والعجز لا يستطيعون رفع رقابهم التي بالغ في ثنيها السقف الأمريكي الذي لا يريدون – ولا يستطيعون – تجاوزه رغم انهيار التوازن بشكل كبير لصالح الطرف الآخر الذي أوشك أن يبتلع أطلال حلب.. عاصمة الثورة.

 

جَلَد خصوم الثورة السورية يقابله عجز الحلفاء

قطر تقدم دعمًا إعلاميًا وإنسانيًا، وسلاحًا لا يشمل مضادات الطائرات التي تحلم بها المقاومة السورية في النوم واليقظة. والسعودية تقدم موقفًا مشابهًا. والإمارات لا يشغلها سوى الهوس بكل تقزيم ممكن للإخوان ودوائرهم في كل الساحات.

 

أما الموقف الأكثر تقدمًا بين الحلفاء وهو الموقف التركي، فما زال محدودًا بالسقف الأمريكي، وكذلك السقف الروسي والذي ظن الجميع أن تركيا تجاوزته بإسقاط مقاتلة روسية في شمال سوريا العام الفائت، إلا أنها اضطرت أن تعود أدراجها إلى المربع الأول عندما لم تجد صدى لدى أمريكا والناتو لمحاولتها الفردية لتحجيم النفوذ الروسي في بداية تدخله المباشر. بل وصل الأمر إلى أن تحاول تركيا الآن التظلُّل بالسقف الروسي ولو جزئيًا بعد الانقلاب العسكري في منتصف يوليو ٢٠١٦، والذي ضاعف مساحة الريبة والظنون بين الإدارتيْن الأمريكية والتركية، والرغبة المحمومة للقيادة التركية للخروج من حالة العزلة وتفاقم العداوات التي انزلقت إليها طوعًا أو كرها.

 

وكذلك فالقطاع الأكبر من التدخل التركي الحذر في سوريا منصبٌّ على الأكراد الانفصاليين وداعش، واستغلال التنظيمات السورية الموالية لها كرأس حربة في ذلك. وما زال مسرح عملياتها المسماة بدرع الفرات بالأساس هو الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا. ولا يخفى على أحد القلق التركي، وتحسُّس تركيا خطواتها على صراط التدخل في الشمال السوري المُحرق خوفًا من فخاخ وكمائن هذا الطرف أو ذاك.

 

السقف الأمريكي ولعبة المستنقعات

 

ما زال الموقف الأمريكي محيّرًا لدى الكثيرين، ويعزي هؤلاء المسئولية فيما يرونه تخبُّطًا أمريكيًا إلى سياسة أوباما في عدم التدخل المباشر، وتحقيق مصالح بلاده عن طريق التفاهم مع الخصوم والأعداء بدلًا من الاعتماد على حلفاءٍ يراهم غير أكفاء.

 

لكن بقليل من التمحيص، وبمراجعة التاريخ القريب خاصة أواخر الحرب الباردة في السبعينات والثمانينات، سيزول الكثير من العجب والحيرة من الموقف الأمريكي.

 

لعبة المستنقعات التي تجرّعها العم سام في فيتنام، ثم ردها الصاع صاعين للاتحاد السوفيتي إبان الجهاد الأفغاني في ثمانينات القرن العشرين هي العمود الحامل لسقف التعامل الأمريكي مع الأزمة السورية.

وتطبيق اللعبة ليس صعبًا، خاصة إذا امتلك اللاعب الكثير من الأوراق السياسية والعسكرية والاقتصادية والنفوذية. وهذا الشرط ينطبق تمامًا على اللاعب الأمريكي.

 

وسواء حملت المستهدفين أقدامهم إلى الفخ، أو أجبروا على ذلك بالدهاء والتخطيط، أو كلا الأمرين. فمن الجلي أن الساحة السورية تمَّ ويتم وسيتم هندستها أمريكيا وإسرائيليًا لتكون مستنقعًا تاريخيا يغرق فيه حتى النخاع معظم الأعداء الفعليين والمحتملين لهما، ويأكل بعضهم بعضًا بشراسة وشراهة، بينما يكون معظم الهم الأمريكي هو قطف الثمار وجني المكاسب.

 

هكذا كان الدور الأمريكي الرئيس هو جلب الجميع إلى الحلبة دون أن يتورط هو بشكل مباشر، وضمان عدم مقدرة أي طرف على الحسم، وذلك ليستمر اندلاع الصراع، ويزداد الحشد والتجييش من كل جانب، فيغرق الجميع أكثر وأكثر.

 

أفغانستان الثمانينات؛ سوريا الآن، هل التاريخ يعيد نفسه ولو ببعض التجديد؟

بعد انقلاب نور تراقي والذي وضع الشيوعيين في السلطة في أفغانستان 1978، بدأت مقاومة مسلحة أيدولوجية (تبلورت فيما بعد تحت مسمى المجاهدين) ضد التغييرات الثقافية والقمع الذي أثار حفيظة الكثير من الأفغان من حكامهم الجدد. وعندما بدأ استقرار النظام الجديد في الاهتزاز، تدخَّل الراعي السوفيتي مباشرة وقامت دبابات الجيش الأحمر باجتياح أفغانستان في أواخر 1979. وبالطبع توجهَّت فوهات بنادق المجاهدين إلى السوفييت وحلفائهم في آن. وهنا تلقَّف الأمريكيون الفرصة، وقرروا تحويل أفغانستان إلى فيتنام للسوفييت. وهنا انهال دعمهم للمقاومة الأفغانية ضد السوفييت، سياسيًا وإعلاميًا واستخباريًا.. والأخطر بالسلاح والأفراد.

 

أعطى الأمريكيون الضوء الأخضر – أو التعليمات – للدول المسلمة الكبرى خاصة مصر وباكستان والسعودية بفتح الأبواب أمام المتطوعين للانضمام إلى المعركة، وأيضًا ليكونوا في الواجهة كجسور لنقل الأسلحة الحيوية للمجاهدين خاصة الجارة باكستان. وبالفعل أذلَّت صواريخ ستينجر الأمريكية المحمولة على أكتاف المجاهدين كبرياء الطيران السوفيتي، وتناثرت أشلاء الميج والسوخوي على رمال أفغانستان. وكذلك أسهمت الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات في إلحاق خسائر جسيمة بالقوة البرية الضاربة للسوفييت. وهكذا اضطر السوفييت إلى الانسحاب ابتداء من 1988 وأوائل 1989.

 

ساهم الاستنزاف السوفييتي في أفغانستان بشكل مؤثر في تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية للكيان العجوز، مما سرَّع انهياره المحتوم في 1991. وسقط حكم نجيب الله الموالي له في العام التالي.

 

وإذا طبَّقنا المثال الأفغاني على الواقع السوري، فغالبية المقاومة المسلحة ضد نظام بشار وحلفائه من الجهاديين السنة على اختلاف مشاربهم. والعدو هو روسيا وحلفاؤها. لكن الأداء الروسي يمتاز بحذر أكثر فلم يتورط بريا بشكل واسع إلى الآن، ويكتفي بالإسناد الجوي والبحري والمدفعي. بينما المتورط الرئيسي على الأرض بجوار بقايا جيش النظام، إيران ومليشياتها العراقية واللبنانية.

 

الغارقون في وحل سوريا الحارق

 

لا شك أن نظام الأسد وحلفائه روسيا وإيران وحزب الله، هم منافسون إستراتيجيون للمشاريع الأمريكية خاصة في الشرق الأوسط. ولذا فاستهدافهم واستنزافهم هدف منطقي لها.

 

فتح القمع الوحشي الجنوني الذي قام به نظام الأسد ضد الثورة السلمية في بداياتها الباب لكل ما نحن فيه الآن.

 

بدأت الثورة في التسلح، خاصة مع بداية انشقاقات الجيش، وجاء الضوء الأخضر الأمريكي للسماح بتوافد الجهاديين السنة إلى الساحة السورية خاصة من العراق. فيضطر النظام وحلفه إلى الدفع بمكوِّن أيدولوجي مناقض ليعيد التوازن، وهنا بدأ حزب الله الدخول بعدده وعدته مع النظام.

 

ومع تقاطر الدعم المسلح المحسوب للغاية طبقا للسقف الأمريكي، ونجاح المعارضة في خلخلة سيطرة النظام على غالبية أراضيه، اضطر الحليف الإقليمي الأكبر إيران إلى التورط المباشر أكثر وأكثر لإعادة التوازن. وبدأ الحشد الأيدولوجي الطائفي في التفاقم على الجانبين، وبذلك تحقق هدفًا إستراتيجيًا كبيرًا للحليفيْن الأمريكي والإسرائيلي وهو إشعال احتراب سني شيعي كبير، يكسر شوكة القوى الحربية الفاعلة في الجانبيْن ويسمح بإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لمصالحهما. ثم انضمت روسيا مباشرة إلى المستنقع عندما شعرت بأن الوضع بدأ يخرج من تحت سيطرة حلفائها.

 

وهكذا غرق الجميع في مستنقع معركة صفرية مجنونة. سيحرص المخرج الأمريكي على إطالة مشاهدها قدر مستطاعه.

 

لماذا إذن ترك العم سام التوازن يختل لصالح حلف روسيا إيران في الفترة الأخيرة؟

لا شك أن فترة الانتقال بين أوباما وترامب لها دور في هذا. وهذا ما استغله الروس والإيرانيون فألقوْا بكامل ثقلهم لحسم معركة حلب حتى ولو سوُّوها بالتراب قبل أن يصدر الباب العالي الأمريكي فرمانًا جديدًا بتوازن جديد.

 

وهكذا نجحوا في أقل من ٣ أسابيع أن ينتزعوا نصف حلب الشرقية، ويجبروا أكثر من ٥٠ ألفًا من سكانها على النزوح.

 

لكن مخطئ من يظن أن المعركة ستنتهي باستيلائهم على أطلال حلب. ولعل هذا ما يفسر عدم الاكتراث الأمريكي ولو ظاهريًا بالتطورات في حلب. فما زال تنظيم داعش يسيطر على ربع الرقعة السورية تقريبًا، وما زال عشرات الآلاف من المعارضين المسلحين ينتشرون في أجزاء كبيرة من الرقعة السورية، وسيعطيهم تحررهم من عبء المناطق السكنية الكثيفة ميزاتٍ في حرب العصابات. وهنا يزداد الشبه  بالمستنقع الأفغاني، خاصة عندما تغير الولايات المتحدة قواعد الصراع عاجلًا أو آجلًا، فتسمح بوصول مضادات الطائرات، وصواريخ أحدث مضادة للدبابات.

 

وبعد استمرار النزيف العسكري والاقتصادي للخصوم لفترة كافية، سيأتي المخرج الأمريكي ليضع مشهد الختام، ويفرض الحل الذي يحقق له أكبر قدر من المصالح، ويؤكد سيادته وهيمنته.


النص الأصلي اضغط هنــــــــــــــــــا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان