رئيس التحرير: عادل صبري 02:34 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

جدلية المقدس بين النص والتراث ... مسألة التعايش المجتمعي أنموذجاً

جدلية المقدس بين النص والتراث ... مسألة التعايش المجتمعي أنموذجاً

مقالات مختارة

مسفر بن علي القحطاني

مسفر بن علي القحطاني يكتب:

جدلية المقدس بين النص والتراث ... مسألة التعايش المجتمعي أنموذجاً

الحياة 03 ديسمبر 2016 13:51

لعبة المصطلحات وفخاخها من أعقد طرق المغالطات البيانية والفكرية، وتوضيحها في بداية كل موضوع يراد نقاشه بات من المقدِّمات المسلّمة عند المناطقة والأصوليين، وفي عنوان هذا المقال عدد من المصطلحات الجدلية، فكان من الضروري فهماً لها وتنزيلاً؛ أن يتم توضيح المراد، خصوصاً معنى النص والتراث، فالمقصود هنا بـ «النص» هو الوحي المنزَّل، أو لفظ الكتاب والسنة، وعادة الأصوليين إطلاق معنى النص على: «ما ارتفع بظهوره عن الاحتمال» (انظر: الكافية في الجدل، للإمام الجويني، تحقيق فوقيه محمود، طبعة الكليات الأزهرية 1979م، ص48) فيكون المراد بالنص: ألفاظ الوحي ذات الدلالة الظاهرة على المعنى، بينما يُقصد بـ «التراث» معاني عدة، أخص في هذا المقام: ما جاء عن الفقهاء من شروح ومعاني اجتهادية لها دلالاتها الظنية في قراءة مراد الوحي أو الاجتهاد في ضوئه، وهناك من يسميه بـ «التاريخ» ويرى أنه: «منظومة الفقه الفكرية» (السلطة في الإسلام، لعبد الجواد ياسين، طبعة المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 2000م، ص7).


وسؤال المقال؛ بناءً على المراد من النص والتراث، يتمحور حول مدى واقعية انتقال القدسية من النص إلى التراث؟ وماذا يترتب على هذا الانتقال في واقع المجتمعات الإسلامية اليوم؟ والجواب البدهي؛ أنه لا خلاف بين علماء وفقهاء المسلمين حول قدسية النص ومرجعيته وحاكميته، ولا يجرؤ أحدٌ أن يدّعي تقديم تفسيرات الفقهاء على نصوص الوحي، لكن الواقع التراثي في بعض الأوقات والظروف يعمد إلى إعمال التراث وتقديمه على حساب النص ودلالاته الظاهرة، وبلا شك أن هذه العملية لا تمُرر إلا في أضيق الحدود وبناءً على معطيات ظرفية، تُكسبها القبول من دون ممانعة، وهذه الفرضية، سأحاول بيان واقعيتها من خلال مسألة واحدة والمتعلقة بالتعايش المجتمعي بين المسلم والآخر المختلف (الكافر والمبتدع)، وفق النقاط التالية:


أولاً: قررت النصوص أن هناك أسماء شرعية يترتب عليها أحكام الوعد بالجنة والوعيد بالنار، وهذا المبحث يسمى «بالأسماء والأحكام» ومعرفته فاصل مهم من الوقوع في تكفير المسلمين وتبديعهم، فهذا الأصل حدّد وجود نوعين من حيث الإيمان، هما المسلم والكافر، وتترتب على هذا التقسيم أحكام دنيوية وأخروية، والإشكال يحصل في موجبات المخالفة التي تقتضي أن يُبدّع المسلم ثم يُخرج من إسلامه بسبب هذه المخالفة نحو الكفر، وهذا الفعل كان مَعلَماً واضحاً عند الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم، ونتج من هذه المسألة افتراق كبير في الأمة وصدامات شنيعة وحروب طويلة لا نزال حتى اليوم نعيش خلافاتها مع غلاة اليوم من «داعش» و «الحشود الشيعية» وغيرها من التيارات التي تدّعي السلفية شعاراً وتمارس التكفير واقعاً، وهؤلاء الغُلاة أخرجوا حقيقة الكافر والمسلم عن أصلها وصفاتها وخلطوا بينهما بشكل مسيّس يخدم مشاريعهم الاستئصالية ويمرر سياساتهم العدوانية، وفتحوا أبواباً لا تنتهي وأوصافاً لا تنقضي لمن خالفهم برميه بالبدعة ثم الحكم عليه بالكفر، علماً أن وصف البدعة والمبتدع لم يرد في القرآن وفق التأويل والمعنى المتداول للمخالف، وما ورد من أحاديث في السنة غالبها ضعيف ومنكر، وهذه الأسماء المتعلقة بأحكام شرعية قد يضاف على المسلم والكافر، المؤمن والفاسق والمنافق، فهذه هي الأسماء التي وردت في الوحي المنصوص، أما المبتدع الذي عليه مدار أغلب الصراعات الدموية، فإنه لم يُنص عليه على رغم ما يترتب على أحكام التعامل معه من مآلات خطيرة وعقائد جسيمة يمتحن بسببها الناس، ولابن تيمية فقه واسع في تمييز هذا الخلط والاستحداث باسم البدعة، وهو-أي ابن تيمية - يتكئ عليه بعض أولئك الغُلاة جهلاً أو سياسة، علماً أن ابن تيمية قد أسس منهجاً سلفياً علمياً يمنع مثل تلك المخاطرات بالعقيدة، ومن ذلك قوله: «فاعلم أن ‏‏مسائل التكفير، والتفسيق‏ هي من مسائل ‏‏الأسماء والأحكام‏‏ التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا» (مجموع فتاوى ابن تيمية، طبعة الرياض، 12/468، 474).


ومن تأمل واقع المسلمين اليوم في البلاد المتصارعة يجد غلبة استعمال البدع، من دون ضوابط وفقه شرعي، ومن يضع ضوابطه وشروطه في تكفير أو تفسيق المبتدع، يعلم علماً يقيناً أنها اجتهادية وفيها اختلاف، وربما تخضع لمعايير ظرفية أنتجتها الصراعات الطائفية والحزبية قديماً وحديثاً، ولو كانت أصلاً في الشرع لنزلت بها النصوص وبينتها الشروط، ولم تترك لآحاد الناس ليحكموا على مخالفيهم بالبدعة التي تدخل صاحبها النار للعذاب الموقت أو الأبدي، ونشهد في هذا العصر تمادياً واسعاً بعيداً عن التحقيق العلمي في التوسع في استعمال البدعة عند أي مخالفة، وترتيب الهجر والبراء وأحياناً القتال على القائل أو المعتقد بها، ولا شك أن هذا يتنافى مع أبسط قواعد الإيمان وخطورة الحكم على المخالف بالكفر أو النار، يكفي في إبطال هذا التسارع المفزع، تلك الاحترازات التي عرضها ابن تيمية في من يستعمل التكفير بناء على بعض الأقوال المخالفة، في قوله: «وهذه الأقوال التي يُكفّر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغْه النصوصُ الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن مِن فهمها، وقد يكون عرضت له شبهاتٌ يَعذره الله بها، فمَن كان مِن المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه، كائناً ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أم العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجماهير أئمة الإسلام» (المرجع السابق 23/ 346).


ثانياً: رسم الإسلام نظرياً وعملياً خريطة التعامل مع المخالف غير المسلم بنصوص كثيرة وإعلانات عامة، هي أشبه بالقواعد الحاكمة في التعامل، مثل قوله تعالى: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ» (الممتحنة: ) وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة:8)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا فتحتم مصرَ، فاستوصوا بالقِبْط خيراً؛ فإن لهم ذمَّة ورَحِماً» (صحيح مسلم، رقم:254) وقوله عليه الصلاة والسلام: «مَن ظلم مُعاهداً، أو انتقصه حقاً، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طِيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة» (سنن أبي داود، رقم:3052)، وغيرها من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، وهناك مبادئ عامة مارسها المسلمون الأوائل مع من خالفهم في صلب الاعتقاد كاليهود والعرب الوثنيين، مثل الوثيقة أو الصحيفة المدنية في التعايش. (انظر: سيرة ابن هشام 3/31، وقد صححها الدكتور أكرم ضياء العمري في السيرة النبوية الصحيحة 1/275)، كما أن المسلمين في العهد الأول والنبي صلى الله عليه وسلم بينهم، كانوا يتعاملون مع اليهود ويحسنون جوارهم، ويحترمون معابدهم وطقوسهم، وما قاتل منهم إلا من خان وغدر وثبت عدوانه على المسلمين على رغم المؤامرات والدسائس التي يحيكونها؛ بل أثبت المسلمون احترامهم لشركائهم في المدينة من المنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر، ولكنهم أمام المسلمين يظهرون الإسلام، ومع علم النبي صلى الله عليه وسلم بهم؛ إلا أنه حافظ على مواطنتهم وأنصفهم بالعدل وعاملهم وفق ظواهرهم وما يعلنون، وعندما يتجاوزون الحدود بفعل مضاد في العلن قام بالإجراء المناسب من دون تهديد سلم المدينة، كما فعل في هدم مسجد الضرار، هذه النماذج الواقعية هي استلهام من نصوص الوحي وتنزيل لها على أرضية التعايش التكاملي مع الآخر المختلف.


ثالثاً: انفتاح المجتمعات على بعضها وتطور وسائل الوصول والتواصل عبر مواقع إلكترونية بسهولة وسرعة، ساهم إيجابياً في نواحٍ عدة، وكان أيضاً سبباً في نقل التوتر وتوسيع دائرته، بنقل الصدامات الطائفية والخلافات الحزبية والصراعات الأهلية إلى دول الجوار؛ بل وأبعد من ذلك، وأضحت الأحداث يتردد صداها في كل بيت تصله قنوات الإعلام الحديث، ونشأت على ضفاف هذه الاستقطابات قنوات فضائية تحريضية وحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي تنشر تلك العداوات، وغابت في كثير من تلك المجتمعات أصوات الحكمة والعقل، وتقاصرت منابر الرشد والاعتدال، وأصبح الناس يبحثون عن المثير الذي قد يكلفهم الكثير، بسبب انعدام الاستقرار والانسجام الأخوي بين أفراد الوطن الواحد.


هذه الحالة تستوجب حراكاً ينزع فتائل الفتنة وينمي أواصر الترابط بين مكونات المجتمع، وهو واجب الوقت وفريضة العصر، ومن يقف متفرجاً على هدم جسور التواصل لحاجة في نفسه أو مصلحة شخصية أو حزبية ينتفع بها، لا يعي أن مآل هذا الصمت والانعزال عن الإصلاح، قد يسمح بطوفان المواجهة أن ينتقل للفضاءات الآمنة، وإذا نطق الرصاص بين أفراد المجتمع الواحد، فإنهم لن يعودوا يسمعون لغير لغته ولن يحترموا أحداً لا يملك قسوته!

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان