رئيس التحرير: عادل صبري 05:34 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تحديات العيش المشترك في لبنان والعالم العربي: نظرة في العمق لأفق جديد

تحديات العيش المشترك في لبنان والعالم العربي: نظرة في العمق لأفق جديد

مقالات مختارة

عمر مسقاوي

عمر مسقاوي يكتب:

تحديات العيش المشترك في لبنان والعالم العربي: نظرة في العمق لأفق جديد

الحياة 03 ديسمبر 2016 13:47

يضعنا موضوع: «الوحدة الوطنية في ظل تحديات العيش المشترك: نظرة في عمق البناء الثقافي في روح الجيل»، قبل الجواب عن الموقف الإسلامي أو المسيحي أو الموقف الموضوعي من مفهوم الوحدة الوطنية، أمام اعتراف مسبق هو مدى قابلية مصطلح «العيش المشترك» للتصدع عبر التطورات الدولية الراهنة كما الإقليمية التي انتجت عقب الحرب العالمية الأولى وانهيار الامبراطورية العثمانية مشاريع التجزئة والتقسيم في العالم العربي.


فالسؤال ينطلق أساساً من نظرة تاريخية، إذ أن القوى الكبرى المنتصرة أوجدت صدوعات متعددة في نسيج البنية الاجتماعية العربية والذي أفرزته كيمياء التاريخ وحدة نفسية في الأداء والعادات في إطار الحضارة الإسلامية العربية. من هنا تطرح نتيجة هذا الزلزال التاريخي في بداية القرن العشرين قضية المسلمين والمسيحيين في الإطار الجديد، إطار الحضارة الغربية المسيحية التي انتجت بيدها وحدها صناعة الحدث العالمي وتطوراته على أرضنا التي نعيش عليها حضوراً واستراتيجية.


من هنا ولكي نخرج من مصطلح «العيش المشرك» إلى ما يهدده ويتحداه لا بد من أن نضع الأمور في موازين البناء الاجتماعي الذي تفرزه مسيرة الحضارات عبر التاريخ.


نبدأ أولاً بتحديد مفهوم المجتمع كمفهوم حضاري، وهنا نجد أنفسنا أمام قيم وعادات ونمط أداء يعبر عن وحدة اجتماعية تفرز ثقافة محددة تعبر عن شخصية الإطار الجامع عبر التاريخ. هذه الثقافة هي نبض حضور المجتمع لأنها إنتاج إنسان يندفع ببواعث غيبية نعبر عنها بالدين لكي يبني علاقات اجتماعية تبرز جمالية التواصل والإطار وفاعلية امتلاك الحاضر لتحقيق إنجاز يعبر عن حضوره.


من هنا فالثقافة هي إنتاج مجتمع متكامل ونمطِ تاريخ. والمجتمع لا يقوم ويبقى إلا بالثقافة كما يقول المختصون بمفهوم الثقافة الغربية. من هنا فالثقافة طريق متميز لحياة اجتماعية.


وهنا لا نستطيع الحديث عن الثقافة إلا من خلال مجتمع لأن الثقافة هي التي تمد المجتمع بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه.


هذا التوصيف والتعريف لمفهوم المجتمع والثقافة هو مجرد بلورة للمسيرة الاجتماعية وليس سابقاً عليها بمعنى أنها وصف للحركة في فاعلية تطورها.


ويعود هذا التحديد الاصطلاحي لمفهوم المجتمع والثقافة من الوجهة التاريخية إلى حركة عصر الأنوار، فهذان المصطلحان في الأساس يعودان إلى فرنسا وفلسفة القرن التاسع عشر كنظرية تقويمية في البداية لمسيرة الحضارة الغربية التي تبدأ من اليونان إلى روما عصر الأنوار. فمصطلح الثقافة يمثل مراجعة وتوصيفاً للمكونات التربوية والعفوية التي تأثرت في حركة المجتمع بعناصر مختلفة من تفاعل الثقافات منذ الحروب الصليبية وسقوط الأندلس ثم مفهوم الحداثة الذي أخذ طريقه منذ القرن السابع وبروز عصر الأنوار.


كانت هذه كلها مقدمات لتعريف الحضارة والثقافة مع تطور العصر الصناعي والعلوم واكتشاف أميركا وبروز نزعة الاستعمار.


لقد فتحت نظرة أوروبا الباب إلى ما حولها في إطار الكون مع الاكتشافات الجغرافية لتحديد مصطلحات تؤسس لمنهج العلوم الاجتماعية.


والبداية كانت الجواب على السؤال التالي: من نحن؟ والجواب نحن الذين نمتلك ناصية الفاعلية الإنسانية في مواجهة شعوب خارج حدود وحدتنا التراثية التي جمعت المسيحية والتراث اليوناني البيزنطي في مواجهة عالم آخر تمثله الامبراطورية العثمانية في سكينة رتابتها في مساحة القرن التاسع عشر.


وكان الجواب هو خصوصية تراث أوروبا في مجموعة الوثني والهليني اليهودي والمسيحي الذي يمثل وحدة في المفهوم الإنساني تتصل بعمق العقيدة في مجالها الدنيوي كما الروحي. من هنا كان ذلك التفوق هو حدود الثقافة التي تمثل قيماً وفاعلية إنتاجية تفضي إلى الإنجاز الحضاري.


كانت هذه بداية تحديد عناصر مفهوم الثقافة والمجتمع قبل نشوء العلوم الاجتماعية ودراسة الثقافات المختلفة عبر اكتشاف الحفريات القديمة.


ويبدو لنا أن ذلك التطور اتخذ طريقة في أساس التكوين التربوي والفكري مع مناهج القرن التاسع عشر. ونجد ذلك في التفريق بين حدود الكم وحدود الكيف كمعيار لفاعلية التقدم.


ولأنَّ مسار التعداد الحسابي الأفقي يعبِّر عن التخلُّف والعجز عن الصيغ المتكاملة في تحديد المصطلحات كمعالم طريق في تطور العلوم، فقد أجاب جيزو معِّرفاً الحضارة وجازماً بتفرُّد مسيرة عالمه التراثي، لكنه في الوقت نفسه أوضح آلية هذا التفرد وكنهه معتبراً أنه ليس منحة من السماء بل حصاد منهج فيقول:
«الحضارة لا يمكن تعريفها بغير التاريخ. إنها كامنة في التراث الخاص حيث يعود أصلها إلى اليونان.

 

فالثروة لم تكن في الأشياء ولكن من نظام تلك الأشياء لم تكن في العدد لكن فيما يشير إلى حقيقة ما وهي لذلك لا تأخذ في الاعتبار مطلقاً الكمية ولكن الكيفية التي تطبع الإتقان والنضوج».


لذا فحين نتحدث عن الثقافة والحضارة تبدو لنا صورة الحضارة الغربية في فاعلية حضورها المتلبس اليوم في عالمنا المعاصر في إطار تميز وسبق أن أسس لاعتراف ضمني أو صريح بسبق الحضارة الغربية.

 

كما أسس من ناحية أخرى بصورة ضمنية أو صريحة لهيمنة الحضارة الغربية في فاعلية حضورها الإنتاجي على مصير العالم كله.


هذه النتائج كانت النذر الأولى مع غزوة نابليون مصر في بداية القرن التاسع عشر وما نحن نعيش فيه اليوم من تهديدات إسرائيل وأميركا ليس سوى النذير النهائي والأقوى في أخطار مستقبل حاضرنا العربي.


فالمشهد لم تتغير عناصره النفسية والاجتماعية منذ بداية عصر الأنوار وهزيمة الحضارة الإسلامية بفعل التاريخ. وها هو اليوم مع أميركا الجديدة بقيادة ترامب وفريقه يستعيد نظرية غوبينو الفرنسي.

 

فالحضارة والإنجاز الحضاري ليسا استمراراً للإنسانية بل حادث غير مسبوق في الكون يمتلك ناصيته على حد تعبير غارودي.


ففي 11 أيلول (سبتمبر) التقى حادثان: حادث قوة الحضارة في تعاظمها الأميركي على التاريخ الإنساني وحادث 11 أيلول الذي يمثل كما بدا ظاهراً من هم خارج ملكية هذه الحضارة من الملونين من خلال هذا التحديد الذي نرى أثره في التحولات المقبلة. وأولى مظاهرها الانتخابات الأميركية وما سوف يتبعها في أوروبا.


هنا يجب أن نضع المشكلة في إطار تطورات عصر ما بعد الحداثة وعصر الهيمنة والمعلوماتية التي ترتكز في أساسها على جميع هذه المفردات لاستخراج نتائج في استراتيجية الكبار. وهناك الكثير من الكتاب الغربيين يرون القوة الأميركية المتعاظمة مجرد حادث في العالم. من هنا يجب أن نقيس قدرتنا على التحدي القادم بالمقياس نفسه الذي كون عناصر ذلك التحديد الذي يعود إلى آلية التكوين الفكري في الثقافة والإنتاجي في الحضارة كما هي عبارة جيزو «الثروة لم تكن في الأشياء ولكن في نظام تلك الأشياء. لم تكن في العدد ولكن في ما يشير إلى حقيقة ما».


من خلال هذا المفهوم سوف نضع المصطلحين التاليين في لغة السياسة اللبنانية «التعددية الثقافية» و «العيش المشترك».


لا نريد في هذه المقاربة أن نناقش في مفردات العدد في مفهوم التعددية الثقافية أو تعدد الثقافات.
فإذا صح أن ثمة تعدد ثقافات في المسيحية القادمة من اليونان وبيزنطية وفينيقية المتوسط أو في الإسلام القادم من بر الصحراء كما يحاول المنظرون المسيحيون اللبنانيون، فإن العبرة في كيمياء الثقافة على حد تعبير جيزو في عناصرها إذا شئنا أن نمنح لبنانيتنا التي نشأت مع بداية القرن العشرين- ثقافة وطنية ومجتمعاً بالمعنى التاريخي والحضاري.


فمصطلحا: تعدد الثقافات والعيش المشترك كلاهما ينطلقان من ضبابية المفهوم الوطني لصيغة لبنان.

 

ومن هنا كان هنالك تطلع إلى القسمة والاقتسام بفعل استراتيجية الحضارة الغربية المسيطرة.


من هنا نرى أن اللغة السياسية في لبنان تطامنت عفويتها الجماعية لسكة القطار الجديد لسايكس بيكو وبهما تفككت الثقافة والوطنية في سجل الحياة فأصبحت لغة سياسية انتقائية لا تعبر عن فاعلية الثقافة في المكونات التربوية والإعلامية للمجتمع لأنها افتقدت مرجعية وحدة روحية في مزيج القيم الدينية في البلاد. وهكذا أضحى العمل السياسي مجرد انتماء طائفي تسوده لغة وفاقية تفتقد الأفق بطبيعتها إذ تطفو على سطح المفهوم الوطني في صيغة أزمة دائمة تتطلب وفاقيات دائمة. كما هو مائل في سقفنا السياسي المنهزم أمام فاعلية المسؤولية التاريخية في بناء لبنان الوطن وهو على حرف من الانهيار الكامل.


إن أخطار التحولات المعادية في ظل العصر الإسرائيلي أنها تنبع من صميم الامتياز الغربي.


فالأخطار الراهنة تنطلق أساساً من قاموس القرن التاسع عشر، لذا تبدو مفاهيم التعدديات الثقافية التي هي مفهوم معرفي استشراقي نتيجة البحوث التاريخية التي جهدت لحل مشكلة الغيتو اليهودي في ألمانيا وأوروبا الوسطى حين رفض اليهود الانصهار في المساواة اليهودية طبق مبادئ الثورة الفرنسية كما جاء في كتاب كارل ماركس 1840 «المسألة اليهودية».


هكذا نحن اليوم في رداء الشرق الأوسط الكبير نجد أنفسنا خارج التاريخ القديم والحديث سواء تاريخ ثقافة البحر المتوسط أم ثقافة حُداة عيس الصحراء.


إن الحصاد النهائي لخطط إعادة خريطة الشرق الأوسط بمداد دولة إسرائيل هو أن مستقبلنا الفكري والإنمائي غدا في أزمتنا الراهنة أسير مصطلحات العدد وتراتبيته المطلبية في أزمتنا اليوم.


فنحن في لبنان كما في بسيط العالم العربي تعدديات حدود سياسية أو إتنية أو طائفية تضامنت لوحدة تصنيف داخلي جغرافي في الجغرافيا السياسية طبق خرائط بعد الحرب العالمية الأولى. وقد غابت وحدة التنمية حين أخلت مواقعها في خرائط العالم وغدت تحت ولاية صندوق النقد الدولي.


وهكذا نحن اليوم نحصد مسار قرن كامل من ذلك المسار الانتظاري السايكس بيكوي في التعدد والعدد المتحول لمصلحة الثابت الإسرائيلي في سائر صورها فيما أمم أمثالنا أنشأت مصطلحاتها ومساراتها في طريق نابع من تجربتها.


من هنا فالتحولات المهددة لوجودنا التاريخي التي نشهدها اليوم في لبنان - في فلسطين – في سورية - في العراق وفي كل العالم العربي هي النتيجة القاطعة لغياب رؤيتنا الفكرية في صياغة الحاضر المؤسس لآفاق مستقبل عربي في موكب نظام دولي.


والمشهد اليوم سواء في العجز (أمام داعشيات ظاهرة ومستترة) كما في ارتباك الأنظمة حين لم يعد لدينا في كثير من المواقع مرتكزات مجتمع صاغته حركة داخلية نفسية تغييرية بل «هو جمع حدودي» مفترض يدعى إلى شراكة بين شركاء جهزوا لهم المائدة.


من هنا تبدو لنا تحديات العيش المشترك اللبناني هي في المصطلح نفسه لأنه يحول القضية الوطنية عن مسارها التاريخي الصحيح ويترك للطفليات السلطوية التي تمثلت بمختلف الصيغ الوفاقية الطائفية أن توقف مسيرة الأجيال نحو المستقبل. فالعيش المشترك أضحى عيش اللحظة فيما السُكْنى الوطنية المشتركة هي الاستمرار التي هي روح البيئة والإطار.


فالجهاز السياسي رهن عقله خارج حدود البيئة التاريخية لمكونات لبنان العربي. من هنا بدأت سياستنا تطرح مشكلات انتقائية تفقد الحلول فاعليتها سواء في الاقتصاد أم في الزراعة أم في التربية حيث الحركة التربوية دائمة الخصوصية في التعليم الطائفي. وهنا فالنتيجة تبدو اليوم في إطار مزاجيات وحسابات طائفية راهنة افتقدت الخطة الجامعة في وحدة التنمية الاجتماعية والاقتصادية وهي اليوم نهب المسكنات الاحتجاجية في عجز لا أفق له. تلك طبيعة النظام على اختلاف العهود.


فمن أجل درء أخطار التحولات التي تطابق آمال الشباب الذين جمعتهم مسيرة المستقبل لا بد من أن نؤسس أولاً لفكر سياسي جديد يقوم على وحدة الذاكرة والتاريخ ووحدة المسار الثقافي والاجتماعي وإلا فإن نذير ما يحيط بنا غير بعيد.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان